من أين لك هذا؟

حمد صالح ارخيص
جملة وان كانت وجيزة وبسيطة الا انها تحمل الكثير من المضامين التربوية. بل هي الف باء التربية في أعظم مدرسة نسجت خيوطها حدب الوالدين وحنوهما على أبنائهم حين يرون شيئاً غريباً بين أيدي فلذات اكبادهم، وكأنه يحمل جرس إنذار، يستشعران الخطر الداهم لكل حركةِ وسكنةِ ممن هم تحت جناهم . لايتركون شاردة ً مهما صغرت ولا واردة مهما عظمت الا ولهم فيها رأي حصيف أو نصيحة أبوية هادفة يوجزان فيها حكمة السنين ومستشرفين تباشير المستقبل. من وضع (هذه العبارة ذات المدلول الرقابي) نصب عينيه لم يلتفت إلى زخارف الدنيا وبهرجها؛ لان ما تعلمه من الوالدين يغني، بل لايكلفه العسير لان فيها حسابا للذات قبل حساب الآخرين. وفيها أيضا إتهام مبطن بإيجاد المبررالعُقلائي للاستحواذ على الاشياء في أن يكون قد اعد للسؤال عدته، وهذا لايكون الا لمن استصعب سؤال الآخرين، وامتلك حساً شفافاً وجبلة انسانية، فكيف في إعداد الجواب وتقديم المبرر. كما إنها تشجع باختصار كل من يريد الانطلاق لخدمة المجتمع بجد وسعي دؤوب لتقديم كل ما لديه من طاقات وليزيح عن كاهله حرج السؤال واتهام الجاهل، فالاجدى بمن يسعى الى الاصلاح الا يضيره تقديم كشفِ امام الملأ بممتلكاته وذويه من الدرجة الاولى (خاصته) ليكون بمنأى عن المساءلة إذ ما عاتب المرء الكريم كنفسه. نريد اناسا ضمائرهم شفافة وعقولهم راجحة وقلوبهم بيضاء لانكتة فيها ولازوغان، بل هو من يجبر الآخرين على امتثاله لكشف الذمة، وهذا ما كان عليه سلفنا الصالح حين يخاطب الجميع بمقولته الرائعة، اذا خرجت من الحكم او من الدنيا ولديّ غير ما آتيتكم به فاتهموني. فلماذا هذا الحرج من تطبيق هذه المقولة؟ ولماذا توضع العراقيل تجاه تنفيذها؟ وهي اساسا تعمل على حفظ الانسان المؤمن من كيد الجاهلين ومكر الماكرين وظنون المنافقين. بل ان في تطبيق هذا الامر من زرع الثقة بالنفس وبالآخرين ما يقطع الطريق امام المتلصصين الذين «لايرقبون في مؤمنِ إلّاً ولا ذمة». وفيه من المواساة والتعفف ومعايشة هموم الناس وعوزهم ما يدعو الى الصبر والتصبر وزرع المحبة الصادقة والاخوة في الله تعالى ومجاراة قليلي ذات اليد لكي لايتبّيغ بالفقير فقره ولايستشري بالغني غناه. لذا يجب ان يواكب هذا التساؤل تحديد رواتب المسؤولين وتقليل امتيازاتهم وحمايتهم وسياراتهم والآخذ بالاسوة الحسنة مع مطابقة القول للفعل فالناقل بصير والمراقب خبير، وأن يكون راكزاً في خلجه ان كل صفة يتصف بها أو شمائل يتمتع بها واعمالِ يعملها أو يتستر عليها وإن خالها تخفى على الناس تُعلمِ، ان عاجلاً أو آجلاً، شراً كان أم خيراً.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.