فرياد راوندزي :الدولة بحاجة إلى رؤية ستراتيجية للثقافة

بغداد – حسين فوزي

قال وزير الثقافة فرياد راوندزي إن (تصوري الشخصي لوحدي لن يكفي لإنجاز التغييرات المطلوبة في وزراة الثقافة لتحقيق ما هو مرجو منها، فمن الضروري ان يشاركني في التصور وإحداث التغييرات المثقفون العراقيون، وان تكون هناك فلسفة ثقافية كفيلة بتأطير كل ما هو ضروري للتغيير نحو الأفضل، في تغيير تركيبة الوزارة ومكوناتها من الدوائر، وبدون هذا التلاقح لن نستطيع تقديم مساعدة حقيقية للنشاط الثقافي وتقدمه.”

واضاف راوندزي إن (الوضع الحالي للوزارة يختلف عما كان عليه تماماً، فلا ينبغي ان تكون وزارة الثقافة مجرد ماكنه حسابية لصرف الأموال، بالطريقة الكلاسيكية التي تعـودت عليها في ظل الدولة المركزية).

مؤكداً أنه (يعمل على مجموعة من التغييرات، أولها تصحيح بعض المسارات بخطوات متأنية، بإعادة النظر في بنية الوزارة من خلال تشريع قانون جديد للوزارة، فوزارة الثقافة ما زالت تعمل على وفق القانون القديم الذي شرعه النظام السابق).
وقال (ربما يصطدم هذا المسعى بالعقلية والآليات القديمة للإدارة، لكن ينبغي وعي الجميع بأنه بات من الضروري تسهيل عملية التغيير الضرورية من أجل ان تكون الوزارة فعالة وراعية للنشاط الثقافي العراقي وإستنهاض ثقافة إنسانية حقيقية ودعم المثقفين، وليس استبدال الثقافة بمنابر دعاية للسلطة والمتنفذين).
وبشأن منطلقاته في التغيير قال (حاولت البدء في التغيير في مجالين واضحين مثمرين، التعامل مع فعاليات ونشاطات الفن التشكيلي العراقي الذي له جذور اجتماعية واصداء عالمية، فالفن التشكيلي العراقي معروف عالمياً، وهناك اسماء لامعة يعرفها المثقفون في العالم بجانب اسم الفنان الكبير المبدع جواد سليم، ومن المعروف ان شرائح من المجتمع العراقي كانت معنية باحتضان الفن التشكيلي واقتناء منتجانه، بجانب جماهيريته بين المثقفين وشرائح اجتماعية يقودها حس ذائقة فنية ناجمة عن المعاناة او الترويح النفسي. لذلك لا خوف في الأصل على الفنون التشكيلية في العراق، مع ملاحظة حقيقة التراجع الذي شهدته الفنون التشكيلية، وهو في هذا جزء من حالة التراجع الثقافي العام الذي تعرضنا له، فلم نعد نرى العوائل المعروفة التي تقتني لوحات او منتجات تشكيلية كما كانت، فعندما ينتج فنان 20 لوحة ولا يتم اقتناؤها من رواد الفنون قد يصاب بالإحباط. ومن الضروري تفهم هذه الحالة والعمل على الحيلولة دون تأثيرات هذا الاحباط على الإبداع).

المسرحيون العراقيون يبدعون

أما بالنسبة للمسرح فقال راوندزي إن (المسرحيين يواصلون عملهم الإبداعي ويتسع نشاطهم ويتواصل الإنتاج المسرحي بشكل مقبول، برغم عوامل معرقلة عديدة في مقدمتها قلة المسارح وعدم آهلية أغلبها لإحتضان العمل المسرحي وفق المواصفات المطلوبة. لكن هذه المعوقات بمجملها لم تؤثر على الأبداع المسرحي، فهو موضع تقدير كبير محلياً وعربياً بل حتى عالمياً. أما بالنسبة لمقاربتك للوضع المسرحي العراقي مع التونسي، فينبغي علينا ملاحظة حقيقة ان التغيير في الوضع السياسي التونسي لم يؤثر على البنى القائمة، فالمجتمع الثقافي التونسي شأن الكثير من البنى الأخرى ما زال متماسكاً بعكس الحال في العراق، الذي بدا يتفكك واستمر بسبب الظروف الصعبة من حروب وكبت الحريات، بجانب التدني الكبير في المستوى المعيشي للطبقة الوسطي وبقية الشرائح الاجتماعية، لكن هذا لم يمنع استمرار المسرح، بجانب حقيقة مهمة هي بروز قامات عراقية مبدعة في المسرح والعديد من مجالات الإبداع الثقافي في البلدان العربية والعالم، ممن لم يجدوا الأرض الخصبة للإستمرار في إبداعهم الإنتاجي محلياً).

