هوس الشراء يرهق ميزانية العائلة

بغداد ـ فجر محمد
لايمكن ان يمر يوم واحد على مروة احمد دون ان ينشب شجار بينها وبين زوجها، وتتعالى اصوات الصراخ من داخل المنزل ويسمعها الجيران، حتى ان المحيطين بهم اعتادوا على هذه الخلافات والمشاكل التي تنشب بين الزوجين لان مروة ذات عادة سيئة يشكو منها زوجها دائما وهي الهوس بالشراء، اذ تحرص الزوجة دائما على اقـــــتـناء كــــــل مــــــــا هو جــديـــــد وبـــــشــكــــــــل يــومـــــي
تقريبا.
وترى مديرة مركز البحوث النفسية والتربوية في جامعة بغداد الدكتورة حنان العبيدي ان المشاكل والأزمات النفسية التي تعاني منها المرأة خلال حياتها تدفعها احيانا الى القيام بممارسات قد تثير غضب واستياء المحيطين بها، ومن بينها المبالغة والاسراف بشراء الحاجيات، وقد تتبع المرأة هذا الاسلوب كي تغضب زوجها خصوصا وعائلتها، واحيانا قد تصبح هذه العادة احد الاسلحة التي تلجأ اليها المرأة عندما تريد ان تثير استياء المحيطين بها، وهذا يشبه الى حد كبير شراهة النساء بالاكل، اذ ان هناك عددا كبيرا من النساء تنفس عن غضبها وحزنها بتناولها الاكل بشكل مستمر، وايضا الشراء بشكل مستمر ودون وضع ميزانية خاصة.
التباهي والتنافس

وتعتقد احمد ان التسوق المستمر هو الوسيلة الافضل لاثارة غيرة زميلاتها واخواتها ايضا اذ تقول : «احب ان اظهر بشكل مختلف يوميا وان يحتوي منزلي على ما هو جديد وحديث لاني اعلم بأن ذلك من شأنه ان يثير غيرة من حولي وحسدهم»، كما تحرص بشكل دائم على شراء كل ما يطرح في الاسواق من ملابس ومجوهرات وادوات منزلية، حتى ان بيتها صار يغص بهذه الاشياء، واكثرها ليست بذات فائدة، بل مجرد اكوام مكدسة تتباهى بها امام من يزور
منزلها.
ويقول ـ حسين سعدـ (صاحب احد المحال النسائية): ان عددا كبيرا من النساء يزرن محله بشكل يومي تقريبا، وهناك زبونات دائمات على حد قوله يحرصن بشكل مستمر على شراء الملابس اما مرتان او ثلاث خلال الاسبوع.
ولاتقتصر هذه العادة النسائية على عمر معين، بل يؤكد سعد ان النساء بمختلف الاعمار يعشقن التسوق، وفي محل حسين تتوزع الملابس النسائية المختلفة الاشكال والالوان، فضلا عن النظارات الشمسية ذات الماركات المختلفة، وهو يمنح الزبونة الفرصة لاختيار البضاعة وتجربها ويتعامل بصبر مع كل زائرة لمحله.

