ليل الكرادة…عرس يومي يمنح الفرح مجانا لزائريه

بغداد ـ يوسف المحمداوي
ليلها لايشابهه ليل، فرحها صاغته الوان قوس قزح، وزينتها حشود الزائرين لشوارعها بقلادات الأمل وتفاؤلهم المؤجل، مطاعم شعبية واخرى فارهة تتباهى بمقبلات اطعمتها المستوردة، وفي نفس الوقت محافظتها على نكهة المأكولات العراقية ، جبار ابو الشربت ينافس فالح ابو العمبة بعدد الوافدين على مقاعد مطعمه الجامع بين البساطة والحداثة،رائحة مطاعم «الكص»الشاورمة لم تمنع المارة من الانسياق مرغمين صوب محال العطور،المرطبات تأخذ حصتها من افضال الصيف، معارض الالبسة بالوانها واسعارها وحداثة موديلاتها في تنافس شريف لكسب العوائل التي اتخذت من ليل الكرادة متنزها ترفيهيا وتسويقيا لارقى وابسط انواع البضائع،ارصفتها التي اشتهرت بعدلها لم تفرق بين حذاء شاب قادم من مدينة الصدر،وترانشوز لآخر جاء من مدينة المنصور،ومحالها بمختلف مبيعاتها لم توصد ابوابها بوجه فتاة ترتدي الحجاب من اجل شابة تبحث عن تنورة جينز،كل شيء متوفر هناك وسط ذلك العرس اليومي الذي يمنح الفرح مجانا لزائريه،سواء تبضع منها او قصدها للترفيه.
أصل التسمية وموقعها

الحاج عباس فاضل(مدرس متقاعد) الذي التقيناه في مقهى (ابو احمد)الشعبي الكائن في منطقة الكرادة داخل يقول: سميت بالكرادة، نسبة الى (الكَرِدْ) وهو أحدى وسائل الري القديمة المشهورة على ضفاف دجلة،او ما نسميه في يومنا هذا الناعور، مبينا ان هناك من يقول انها سميت بهذا الاسم نسبة الى كرد النخيل، لكونها كانت في بدايتها عبارة عن اراض لبساتين النخيل والمزارع، ويضيف فاضل ان شاعرنا الرصافي يعود بالمعنى الى اصول عجمية،لكون الكرد تعني السوق باللغة الفارسية، ويؤكد ان التفسير الاول هو الصحيح ويستبعد فاضل الرأي الاخير، لكون غالبية ساكني الكرادة هم من اليهود والمسيحيين واثرياء العراق،وخاصة كما يقول محدثنا في منطقة الكرادة خارج،وبقي سكنة مناطق الكرادة داخل هم من عامة المواطنين وبالتحديد من اصحاب الدخل المحدود بحسب قوله، موضحا ان الكرادة تقسم الى شارعين ومنطقتين رئيستين،حيث يخترقها شارعان رئيسان الاول (طريق الكرادة ـ داخل) ويمتد من ساحة جمال الدين الافغاني (في المفرق) الى الزوية ، ويسمى القسم الاول منه بشارع المهدي ، ويدعى الثاني بشارع الحارث، أما الثاني فهو (طريق الكرادة – خارج) الممتد من ساحة عمار بن ياسر (في المسبح) الى بناية جامعة بغداد في الجادرية.

تعايش بين البساطة والترف

فاضل الذي سكنت عائلته المنطقة منذ عشرينيات القرن الماضي أكد لنا ان المنطقة بشقيها الخارج والداخل يصعب على غير ساكنيها تمييز الداخل عن الخارج لكونها تمتلك اوجه تشابه وكذلك اختلاف ببعض المواقع،مبينا ان الكرادة داخل سكنتها منذ البداية عوائل الفلاحين، بعد ان كانت ارضها زراعية،ومع مرور الزمن بعد انشاء عدة معامل فيها ومستشفيات اهلية ومحال تجارية،اصبحت سكنا لصغار التجار وعوائل العمال واصحاب المهن الشعبية، اما الكرادة خارج كما يقول فاضل فقد سكنها الاطباء والتجار والمهندسون والساسة الكبار، مشيرا الى نقطة مهمة وهي ان اغلب المساجد والحسينيات تجدها في الكرادة داخل، فمن بداية مدخلها في منطقة ارخيتة وحتى نهايتها،تجد حسينية عبد الرسول علي ،وآل المباركة،والحاجة سعدة،والزوية، ومرقد السيد ادريس وغيرها، في حين منطقة الكرادة خارج لاتحتوي غير مسجد واحد بني فيها مؤخرا،والحال ينطبق على اسواق الخضار ومحال القصابة والمقاهي والمطاعم الشعبية التي توجد في الاولى وتخلو منها الثانية،ويمكن القول باختصار ان اغلب مايوجد في الكرادة داخل سواء على المستوى المعيشي،او على مستوى الترف العمراني بدور السكن او المحال هو شعبي بامتياز،اما الكرادة الثانية فهي تعكس للناظر بقصورها او بمحالها وساكنيها صورة المدينة الثرية والمترفة.