بين غياب الوزير والقلق

وعن المشاكل التي تعاني منها وزارة الثقافة قال راوندزي إن (وزارة الثقافة عاشت 8 سنوات ما بين غياب الوزير وقلق الوزارة قبل السنوات الأربع المنصرمة، وهي فترة طويلة تحتاج إلى تعويض فعلي عن الضرر وما سببه من خسائر، وهذا يحتاج إلى فترة طويلة من المعالجة تتسم بقدر كبير من التفهم الجدي والحقيقي من قبل الحكومة للوضع الثقافي ومعاناته ومعاناة وزارة الثقافة ايضاً).

وفي سياق حديثه تساءل راوندزي بصفته مثقفاً وليس وزيراً في الحكومة فقط (هل الحكومة تنظر إلى الثقافة منتوجاً وطنياً إنسانياً بنفس النظرة التي ترى فيها الإبداعات الإنسانية الأخرى؟!) ورد على نفسه قائلاً (اشك في وجود مثل هذه الرؤية لدى الحكومة مع الأسف، علماً أن وزارة الثقافة وحدها لن تستطيع تصحيح المسار والرؤية للإبداع الثقافي بدون مؤازرة الحكومة كلها وبقية مؤسسات الدولة في التعامل مع الثقافة وتشخيص حقيقة انها ضمير الدولة الحي. ومن هذا المنطلق بات من الضروري أولاً تحديد الهموم الثقافية العراقية، ثم البحث عن طرق العلاج ووسائله، والمؤسف بروز الهم الشخصي وتغليبه على الهم الثقافي العام، وهذا يشمل بعض المثقفين المؤثرين ايضاً. دون ان يعني هذا انني اتجاهل الهم الشخصي، لكن من المهم ان يصاغ هذا الهم الذاتي رغم الهم الجمعي العام وتغليب الهم الثقافي الموضوعي على كل ما هو ذاتي دون الغائه).

تراجع الكتاب العراقي

وعن النشر والتوزيع للكتاب العراقي قال الوزير راوندزي الذي لديه كتابات سيا- اجتماعية في قضايا العراقية والكردستانية والمنطقة إن (طبيعة مستوى المواصفات الفنية للكتاب العراقي ليست في صالح منافسته في سوق الكتاب العربي والمنطقة، ولا اعتقد ان بوسع الحكومة ومطابعها ان تنافس المطابع الآهلية في دول الجوار وبقية العالم، بالأخص الأوربية. لذلك نرى افضل العناوين من الكتب المعروضة في شارع المتنبي ليست من نتاج المطابع العراقية، لكنها مستنسخة محلياً في انتهاك غير معهود سابقاً لحقوق الملكية الفكرية بدون ترخيص من مصدرها).
ولاحظ ان (وضع الكتاب في العراق ليس بمعزل عن وضع الكتاب عالمياً، حيث تسود تقنيات حديثة نالت من مصادر الثقافة الورقية، فالناس اليوم يستنجدون بالمصادر الرقمية عبر النت، وهناك ميل اكبر للمعلومة المضغوطة الخاطفة السريعة غير العميقة الراسخة في التحليل والتوثيق. وعلى سبيل المثال هناك مدن معروفة بميل مواطنيها للقراءة، ومن هذه المدن سكان موسكو، ففيما مضى تلاحظ الناس في الحافلات والمترو كل منهم بيده كتاب، حالياً يندر ان تجد هذه الظاهرة، إذ يسود الآي باد أو آي فون، والشيء نفسه ينطبق على مدينة اخرى هي برلين، لقد فقدت المصادر الورقية حظوتها مصدراً رئيساً للمعرفة والثقافة).
واضاف (ان التقدم التقني لم يعد لصالح كل ما هو ورقي، وهذا ينطبق حتى على الصحافة، لذلك فالمطلوب إعادة النظر في قانون المطبوعات وتشريع بنود تضمن بقوة حقوق الملكية الفكرية، خصوصاً وان المؤسسات الثقافية تعمل بوسائل قديمة، على سبيل المثال لاحظت ان قسم المعلومات في وزارة الثقافة ما زال يؤرشف المعلومات الخبرية بطريقة الخمسينات، وهي طريقة كنا نستخدمها في الجبل ايام المقاومة المسلحة للنظام الدكتاتوري. وهذا مؤشر عن مدى تأخر وسائل خدمة النشاط الثقافي عندنا).

