نكران المعروف… طبع أم للظرف دور فيه؟

بغداد ـــ نجلاء عبدالامير الربيعي
غالبا ما يكون فعل الخير صادراً من الناس الذين تحكمهم العاطفة، فهم عندما يمدون يد المساعدة، تكون تلك المساعدة ناتجة من روح التعاون، وحب الشخص الذي تقدم له تلك المساعدة، ومكانته في داخلهم، لذا فان فاعل المعروف يتوقع رده عند الحاجة اليه ممن ساعده، لكن ناكر المعروف يفعل العكس من ذلك، وهذا ما حدث مع «ابو مرتضى» من قبل اقرب اصدقائه، الذي اظهر غير المتوقع منه في اول موقف احتاج اليه.
يقول ابو مرتضى متألما من نكران صديقه لمعروفه:
« لقد كنت اقدم لصديقي المساعدة دون التفكير في حجم تلك المساعدة، و ذلك لعمق العلاقة التي تربطنا ببعض فقد كنت اعده من اعز اصدقائي واقربهم لي، فقد بدانا العمل سويا بالتجارة، بدءا من الشراكة في محل صغير الى ان تطورت تجارتنا، واصبح لكل منا عمله الخاص، فكان عندما تواجهه اية مشكلة يجدني اول المبادرين لحلها، لدرجة انه كان يقول لي: بانه يفكر بي عند الحاجة قبل اهله، لكن بعد فترة تغير الوضع وتعرضت لخسارة في عملي، وكنت اظن بأني ادخر صديقا سندا في وقت الضيق، وانه سيدعمني مثلما كنت اعمل معه، لكن الذي حدث ادهى وابلى من الخسارة التي بليت بها، فاذا بصديقي يتنكر للمعروف الذي بيننا، وإذا به يتحدث عن عدم قدرته على ابداء المساعدة لي، وانه لا يمتلك من المال ما يسد حاجتي، بالرغم من علمي بانه يمكنه ذلك، والاغرب من ذلك هوانه لم يحاول ابداء اية مساعدة تظهر اهتمامه بوضعي ولا حتى السؤال عني ، لدرجة انه اصبح يتجنب الحضور في المكان الذي احضر فيه، وبذلك فقد صدمني موقفه، موقف الجاحد الناكر للجميل الذي تركني اتجرع مرارة الخسارة ونكران الصديق».
لذا فان نكران المعروف امر صعب، يصدر من الانسان الذي لا يعرف عن الوفاء شيئاً ولا يقدر قيمة الاخلاص، فهو يصر على قطع تلك اليد التي مدت لأجل مساعدته، حتى لا تذكره بمن كان وفياً معه.

صعوبة الموقف
ويضيف ابو مرتضى بتذمر واضح:
« ليس هناك اصعب من نكران المعروف وخاصة من الناس الذين كنا نثق بهم، فقد ترك هذا الموقف في نفسي حسرة والم كبيرين، فانه اثر في حياتي وعلاقتي مع الاخرين تأثيرا واضحا، لذا اصبحت اتجنب التعامل مع الناس، لدرجة ان هذا الموقف جعلني احسب الف حساب في تعاملي مع المقابل، ولهذا فقد اعتمدت ان تكون مساعدتي مقتصرة على اسرتي فقط ولا تتعدى لغيرهم، لان صدمة نكران الصديق تركت في نفسي شعوراً من عدم الثقة بأقرب الناس».
وتوضح الباحثة في علم النفس ازهار اللامي:
«بان نكران المعروف هو حالة قد تظهرها الظروف التي يمر بها الفرد والتي تؤدي به الى ان يسلك هذا السلوك السيئ الذي يتسم به اصحاب النفوس اللئيمة الخائنة التي تتصف بحب الذات ونكران المعروف، فان علاقتهم مع الناس دائما ما تكون محكومة بالهدف المراد الوصول اليه، دون الاعتراف بأصحاب الفضل الذين اوصلوهم
للهدف».
كما تبين اللامي:» بان تكرار هذه الحالة تؤدي بالفرد الى ان تصبح هذه الحالة طبعاً يصطبغ به وسمة من سماته الشخصية، التي يتعامل بها في حياته اليومية، وفي ابسط المواقف، هذا ما يجعله انساناً منبوذاً وغير محبذ التعامل معه».

من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق
تتحدث الطالبة الجامعية «سالي حميد» عن اجحاد صديقتها للمعروف الذي كانت تقدمه لها، فتقول:
« ان معي طالبة في الجامعة كنت احسبها صديقة مخلصة، فهي كانت دائما ما تحدثني بلطف، وتحرص على ان نتبادل المعلومات معا، خاصة واننا في قسم علمي، السؤال فيه يحتمل عدة اجوبة، وبهذا الشكل بدأت تتقرب مني، فقد جعلتني اقدم لها كل ما تجهله من معلومات الدراسة، بالشكل الذي يجعلها في مصاف الطلبة المتميزين في المحاضرات، وان ما كنت اقدمه لها من معلومات هو جزء من حب المساعدة لا حاجة لي برد تلك المساعدة، لكنها لم تجازيني حتى بالشكر بل كانت مجازاتها لي، هو تقديم الحلول التي اقدمها لها للأساتذة قبل المحاضرة، حتى تظهر بانها طالبة متفوقة، وتنافسني في الدراسة، وعندما ادركت بانها تحاول سلب مجهودي العلمي، توقفت عن تقديم اية معلومة لها، واذا بها تتصيد بالماء العكر من خلال افتعال المشاكل معي».
وتبين ازهار اللامي:
« ان انانية ناكرالمعروف الذي يحاول سلب امكانيات وقدرات الاخرين وانسابها لنفسه، قد تدفع اصحاب النفوس السوية الى ان يبتعدوا عن المبدأ الذي كانوا يؤمنون به، حفاظا على مكانتهم التي يحاول الناكر للمعروف سلبها منهم، وهذا ما يدفعهم للتوقف عن ابداء المساعدة، لذا فان ناكر المعروف يتسبب في تأذية تلك اليد التي قدمت المساعدة ويدفعها الى التنصل من روح التعاون مع الناس».
وتضيف حميد ومظاهر الانزعاج واضحة عليها :
«ان موقف صديقتي معي، جعلني اتوخى الحذر من جميع المحيطين بي، لان نكرانها للمعروف و خذلاني من خلال جعلي الوسيلة التي تصعد بها، جبرني على ان اضع حداً عند تقديم اية مساعدة وان لا اتمادى في تعاوني مع زملائي، حتى لا اقع في المصيدة مرتين».