مرض نفسي

اثبتت الدراسات العلمية ان هوس الشراء هو مرض عقلي حقيقي ومعروف في الطب النفسي وهو يشبه الإدمان، حيث تكون هناك لهفة شديدة للشراء وعدم القدرة على المقاومة وتكون الرغبة اندفاعية وشديدة، وتبدأ الحالة بشراء بعض الأشياء القليلة التي لايحتاج إليها الشخص دون التفكير في العواقب، وبعد ان تتطور الحالة وتأخذ في زيادة المشتريات يشعر الشخص براحة أكبر وفي بداية الإصابة يكون سعيدا.
ولكن بعد ذلك يشعر بالضيق والكآبة والخجل من النفس، اذ يجد انه ليست لديه القدرة على التحكم في رغباته و ليست لديه الارادة ليتوقف عن هذه العادة التي ينفق بسببها الكثير من الاموال، وهذا الشعور يزعج اي إنسان وقد يصل الأمر بالبعض إلى حد التعرض للديون وتظهر هذه الأعراض للشراء المرضي عند البعض في صورة شراء اي شيء خارج عن احتياجاتهم، أو شراء أنواع محددة من السلع والإسراف في شرائها مثل شراء كميات كبيرة من الملابس رغم تكدس الدولاب أو شراء أحذية يعجب بشكلها وأن كانت لا تتناسب مع مقاسه أو الإسراف في شراء
التحف.
واثبتت الدراسة ان هذا المرض قد يقع فريسة له كل من الرجال والنساء ولكن النساء هم الاكثر عرضه له، ويرجح العلماء وجود أسباب متعددة للاصابة بالمرض منها الاكتئاب والذي يتنج عنه نقص في مادة معينة في المخ وهي السيرتونين والشراء هو احدى الوسائل لإزاحة هذا الاكتئاب، ومن الاسباب الاخرى الفراغ الذي تعاني منه خصوصا النساء غير العاملات، و النساء والرجال الذين لديهم فراغ عاطفي يقومون باشباعه عن طريق
التسوق.
كما اشارت الدراسة الى ان الانتقام من الزوج هـــــــو ايضا احــــد اسباب هذه العادة التي تتبعها نساء كثيرات، وقدي يكون ناتجا عن إهمال الزوج لزوجته وانشغاله عنها لفترات طويلة وهذا يدفعها إلى الثأر منه، فتتعمد للرد على زوجها من خلال جيبه الخاص وانفاق مبالغ كبيرة على التسوق، وكذلك حرمان الطفل من بعض الاشياء، اذ قد ينشأ البعض في الصغر في ظروف ماديــة لا تجعله قادرا على شراء ما يتمناه، فعندما تتوافر لديه الأموال يقوم بتعويض هذا الحرمان بشكل مرضٍ مبالغ فيه، واحيانا يكون سلوكا اجتماعيا خاطئا ينشأ عليه الفرد منذ الصغر وهو المبالغة في الاستهلاك و شراء الأشياء
واستهلاكها .
وفي حادثة غريبـــة باحــــدى الـمــدن الصينية انتحر الشاب الصيني تاو هسيـــاو، 38 عامــاً، اذ قـفـز مـن شرفة أحد الأدوار العلـيـا بـمــول تجاري في مـقـاطــعة جيـانـغسو شرق الصين، إثر شجار عاصف مع صديقته
الحميمة.
وقال شهود عيان انهم سمعوا «هسياو» يقول لصديقته في حالة من الانفـعال انهـ يحمل الكثير من أكياس التسوق، كما أنـه لا يستطيـع حمـل المـزيد ولكنها أصرت على الدخول إلى المزيد من محال الأحذية بحجة وجود عروض خاصة
بها.
وأضاف الشهود أن صديقته بدأت بدورها الصراخ عليه كما وصفته بأنه بخيل ويريد أن يفسد عليها الاحتفال بأعياد الميلاد.
وانتهى النقاش بأن قام الضحية بإلقاء الحقائب على الأرض وقفز من الشرفة محطما الزينة المعلقة للاحتفال بأعياد الميلاد مسببا الذعر
للمتسوقين.

الحاجات الضرورية

وتنصف العبيدي المرأة العراقية، اذ تؤكد انها ليست من محبي التبذير، الذي حرمــــــه الاسلام ونهانا عنــــه الرسول الكريم، وان عادة التسوق بشكل مستمر لا يستهوي جميع النساء العراقيات بل عددا معينا منهن، فـــي حين لـــو تمــت المقارنة بين المجتمـــع العراقــــي واي مجتمـــع عربـــي اخــــر ستجد ان المــــرأة هنـــا تفــكر ببيتهــا واولادهــا وعائلتـها بشكـــل مستمر وتــحرص على تلبيـــة كـــتل ما يحتاجونه من حاجات
ضرورية.