الدولة بدون ستراتيجية

وبقدر كبير من الأحساس بالضيق قال (هناك قضية بالغة الأهمية، فلا يمكن لوزارة الثقافة النجاح في مهمتها طالما ليس للدولة ستراتيجية للثقافة. وهذه الحقيقة تجعل وضع المبدعين من الفنانين والمغنين والموسيقى والطرب في تراجع مستمر. وهناك ترجمة خاطئة لأدوات التيار الجارف الذي يستحوذ على الحياة العامة في العراق، ففي إيران مثلاً دولة إسلامية، لكن للموسيقى حضور متطور بشكل ملحوظ وكبير، في جمهورية إيران الإسلامية هناك غناء وطرب ايضاً. لكن المؤسف ان التيار السائد يوحي بحكم الوضع السياسي بأنه من غير المسموح في العراق بتطور وارتقاء الفنون الموسيقية والغناء. وهذا في رايي يتجاهل حقيقة ان العراق بموجب توصيف الدستور دولة مدنية، والعراق ابداً مجتمع مدني. وهذا التضارب بين توجهين يثير مخاوف الفنانين والمغنين وبقية المبدعين، ضمنهم النحاتون، لذلك نحن نرى مبدعين عراقيين في العديد من مجالات الثقافة يستحوذون على تقدير واهتمام عربي ودولي، فيما تتضاءل فرص ابداع من هم يعيشون بيننا مع الأسف بفعل هذه الضغوط المتضاربة مع الأبداع والضاغط السلبي عليه. ونحن مطالبون بجهد كبير لحسم التضارب وإنهاء كل المظاهر السلبية المعرقلة للثقافة، بالأخص ما نجم عن الأوضاع منذ ثمانينات القرن المنصرم والتعقيدات المرافقة لها التي تستدعي جهوداً مضنية لإزالتها).

اسبقية إدامة ماكنة الحروب واستدرك راوندزي بقوله (إن الوضع الذي عاشه العراق ويعيشه يفرض اسبقية للحروب وإدامة ماكنتها، لذلك ليس هناك مجال حالياً لإستنهاض الفنون الموسيقية والغنائية بالطريقة التي تنسجم والمعايير الثقافية، ذلك ان) الظرف (يفرض انماطاً اخرى من الفنون الموسيقية والثقافية لا علاقة لها بقيم الفن، لكنها تلبي حاجة آنية، وهي ليست اعمالاً خالدة مثل ما نعرفه من ابداعات عراقية فنية خالدة برغم من كل بساطة ادواتها في مراحل مبكرة من بناء الدولة العراقية).
انحسار دور المرأة
عن دور المرأة في الحياة العامة والثقافة بشكل خاص قال راوندزي (اتصور وضع المرأة في العراق في تراجع ملحوظ برغم وجود دستور مكتوب استفتي عليه الشعب، ولا اعتقد ان وضع المرأة ومكانتها بالشكل الذي يليق بها،سواء من حيث دورها في الحياة أو ما انجزته من تحصيل وخبرات برهنت الحياة على كفاءتها. فمن المؤسف ان المرأة مغيبة عن اي دور قيادي في الدولة، فالمفروض ان تكون هناك قيادات نسوية في مجالات متعددة، ضمنها ثقافية، تتولى دورها بنجاح. وبالنسبة لي رغم كل حماسي لدور المرأة القيادي فأنا مقيد كوزير بالمحاصصة التي لا تقدم المرأة لمثل هذه الفرص).

