مواطنون يحولون مكبات النفايات الى مناطق خضراء بجهود طوعية

بغداد – قاسم الحلفي
لم ينتظروا تذكيراً من أحد بما يترتب عليهم تجاه مناطق سكناهم وشمروا عن سواعدهم وأنفقوا من جيوبهم ليحولوا مساحات فارغة كانت مكبات للنفايات ومستنقعات تسرح وتمرح بها الحشرات والجرذان والفئران وتنبعث منها روائح كريهة، تقع هذه المساحات أمام مدرستين ابتدائيتين يتعرض طلبتها من البنين والبنات الى مختلف الأمراض التي تلحق الضرر بأجسادهم الطرية، متقاعدون وكسبة وشباب تمكنوا خلال سنة واحدة من تحويل تلك المساحات الفارغة الى حدائق خضراء تنبعث منها الروائح الطيبة وتحولت الى أماكن للتسامر والاستراحة والاستفادة من المزروعات التي تنتجها تلك الحدائق.الفكرة الأولى
يقول نجم عبيد ثامر «أبو علي» من منطقة الرسالة الثانية: «إن أرضا فارغة تقدر مساحتها بأكثر من ألفي متر تتوسط بيوتنا والمدارس تحولت بسبب مياه صادرة من المولد الأهلي وأنقاض ونفايات يرميها الساكنون في المنطقة الى مستنقع نتن تكثر فيه الحشرات والجرذان والفئران وأصبح يشكل خطراً على بيوتنا بعد دخول تلك الحشرات والقوارض إليها، فضلاً عن المخاطر التي تلحق بالأطفال من البنات والبنين من طلبة المدرستين الابتدائيتين اللتين تقعان مقابل بيوتنا وتفصلهما المناطق
الفارغة».
وأضاف: «إن الفكرة بتحويلها الى مناطق خضراء بدأت بالتعاون بين الجيران للتخلص من المياه الآسنة والأنقاض والنفايات، وخشية أن تكبر تلك النفايات وتصبح غير مسيطر عليها، وكذلك فإن الروائح بدأت تدخل بيوتنا عنوة، لاسيما في فصل الصيف وتشغيل مبردات الهواء، وايضاً تعاني المدرستان وطلبتها وملاكها التدريسي من تلك الروائح والحشرات والقوارض».
ويسترسل «أبوعلي» في حديثه: «اتفقنا نحن الجيران على تحمل كل منا مسؤولية المنطقة المقابلة لداره وتنظيفها، فبدأت العمل قبل جيراني لأن المستنقع يقع أمام داري وقمت بحملة كبيرة أنا وأولادي للقيام بعمليات التنظيف ورفع المياه الآسنة والطين والنفايات، واستأجرت آليات منها الشفل والسيارات الناقلة للأنقاض ورفعت نحو 20 طناً منها وزدت عليها بخمسة أطنان للوصول الى الأرض الأصلية، ثم اشتريت حمولة أربع شاحنات من «الطين الحر» مستغلاً تنفيذ شركة أهلية لمشروع مد أنابيب لجعل التربة قابلة للزراعة، وبعد أن أصبحت الأرض جاهزة للزراعة زرعتها بالثيل الطبيعي وأصبحت حديقة خضراء بدل المستنقع العفن».

قاعة متعددة الأغراض

يستمر «أبو علي» في حديثه عن كثرة الخطط التي ولدتها عملية تحويل المستنقع الى حديقة خضراء، ويقف عند فكرة إنشاء قاعة داخل الحديقة التي تبلغ مساحتها حوالي 600 متر مربع بالقول: «قررت إنشاء قاعة من مالي الخاص تكون متعددة الأغراض فهي تستخدم على مدار السنة كموكب حسيني لأداء الشعائر الحسينية في المناسبات الدينية للابتعاد عن قطع الطرق أو مضايقة أصحاب السيارات والناس، وكذلك توفير أكبر قدر ممكن من التدابير الأمنية لمن يقيمون بأداء شعائرهم، وكذلك قاعة تجتمع فيها العشائر لحل المشاكل وإصلاح ذات البين، وايضاً يمكن استخدامها للترويج الانتخابي إذا ما حل موعد انتخابات مجالس المحافظات أو مجلس النواب، أو تخصص لإعطاء دروس التقوية خلال أيام الامتحانات».
مشيراً الى إنفاق نحو 7 ملايين دينار منذ عام للوصول الى تلك النتائج التي تحتاج الى إنفاق جديد لإكمال العمل».