دور الظرف
تروي « ام زيدون» وهي امرأة خمسينية وربة بيت، الموقف المحرج الذي وضعت فيه، وظنها بان اختها ناكرة للمعروف، مسترسلة في الحديث:
« ان الاحداث التي عصفت بنا من تدهور في الوضع الامني في السنين الماضية، دفعني للهجرة من المنطقة التي كنت اسكن فيها، وهذا الشيء اضطرني للجوء الى اختي، التي كنت اظنها انها اول من سيؤويني في مثل هذا الوضع المحرج الذي وضعت فيه، وذلك لما لي من مواقف حسنة معها اضافة الى صلة الرحم التي تربطنا.
لكنني صدمت بموقف اختي الرافض للمساعدة دون اي توضيح لذلك الرفض، هذا ما دفعني في الوهلة الاولى الى ان اظن بانها ناكرة للمعروف، وانها خذلت وغدرت اقرب الناس لها، لكن بعد فترة اتضح لي بانها تعاني من مشاكل عائلية مع زوجها دفعتها الى ان تتنكر لطباعها، وان تنسلخ من صفاتها الحسنة لمواجهة ما تعانيه من
مشاكل».
وتوضح الباحثة النفسية ازهار اللامي:
« بان للظروف الاجتماعية والمالية وحتى النفسية دوراً في ان يظهر البعض من الناس بصورة الناكر للمعروف، وذلك بسبب ظرفه غير المتوازن وعدم قدرته وامكانيته على رد ذلك المعروف الذي قدم له في وقت سابق، يدفعه الى ان يظهر بصورة الناكر للجميل وعديم الوفاء، وذلك من اجل معالجة المشاكل التي اضطرته الى هذا
الفعل». كما تضيف ام زيدون وهي مستاءه مما حدث:
« انه يجب على الانسان ان يوضح للمقابل الظروف التي يعيش بها وطبيعة المشاكل التي يعانيها، بدلاً من اظهاره بصورة الناكر للجميل، التي تحز في نفس الناس المقربين منه، وتجعلهم اخذين عنه انطباعاً يبعدهم عن اللجوء اليه في وقت الحاجة».

آثاره الاجتماعية
وتبين الباحثة الاجتماعية سجى الركابي:
«بان نكران المعروف من الامراض الاجتماعية التي تتفشى وتنتشر بين الناس بصورة واسعة، وخاصة في المجتمعات النامية، التي يكون فيها افراد يبنون علاقتهم مع الناس لأجل الوصول الى اهدافهم، وبعدها ينكرون فضلهم معهم، لذا فأنها تعد صفة مذمومة دينيا واجتماعيا
واخلاقيا».
وتوضح الركابي:
«بان ظاهرة نكران المعروف تكون نتيجة لأسباب عديدة، منها ما يعود الى التنشئة الاجتماعية للفرد، وكذلك النفوس الضعيفة التي لا تحب الاعتراف بما اسدى لها من معروف نتيجة لشعورهم بالغيرة، وايهام انفسهم بان وصولهم الى هدفهم جاء نتيجة كفاءتهم، وانه لا فضل لاحد عليهم، فيما وصلوا اليه.
وكذلك في بعض الاحيان نجد ان الظروف قد تكون احد الاسباب التي تدفع الفرد الى ان يتنكر للأخرين معروفهم معه»،مؤكدة:
«ان لهذا الشيء اثاره ومردوداته السلبية،التي تؤثرعلى الفرد والمجتمع على حد سواء، لذا فان هذا السلوك البذيء يؤدي الى مشكلات اجتماعية، فهو يلوث تلك القلوب الطاهرة ويبعدها عن طيبتها، وخاصة لدى الاشخاص المتضررين منه، فهو يدفعهم الى التخلي عن خصالهم الحسنة، نتيجة ما اصابهم من خذلان ونكران للمعروف، فقد يحاولون افشال من انكر معروفهم.
وبالتالي فان هذا يؤدي الى اضعاف العلاقات الاجتماعية وتشويه القيم والمبادئ التي تربى عليها المجتمع، من احترام فاعل الخير، وشكره على معروفه، لان الذي لا يشكر المخلوق لا يشكر الخالق ، لذا فان ناكرالمعروف يحاول هدم انبل واروع صفة وهي روح التعاون بين المجتمع، ويقطع اكرم يد وهي يد المساعدة».

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.