واضاف عن المرأة (ما زالت المرأة في مجال الإبداع الفني تكافح في الفنون التشكيلية والمســـرح وبقية الفنون، وهي تصارع بقـــوة من اجل البقاء، ففيما مضى كانت الفرقة القومية للفنون الشعبية علامة بارزة في الدولة العراقية والعالم، وللمرأة فيها لمسة متميزة. وكانت تستقبل بحفاوة لا تضاهى، لكنها الآن مهملة، حتى افرادها من النساء غادرن الفرقة لإسباب كثيرة. وهكذا يبدو ان العمل الإبداعي صعب، ومن الصعب ان تعمل في الوزارة بهذه الظروف، لكني لن اتوقف وساحرص على السير إلى الأمام لتحقيق تقدم ملموس، لكن هذا يستدعي تعاون المثقفين والهيئات والإتحادات والنقابات الثقافية والمعنية بالثقافة، وفي رأيي إن كانت الوزارة هي جسد، فأن النقابات والإتحادات الأدبية والفنية والموسيقية هي اذرعها، ولن يتحرك الجسد بدونها).

بين الطموح والواقع
وبخصوص الثقة الكبيرة التي عبر عنها المثقفون في شخص راوندزي الكاتب المثقف الجريء قال (اقدر عميقاً طموحات المثقفين وثقتهم، لكن ليس كل ما يطمح له المرء يدركه، إن بعض المثقفين يلحون عليّ لاجراء تغييرات في الأشخاص، وانا اعتقد بان التغيير مطلوب، لكن الوزير لا يمتلك عصا سحرية، بل هو محكوم بحقيقة أن كل الدرجات الخاصة منوطة بالتوازن بين المكونات والأحزاب، لذلك عندما اقدمت على بعض التغييرات الداخلية بين المدراء العامين قصدت ان ابدأ خطوة أولى نحو تغيير اكبر. وهناك بعض يطالبني بالكشف عن الفساد الذي صاحب مشروع مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية، وانا حريص على المضي في هذا، لكنه ليس سهلاً الكشف عن المفسدين، فهم لديهم خبرات في الالتفاف على القوانين، وقد ناشدت مراراً كل من لديه معلومة موثقة أو اي دليل ملموس يدين اي موظف في الوزارة ان يساعدني في مهمتي، وقد عاهدت نفسي وزملائي المثقفين على الا اتردد في التعامل بحزم مع اي طرف تدينه الوثائق. لقد بدأت مع ملف الأوبرا، ونفذت اجراءات عملية، لكن عندما تأتي إلى الوثائق من الصعب تثبيتها او حتى الكشف عنها).

المهام ومحدودية التخصيصات

عن مهام الوزارة التي يفترض انها مهام وزارة سيادية كما هو معمول به في البلدان المتحضرة، قال فرياد راوندزي إن (حال وزارة الثقافة شأن بقية الوزارات، إنها سنة استثنائية، لكن رب ضارة نافعة، لأن الثقافة لا يمكن لها ان تعتمد على دعم الحكومة، فيجب على الوسط الثقافي العمل على خلق مصادر لتمويله، منها سوق ثقافي يستثمر في مجالات محددة، وإعادة النظر في سياسة بعض المؤسسات الثقافية، مثل السينما، بخلق صناعة وسوق سينمائية تعتمد على معايير السوق والمستوى الفني وصناعته، لكن للأسف هذه المعايير غير موجودة. ليس بالضرورة الإعتماد على عوائد النفط لتغذية الثقافة وتنميتها، بل المفروض ان للثقافة قدراتها في خلق مجالات يمكن لها تنمية الثقافة، فليس كل الدول المشهود لها بالعطاء الثقافي اعتمدت على النفط، هناك دول بلا نفط، لكن لديها انتاج ثقافي متنوع يغذي البشرية جمعاء. لكني في الأصل مع رعاية الثقافة من رؤية استراتيجية في ان الثقافة ركن رئيس من اركان المجتمع والدولة، وينبغي معاملة وزارة الثقافة ووزارات مهمة اخرى مثل العدل والصحة والتعليم على انها وزارات سيادية، بكل ما يعنيه هذا من تخصيصات).

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.