كهرباؤنا.. هل تبقى ضحية الفساد وسوء الإدارة؟

حسين رشيد تصوير محمود رؤوف

نعم يبدو انها باتت معضلة، ومعضلة كبيرة سترافق اهل العراق دهرا من الزمن، هذا ما كان يتحدث به رجل عراقي في نهاية العقد السادس من عمره. وهو يرد على متحدث اخر يقف بجانبه في صف طويل لتسلم راتب التقاعد عن طريق الفيزا كارت، وطبعا كان الموضوع عن الكهرباء، فطول الطابور كان بسبب انطفاء الكهرباء الوطنية، وعطل المولدة الخاصة بالمصرف الامر الذي ادى الى توقف الجهاز الخاص بالبطاقة. الى هنا وانتهى الامر في المصرف، علما ان الحديث لم يقتصر على الاثنين فقط فقد شمل اغلب الواقفين في الصف، بعضهم يعلق ساخرا واخر يرمي الكرة على الفساد، وثالث على سوء الادارة والاستثمار، وهكذا. فالاسباب كثيرة والعلة واحدة ومستديمة.

وعود جديدة
الى ذلك عزا وزير الكهرباء قاسم الفهداوي تكرار انقطاع التيار الكهربائي في معظم مناطق بغداد خلال الايام الماضية الى ربط وحدات توليدية بالمنظومة الوطنية ، مشيراً الى أن الوزارة تعاني من قلة التخصيصات الاستثمارية التي ادت لضعف تطوير البنى التحتية للمحطات، مضيفا: ان بعض المحافظات تشهد ساعات طويلة لتجهيز التيار الكهربائي، فمثلاً محافظة ميسان تزود بـ 22 ساعة في اليوم، فيما تعاني بغداد وبعض المحافظات من مشكلات بالتوزيع والنقل. مواعدا: ان يكون هذا الصيف افضل نسبياً عن السابق.
الأمبيربـ 5 الاف دينار
من جهته ، أعلن مجلس محافظة بغداد،أن نظام التشغيل الليلي للمولدات الكهربائية الحكومية والأهلية، سيبدأ في الأول من شهر حزيران المقبل، لافتاً إلى أن سعر الأمبير الواحد للتيار الكهربائي للمولدات سيتراوح بين 5-6 آلاف دينار.
مضيفا: أن الاستمرار في نظام التشغيل الليلي، وسعر الأمبير، مرتبط بمدى التزام وزارة النفط بتزويد أصحاب المولدات بوقود المشغل للمولدات من مادة الكاز.
في المقابل ابدى بعض المواطنين استياءهم لحدوث بعض الانقطاعات بالتيار الكهربائي خلال بداية موسم فصل الصيف، حيث قال المعلم المتقاعد (ابراهيم حاجم): انه لا يتوقع ان يكون الصيف الحالي افضل من سابقه ولاسباب عدة منها ان الوعود ذاتها بالتحسين لكنها كلام فقط. مضيفا ان السبب الاخرعدم وجود اموال لدى الوزارة لانجاز المشاريع الماضية او اجراء بعض الاصلاحات والصيانة بهدف زيادة ساعات التجهيز مثلما صرح بذلك وزير الكهرباء قبل ايام.
اما قاسم عبد (موظف في التقاعد العامة) فقد اشار الى المولدات الحكومية وكيف استولى عليها بعض المقربين من اعضاء المجالس البلدية او اقربائهم. مضيفا: ان الكثير منهم استغل فصل الصيف وحرارته وانعدام الكهرباء الوطنية ليتلاعب باعصاب المواطن، من خلال سرقة الامبيرات وتوزيعها على مشتركين جدد. موضحا ان الكثير من هذه المولدات تعمل دون رقابة بالاضافة الى تقارب سعر الامبير في المولدة الحكومية مع المولدة الاهلية.
اعلنت الحكومة العراقية ،وكما هو الحال في كل عام، ان هناك تقليصا في ساعات الانقطاع وسيتم تجهيز الكهرباء بواقع 12 ساعة يوميا، وان هناك العديد من المشاريع ستدخل الخدمة قريبا ولم يحدث ذلك، فعولج الامر على وجه السرعة ومن غير دراسة مسبقة بتجهيز اصحاب المولدات الاهلية بالكاز مجانا، على ان يحدد سعر الامبير مع زيادة
ساعات التشغيل، لكن الامر ظل دون مراقبة كافية، وكما هي عادة الكثير من اصحاب المولدات بالاحتيال على وقت التشغيل، من خلال التاخير او اقتطاع بعض الوقت من الفترة المحددة. بالتالي كان هناك فائض من مادة الكاز المجهزة، من قبل مجلس المحافظة، ليتم بيعه فيما بعد. وهذا ما حدث في اغلب مناطق العاصمة بغداد، وما تناقله اهلها في كل مجالسهم وخاصة مجلسهم الاثير: سيارة الكيا.