حديقة ونافورات

في المساحة المجاورة وجد محمد حمد سلمان «أبو أيمن» سلوته في تحويل تلك القطعة التي تصل مساحتها الى 200 متر مربع من مكان لرمي الأنقاض الى حديقة تسر الناظرين، ويقول: «رغم كبر سني إلا أنني قررت تحويلها بجهود شخصية وإنفاق خاص وصل الى نحو ثلاثة ملايين دينار الى حديقة تستفيد منها العائلة والجيران».
ويتابع: «قمت في المرحلة الأولى بتنظيف المساحة المخصصة لي ونصبت سياجا من الركائز الحديدية والأسلاك العازلة لمنع المتجاوزين من رمي النفايات أو الأنقاض».
واضاف: «قمت بإحاطة الأرض من أطرافها الأربعة بساتر ترابي مرتفع بحوالي 15 سنتيمتراً عن الأرض ثم سقيتها بالماء بكثافة لتصبح رخوة ومشبعة بالماء، ثم قمت بزراعتها بالثيل من القطع التي ترص بشكل متناسق وتحولت المساحة الفارغة الى حديقة خضراء، وأصبح لدي الحافز لوضع لمسات أخرى عليها لإعطائها جمالية أكثر، وبحكم تخصصي بعمل النافورات قمت بنصب نافورتين صغيرتين داخل الحديقة وأوصلتهما بالماء فأصبحت الحديقة أكثر جمالاً».

فوائد أخرى

لم تتوقف إضافات «أبو أيمن» عند هذا الحد، بل تعدتها الى فوائد أخرى يوضح عنها: «خصصت جزءا من الحديقة للاستراحة فقمت بتسقيف المكان ووضع الكراسي والطاولات ليكون مكاناً لاستضافة كبار السن من أقراني للتسامر والتشاور في كثير من الأمور عند المساء، أما في الصباح فأصبحت الحديقة مكاناً لطلبة المدرستين للجلوس فيها ومراجعة دروسهم في أيام الدراسة العادية أو أيام الامتحانات قبل دخولهم الى المدارس، فضلاً عن استراحة المعلمات وطلبتهن في أجواء مريحة وهواء نقي وخضراء تسر النفوس».
ويزيد: «خصصت مساحة أخرى زرعت فيها «الرشاد والكرفس والفجل والريحان» للاستفادة منها كونها من مكملات المائدة للعائلة».

منتجات زراعية

أمر مختلف متعلق بالخبرات الزراعية لجارهما فوزي محمد حسين «أبو محمد» كونه ينحدر من عائلة فلاحية الذي قام «باستغلال المساحة الأكثر المخصصة له في زراعة أشجار الكالبتوس لتوفير الظلال في فصل الصيف، وكذلك زراعة الباقلاء بنوعيها واللوبياء»، مشيرا الى أن الأرض العراقية قابلة للزراعة ولا تحتاج إلا الى القليل من المستلزمات، وقد عقدت العزم على زراعة المساحة المخصصة بمحاصيل عديدة لتكون خضراء ومنتجة لمواد تقلل نفقات العائلة الأسبوعية».
وأكد أبو محمد أنه قرر زراعة محاصيل الخيار والطماطم والباذنجان والبصل والفلفل الأخضر والرقي والبطيخ، وكذلك محصول الذرة الذي يعطي سياجاً أخضر للحديقة وناتجا يستخدم للطعام، مستغلاً خبرته الزراعية».
مؤكدا أن «جميع جيرانه لم يعتمدوا على جهود دائرة بلدية الرشيد التي تقع مناطقهم ضمن قاطع عملها لعلمهم بالأزمة المالية التي تعاني منها البلاد وتقليص الإنفاق لجميع الدوائر الحكومية»، لكنه يستدرك: «نحن بحاجة الى الماء فقط ونتمنى من دائرة بلدية الرشيد تزويدنا به عبر أنابيب الماء (الخابط) المخصص للسقي والزراعة أو أي أسلوب آخر، لأننا أسهمنا في زراعة ألفي متر مربع خصصت حسب خرائط البلدية كمناطق تشجير وأصبحت مكبات أنقاض ونفايات وحولناها الى حدائق ومناطق خضراء».