المدينة والريف الانكليزي

اوضح السيد (كامل كاظم احمد الخفاجي) سكن الكرادة الكثير من أسر بغداد العريقة التي هاجرت اليها من بغداد القديمة في الأربعينيات من القرن الماضي ، وتعتبر الكرادة من أرقى أحياء بغداد حاليا،ويبين الخفاجي في موضوع له نشر في مجلة (التراث الشعبي)على امتداد ساحل الكرادة الشرقية يقع شارع أبو نواس المشهور عالميا (بشي) الأسماك والذي يتوافد عليه الناس من كل مكان وخاصة العوائل البغدادية لتناول السمك (المسكوف) وإقامة الولائم والعزائم على ضفافه والتمتع بمناظره الخلابة، وهي طقوس معروفة منذ القدم اعتاد عليها البغداديون وهناك طريقة ينفرد بها العراقيون بشي السمك فضلاً عن مسكوف شارع أبو نواس، فقد انتشرت محال شي المسكوف في أحياء الكرادة لبيع وشواء أسماك الكارب ،وعن المناظر التي كانت مألوفة في الكرادة، ذكر الخفاجي أرصفة رسو الجنائب والساحبات وزوارق الصيد وورش بنائها وتصليحها ومكائن سحب المياه التي تتميز بصوت ورائحة ينتجان عن خروج العادم بشكل منتظم وتنقل الماء من النهر الى سواقي إرواء البساتين الوارفة المنتشرة في عمق الكرادة وكذلك شباك الصيد المنشورة على محاملها الخشبية لغرض تجفيفها لتتلاعب بها نسمات هواء الكرادة المتميزة،ويؤكد الخفاجي أن (المس بيل) وهي صديقة للحاج ناجي اللامي مدير بلدية الكرادة آنذاك قد شبهت هواء ونسمات الكرادة بالريف الإنكليزي ومنظر الصيادين يفرشون شباكهم في الهواء الطلق في طارمات دور عائلة الشبيبي لغرض حياكة ما تقطع منها، وقد تلاشت هذه المناظر الممتعة مع مرور الزمن .

من هي ارخيته؟

تشير وثائق الامانة وكذلك الموسوعات التاريخية التي ارشفت حياة المدينة الواقعة في جانب الرصافة هي شبه جزيرة يحيطها نهر دجلة من ثلاث جهات ،بدايتها من كرد الباشا حتى شواطئ دجلة في منطقة الجادرية ،وهذا ما اكده الباحث عباس فاضل الساعدي في احد منشوراته الاعلامية،مضيفا بان القسم الممتد بين ساحة الحرية حتى الوصول الى بناية الجامعة يسمى بشارع الستين،ومن اشهر مناطقها المعروفة والقديمة والتي تمتد على طول شارع ابي نواس بصورة متجاورة هي(البتاويين ، أرخيتة ، أبو قلام ، ألبوليسخانة ، ألبو جمعة ، ألبو شجاع ، سبع قصور ، الزوية ، الجادرية)،ولكل من تلك المسميات دلائل معروفة توارث ادراكها وحفظها سكنة المنطقة الاصليون،فمثلا منطقة (ارخيته)اطلق عليها الاسم نسبة الى عائلة رخيته اليهودية التي كانت تمتهن التجارة،وتعد من اغنى عوائل بغداد التي سكنت المنطقة،(البوشجاع)نسبة لاحدى العشائر التي سكنتها،وتوازي تلك الاماكن العديد من الكنائس والاديرة،واشتهرت كذلك بشوارعها (أبو نواس ،52،الكرادة داخل،الكرادة خارج،عرصات الهندية،شارع السدة،الجادرية،وهناك العديد من الشوارع الفرعية التي تربط الداخل بالخارج منها شارع العطار وسمي نسبة لعائلة العطار،وشارع اصفر والسبع قصور الذي يربط ابو نواس في كلتا الكرادتين،وشارع الجامعة.