أيدٍ خفية؟
الى ذلك ، كشف نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة بهاء الاعرجي عن وجود ايدٍ خفية تعمل على تعطيل النهوض بقطاع الكهرباء، داعيا الى مراجعة العقود السابقة للوزارة فيما يخص تطوير المنظومة الكهربائية، مشددا على ضرورة وجود استثمار اجنبي او محلي بالنسبة لمحطات التوليد؟! مبينا ان الدولة تتبع منذ عام 2003 ولغاية الان سياسة خاطئة في قطاع الكهرباء، وأن القائمين على هذا القطاع ركزوا على توليد الطاقة، وتناسوا قضيتي التوزيع والنقل وهذا هو الخطأ.
منذ ايام التغيير النيساني الاولى والمواطن العراقي لاهم له سوى عودة الكهرباء الوطنية، رغم تفاقم مشاكله الامنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لكن حلمه الازلي ظل متعلقا بالكهرباء. تصريحات المسؤولين العراقيين، منذ الوزارة الاولى ايام “برايمر” ومجلس الحكم، من ثم حكومة علاوي وخليفتها حكومة الجعفري، حتى حكومتي المالكي الاولى والثانية والان حكومة العبادي، وهي ذات التصريحات التي تشدد على ان الفترة المقبلة ستشهد تقليص ساعات انقطاع الكهرباء، وستتم اضافة كذا كيلو واط الى منظومة الكهرباء الوطنية. كما ان الوزراة تعاقدت مع مجموعة شركات اوروبية وعربية لانشاء ونصب محطات توليد الطاقة الكهربائية في مختلف محافظات البلد، وان الصيف المقبل سيكون افضل!. لكن لاشيء يحدث من هذا ابدا فلا وجود او تلمس للتحسن. بل بالعكس الامر يزاد سوءا. كما يزداد الطلب على الكهرباء، بسبب التوسع الحاصل في بناء الوحدات السكنية وبشكل عشوائي، وخاصة ما يعرف الان بانشطار البيت الواحد الى عدة مشتملات، بالتالي لابد من زيادة الطاقة الكهربائية المولدة، وهذا ما عجزت عنه كل الوزارات في الحكومات العراقية المتعاقبة منذ 9 نيسان 2003، والى حد الان!. يضاف الى ذلك ان كل وزارة ترمى الخلل على الوزارة التي سبقتها وتتهمها بملفات فساد وسوء ادارة لمف الكهرباء.
ردُّ الدين
ولان راحته في الصيف ارتبطت بعلاقته مع صاحب المولدة ومدى التزامه بدفع اجور الكهرباء تحدث صالح عبد الكريم (صاحب مولدة في منطقة بغداد الجديدة) قائلا: الكثير من الناس يلومون صاحب المولدة لكنهم لا يعرفون او يتغاضون عن التعب والارهاق الذي نتعرض له، خاصة اذ تعطل المولد. مبينا: ان الاجراءات الروتينة في استلام حصة الكاز تعرقل عملنا، كما ان الحصة لاتكفي في البرمجة الموضوع من قبل مجلس المحافظة.
وعن الانقطاعات المستمرة وشكاوى الناس منهم قال: الامر الان يختلف الجميع يشترط وضع “الجوزة الالكترونية” التي تفصل لحظة التحميل الاكثر من المقرر، وتعود للعمل بعد 30 ثانية. اما انقطاع الخط فدائما ما يكون بسبب تاخر دفع الاجور او الامتناع عن دفعها في بعض اشهر السنة التي تكون الاجواء فيها ملائمة.
ويمتنع الكثير من المواطنين عن دفع اجور خط الكهرباء من المولدات الأهلية لعدم الانتفاع منها بسبب وجود الوطنية واعتدال الجو، بينما يعدّها البعض نكاية بأصحاب المولدات الذين لعبوا بأعصابهم خلال فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة التي تتجاوزت الـ 50 درجة مئوية في بعض الاحيان.
عن هذا الامر يقول سلام الكعبي (عامل يومي) : المولد الأهلي غير ضروري في الأجواء المعتدلة من منتصف الشهر الثاني وحتى منتصف الشهر الرابع تقريبا، مضيفا: انه يمتنع عن الدفع في تلك الفترة او يستقطع جزءا من المبلغ المحدد او عدم الاستعجال بالدفع. معتبرا ان الامر رد دين لصحاب المولدة الذي تلاعب بهم وغذبهم حسب قول الكعبي.