فسحة أمل

أما جارهم «أبو جمال» فبين: أن «روح التعاون بين الجيران وعزمهم على تقديم جهود مشتركة لتقديم الخدمة لعائلاتهم ولأهالي المنطقة عبر تحويل مناطق جرداء ومملوءة بالنفايات والانقاض الى مناطق خضراء وحدائق مفتوحة لجميع الناس ليجلسوا فيها ويرتاحوا من عناء التعب اليومي»، موضحاً انها فسحة أمل لأطفاله وأطفال الجيران في إيجاد أمكنة للعب والاستجمام في أماكن بعيدة عن السيارات والشوارع التي قد تعرضهم لخطر الدهس أو الاعتداء أو الخطف».
مبيناً انه «يعمل حالياً على إكمال بناء الحديقة بالحجر ووضع أرجوحة وألعاب ليستمتع بها الأطفال، لاسيما بعد أن أحاطها بسياج يحافظ على المزروعات والألعاب»، لافتاً الى أن هناك عائلات تسكن في بيوت مساحاتها صغيرة ويعاني أطفالها من ضيق مساحة اللعب فيجدون متنفسهم في الجلوس بتلك الحدائق أو اللعب فيها في أمان واطمئنان»، مشدداً على أن ما فعلوه من مبادرة للتخلص من النفايات والانقاض يمكن أن يطبق في مناطق كثيرة داخل مناطقهم السكنية في بغداد أو المحافظات لأن إنفاق الأموال والجهد المقدم في أراض تعود ملكيتها للدولة وتستثمر في الزراعة المنتجة للمحاصيل الزراعية أو إنشاء
الحدائق أمر مربح ولا خسارة فيه، فهو من ناحية يمكن أن يخفض النفقات اليومية لشراء الفواكه والخضر أو يوفر حديقة
لعائلته وجيرانه».

ملعب صغير

لم تقتصر مبادرة الأهالي على إنشاء الحدائق واستغلال المساحات الفارغة في الزراعة، بل تعداه الى توفير مساحة أخرى مسيجة للعب الكرة، ويشير عيسى عبد الحسن «أبو حيدر» الى أن «المساحة المقابلة لداره لا تصلح للزراعة لوجود طبقات من الاسفلت تحتها، فقررت أن أنظف مساحة من الأرض وأسيجها لجعلها ملعبا لكرة القدم لأطفال المنطقة.
وقد باشرت حاليا بتنظيف الأرض وأعمل على توفير مبلغ لشراء السياج المخصص للساحة لإحاطتها وتهيئتها ونصب الأهداف الصغيرة فيها»، معللاً سبب تخصيص مساحة للعب الكرة لعدم تمكن الأطفال من اللعب في ملعب الخماسي
القريب كونه لا يسمح لهم باللعب فيه من جهة ويترتب عليهم دفع مبالغ ليلعبوا فيه».
وبين: «ان تخصيص ساحة صغيرة مسيجة للأطفال للعب الكرة يبعدهم عن الطرقات العامة والأزقة التي قد تعرضهم لحوادث الدهس أو الاعتداء وتكون لهم خصوصية في مساحة من الأرض تستثمر بشكل جيد وبجهود الأهالي الذين أجمعوا على ضرورة القيام بهذه المبادرات بشكل طوعي
وبإنفاق من جيوبهم الخاصة، بعيدا عن تكليف الدولة بمهام يمكن تنفيذها في وقت تقدم فيه قواتنا الأمنية وأبناء الحشد الشعبي والعشائر بطولات فذة ويسترخصون الدماء لمنح الحياة لنا ولأطفالنا، لأن المواطنة لا تحتاج الى دفع أو تشجيع».

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.