لوحات تجاور(زهرون)

محال الملابس تستقبل الداخلين للكرادة داخل من جهة ساحة كهرمانة،واغلبها للملابس الرجالية،لكن باحدث الموديلات المستوردة وبالتاكيد اغلاها في بغداد،وتقابلها من الجهة الاخرى اقدم صيدلياتها المجاورة لمستشفى الراهبات،وما ان تتقدم خطاك صوب عمق المدينة حتى تشم وترى من بعيد رائحة السمك المشوي ودخان مناقله،التي تجبرك على الجوع وفي الوقت نفسه تحيلك الى ايام زمن سلطة ابو نواس وتفرده بهذه الاكلة العراقية الخالصة،التي ماحاورت احدا في الخارج من الادباء والمفكرين العرب،الا وقال لي الزيارة الى بغداد من غير تذوق سمك ابو نواس تكون غير مكتملة،وما أن تتجاوز ذلك الموقع وتلك الذاكرة،حتى يبدأ السوق التجارية للكرادة،محال ملابس نسائية ورجالية ،مجمع لبيع اللوحات كان بمثابة ملتقى الفنانين الرواد والسائحين الحريصين على اقتناء لوحاتهم،محال الصاغة وهنا لابد من ان اقف على باب محل يستحق الانحناء والتحية،انه محل احد احفاد صائغ الملوك والسلاطين والرؤساء والزعماء والامراء (زهرون عماره)،هذا المندائي الذي طلبه السلطان العثماني ليكون من ضمن حاشيته ليكون صائغ العائلة.

الوائلي وحسينية عبد الرسول

مع نهاية محال ومخازن الاجهزة الكهربائية حتى يرسم لك الزحام صورة شارعها الشهير العطار ،ولم يأت هذا الزحام من فراغ وانت ترى النساء تتسيد الوجود هناك الذي تتفوق فيه على الرجال بالعدد والتنوع والجمال والمال،متقدمات في السن يرافقن آيات من الجمال وكأنهن يستعرضن ايام الشباب في بناتهن او حفيداتهن،شباب باحدث موديلات الازياء وبقصات شعر مستنبطة من لاعبي كرة او فنانين عالميين كبار،وكل ذاك من اجل الحصول على نظرة او ابتسامة اعجاب من هذه الفتاة او تلك،تركنا تلك المعادلة الطبيعية في ميزان ديمومة جماليات الحياة،وتوجهنا صوب محل ابو احمد لبيع الخضار والفواكه القريب من حسينية (عبد الرسول علي) ليحدثنا عنها قائلا: ان المحلة التي تقع فيها الحسينية تسمى (هويدي)وتم انشاؤها من قبل الحاج عبد الرسول علي الكاظمي الصفار وذلك في ستينيات القرن الماضي،وتشهد الحسينية على الدوام اقامة مجالس العزاء،وغيرها من احياء الشعائر الحسينية،وبين محدثنا انها في السابق كانت قبلة المسلمين من جميع مناطق بغداد،لكون عميد المنبر الحسيني الدكتور الشيخ احمد الوائلي يلقي محاضراته فيها طيلة ايام شهر رمضان،وهي كذلك كما يقول ابو احمد موقع للعديد من الائمة ووكلاء المرجعيات ومنهم بيت الهندي وبيت الصفار وآل شبر .

حكاية الملا شجر

ابو احمد وهو يحدثني عن تلك المدينة الزاخرة في الحياة ليلا اكثر منها نهارا سواء في الزمن السابق او اللاحق،انتبهت الى سلال الخضار وبالتحديد (الشجر)تصدر ذاكرتي مثل عراقي شائع وهو ما دعاني ان اسأل صاحبنا عنه،لكني تفاجأت برجل كبير السن كان يتبضع منه يقول لي (معقولة متعرف…اويلاه كرادة كتلتوه الملا شجر) فاجبته بأني اعرفه ولكني نسيته فابتسم وهو يقول انه في عشرينيات القرن الماضي،كان احد شيوخ الكاظمية يدعى (الملا شجر)،ولوجاهته دعاه احد تجار الكرادة لعقد قران ولده،وقد جاء الملا للمنطقة وحقق رغبتهم في ذلك، وعند انتهاء المراسيم طالبه اهل العريس بضرورة المبيت عندهم وعدم المغادرة لخطورة الطريق في ذلك الوقت،لكنه اصر على الرحيل محملا بهدايا التاجر والعائلة ،وفي اثناء مروره باحد البساتين اعترضت طريقه عصابة من اللصوص ليستولوا على حماره وما يحمل ولمحاولاته بمقاومتهم لاسترداد ماله قاموا بقتله وتركه في مكان الحادث،وحين جاء اهل البستان اكتشفوا الجريمة، وقاموا بابلاغ وجهاء الكاظمية بذلك الخبر،وشاع الخبر في المدينة خرجت بشيبها وشبابها وهم يحملون الاسلحة بمختلف انواعها متجهين صوب منطقتنا كما يقول المتبضع وهم يهتفون بلغة الثأر(أويلاخ كراده كتلتوه الملا شجر)،لكن لم يحدث اي شجار لتدخل العقلاء وكشف الجناة بحسب قوله.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.