الاعلانات وسيلة جذب

تتابع مروة وباستمرار مواقع الدعاية والاعلانات على شبكة الانترنت، فضلا عن القنوات التلفزيونية وتحرص وباستمرار على شراء كل ماتطرحه تلك المواقع، فهناك قنوات تلفزيونية خاصة بالادوات المنزلية ومساحيق التجميل التي تتواجد اغلبها في الاسواق المحلية وبالامكان الحصول عليها، وبالامكان العثور على اي ماركة تجارية في منزلها مهما كان السعر.
ويوضح استاذ مادة الاعلان في كلية الاعلام بجامعة بغداد الدكتور حسين رشيد العزاوي ان الاعلانات تستقطب النساء خصوصا لانها تخاطب عواطفهن بدرجة كبيرة، ويعد الاعلان فنا من الفنون التي تعتمد على بناء رسالة للناس تعتمد على الاقناع والتأثير في الجمهور، وهناك مجموعة من الاستجابات من بينها جذب الانتباه وتحدث نتيجة مؤثر قد يكون اللون احيانا، ثم اثارة اهتمام الجمهور، وهناك استمالتان واحدة عاطفية تستهدف النساء غالبا واخرى عملية تستقطب المتعلمين.
لافتا الى ان الوكالات الاعلانية تدرس اولا خصائص الجمهور ثم مقدار الرواتب، وغالبا ما تعمل الوكالات على بث اعلاناتها خلال موسم التسوق مع مراعاة الدخل الاقتصادي، ولابد من ان يحقق الاعلان للسلعة الميزة البيعية واستقطابها للجمهور، ومن الملاحظ ان الاعلان الارتجالي عمره قصير جدا مقارنة بذلك المدروس بشكل صحيح.
ويشير العزاوي الى ان توظيف المرأة في الاعلانات لاسيما المشهورة كالفنانات يدفع المرأة الى شراء البضاعة رغبة بتقليد تلك الفنانة، فضلا عن السلع الخاصة بالاطفال ايضا تخاطب المرأة لانها صاحبة القرار في شراء الملابس والحاجيات الخاصة بالطفل.

حرمان الطفولة

نشأت الزوجة في عائلة كبيرة مؤلفة من ثمانية افراد، وكان الاب موظفا براتب محدود لايكفي سوى لتلبية الحاجات الضرورية فقط ، لذا تعودت هي واخواتهاعلى نمط معين من الحياة فلم تكن تستطيع الحصول على كل ماترغب به اسوة ببعض الصغار، الذين اعتادوا ذويهم على تلبية رغباتهم المستمرة، ولذلك كان على مروة ان تتقبل القوانين المفروضة في العائلة ومن بينها التسوق للضرورة
فقط.
وتشير استاذة علم النفس في جامعة بغداد الدكتورة شيماء عبد العزيز الى ان ادمان المرأة على التسوق احيانا هروب من الواقع الذي تعيشه،وقلة اختلاطها بالاخرين وعدم وجود صداقات حقيقية ، فضلا عن حالة الفراغ التي قد تعيشها بعض النساء مما يجعلها تبحث عن مخرج لمشاكلها النفسية التي قد تتعرض لها خلال حياتها، لذلك تذهب المرأة للتسوق وهي لاتعرف ماذا تريد او ما الذي هي بحاجته ، واثبتت الدراسات العلمية ان المرأة التي تعاني من الضغوطات النفسية تفضل التبضع بشكل مفرط وهذا يعيد الاتزان النفسي لها.
لاسيما اذا كانت بمفردها، فهي تعد مشاهدة المحال والوقوف امام واجهاتها سببا كافيا لتشعرها بالسعادة، ولكنها بالوقت نفسه تسبب خسارة بالاموال لانها تبتاع اشياء غير ضرورية لكنها تشعرها بالنشوة والفرح لانها تفضل التكتم على مشاكلها وعدم التحدث مع زوجها او صديقاتها او الناس المقربين منها، وقد تبتاع ايضا اشياء وحاجيات للاخرين بهدف كسب ودهم
ورضاهم.
وتوضح عبد العزيز ان حرمان الطفولة احد الاسباب الرئيسة التي تتسبب بهذه الحالة، اذ تعد السنوات الاولى من عمر الانسان، لاسيما الخمس الاولى هي ما تشكل شخصيته في المستقبل، وتجعل منه انسانا سويا او غير سوي، اذ قد يحرم الطفل من اشياء يعدها ضرورية في سنه، فضلا عن الالعاب التي قد يجدها عند اقرانه فيشعر بالحسرة، كما ان العلاقات الاسرية الصحيحة والود والتفاهم بين الوالدين له اثر كبير ايضا في شخصية الطفل، وكذلك المشاكل والخلافات التي تتواجد بين الابوين تترك آثارها في الطفل وتظهر بالكبر، لذلك فان المرأة التي تعرضت للحرمان في الطفولة يظهر عليها الافراط بالتسوق كي تتخلص من تلك التجربة المريرة التي عانت منها في
طفولتها.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.