فارزة

الامر الاكثر اثارة بهذا الجانب، هو ان كل وزارة ترمي باللوم على سابقتها، اضافة الى الفساد الاداري في بعض العقود الموقعة مع بعض الشركات التي تبين انها وهمية الامر الذي يثير استغربا كبيرا، هل هو جهل المسؤولين او معرفة مسبقة بالامر، وكلهما كارثة، والبعض من الشركات المتعاقدة معها اخل بالعقد، واخر غير كفء، اضافة الى دخول شركات ضعيفة في قدرتها المالية والفنية كمقاول رئيسي في بعض المشاريع التي اعلن عنها. مع غياب التخطيط الستراتيجي لتجاوز الازمة وحلها في اقرب وقت ممكن. كذلك التركيز على العمل العشوائي والترقيعي والوقتي ان صح القول في بعض المعالجات، مع غياب الصيانة الحقيقية للمحطات القديمة والجديدة خلال السنوات الماضية، على الرغم من صرف مبالغ طائلة لهذا الغرض لكنها ذهبت الى اماكن اخرى ، قسم منها معلوم واخر مستور. كلها اسباب جعلت عودة الكهرباء حلما منشودا للعراقيين، وحتى لا يفوتنا شيء لابد من الاشارة الى قلة التنسيق لابل انعدامه بين وزارتي الكهرباء والنفط، لاجل تجهيز محطات الكهرباء بالوقود الكافي لتشغيلها، علما ان كل وزارة ترمي كرة التقصير في ملعب الاخرى، مع غياب الكوادر الفنية العراقية من مهندسين وعمال، كون الاعتماد بالدرجة الاساس على كادر الشركات المتعاقدة معها، علما ان اغلب الكوادر العراقية العاملة بهذا المجال تتمتع بخبرة جيدة وقدرة ممتازة.
وفق معطيات الواقع يبدو اننا امام مشكلة عويصة، كثرة اسباب استدامتها وقلة معالجتها، وغياب المتابعة الحقيقية لتلك المعالجات التي دائما ما تفتقد الى الستراتيجية والامد البعيد في العمل والتطبيق، وغياب الرؤية والبرنامج العلمي لحل هذه المشكلة، فكل وزارة تعمل وفق ما ترى وما تريد، وفي احيان حسب توجهات الكتلة السياسية المناطة لها وزارة الكهرباء، فلم يلمس المواطن العراقي طوال تلك السنين اي حرص او اهتمام من قبل القائمين على هذا الجانب الحيوي.؟ وحتى نهاية حتوتة الكهرباء، يبقى المواطن العراقي يعيش في حلم ان يرى البلد بشوارعه ومدنه واحيائه ومحلاته وازقته وبيوته خاليا من الموالدات والاسلاك الكهربائية التي شوهت المنظر العام، مثلما يحلم بوطن مترف وسعيد، ومجمتع مدني متحضر، ودولة ديمقراطية تحترم المواطن وتعمل على راحته وامنه وسلامته دون ملفات فساد وسرقات وتبادل اتهامات بشانهما من قبل المسؤولين الاولين واللاحقين.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.