عراقيو المهجر.. الاندماج أم التعايش مع المجتمعات الجديدة؟

عدنان ابو زيد
أبرز الطبيب العراقي ميمون الجبوري، ثلاث شهادات أكاديمية في اللغة الهولندية والاندماج المجتمعي والتقنيات الحديثة في الحاسوب، في خلال سنة ونصف من اقامته في هولندا منذ وصوله اليها لاجئا في بداية 2014. يتمعن الجبوري في وجه ابنته ميساء (10) سنوات، ويقول لها “اجْبِرنا على مغادرة مدينتنا كركوك بسبب الاعمال الإرهابية، لكننا سنعود الى بلدنا ذات يوم”. ومن وجهة نظر الجبوري، فان التركيز على إسماع الطفل هذه العبارات بين الحين والآخر، ضروري جدا لتفعيل الشعور الوطني للطفل، الذي يتضاءل يوميا بعد يوم لديه، بحكم الثقافة الجديدة التي اكتسبها والتي تتوفّر على آليات متقدمة وجاذبة لكي تذوب فيها ثقافة المهاجرين الاصلية.

في حين يستعد ميمون لمعادلة شهادته والعودة الى مقاعد الدراسة في الطب لسنتين أخريين لكي يُعترف بشهادته، فإنه يرى فيها فرصة لتطوير مهاراته، في وقت يأسف فيه لأنه لم يخدم بلده الذي أتاح له فرصة التعليم العالي.
وبرزت الهجرة، كظاهرة عراقية لافتة منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، وازدادت وتيرتها في تسعينيات القرن المنصرم والى الان، ما ادى الى نشوء مجتمعات عراقية صغيرة داخل حاضنة البلد المضيف، في اوروبا وكندا وأستراليا والولايات المتحدة، سعت الى التواصل مع ثقافة الوطن الأم، عبر المنتديات الثقافية والمدارس التي تعنى بتعلم اللغة والثقافة الاصليتين،على طريق إيجاد توازن بين نفوذ الثقافة المكتسبة الجديدة وقدرتها على الرسوخ وبين الثقافة الام، التي وجدت نفسها أسيرة الظروف الجديدة التي تحتم عليها الانكماش ضمن نطاق ضيّق.
وبين الاندماج الاجتماعي والتعددية الثقافية، تسعى المجتمعات العراقية في بلدان المهجر الى تجاوز كونها كيانات معزولة وهامشية بالاندماج مع الثقافة الجديدة من جانب، والإبقاء على التفاعل والتواصل مع الثقافة الاصلية. ولم يكن في سياق هذا الهدف سوى الانتظام في جمعيات اجتماعية وسياسية، تؤمّن التواصل بين أبناء الجاليات في المهجر من جانب وبين الوطن من جانب آخر، بحسب ما يؤكده الكاتب والناشط السياسي حسين علي الحسيني، المقيم في فنلندا، الذي يشير الى ان العراقيين في فنلندا نجحوا في الانتظام في جمعية ثقافية حملت اسم “المركزالاسلامي في توركو”، وتتألف من نحو 162 عضوا من مختلف أطياف وقوميات المجتمع العراقي، في تجاوز لحدود الطائفة التي تسعى جهات الى فرضها واقعا في البلاد.
وبحسب الحسيني، فان الندوات السياسية والحوارات الاجتماعية، وحفلات المناسبات والتعارف بين المهاجرين العراقيين، تعكس حالة إيجابية في مجتمع الغربة الذي يحتاج الى التكافل والتعاون.
وفيما يتعلق بالأجيال الجديدة، ينظم المركز دورات تعلم اللغة العربية، يتبع التلاميذ فيها، المنهاج الدراسي الابتدائي الرسمي.
وفي العام المنصرم، يتحدث الحسيني عن لقاء جمع العراقيين بطلبة الجامعات في فنلندا للاطلاع على التعاليم الإسلامية والعادات والتقاليد التي تخص الجالية.

المهاجر العراقي بين التطويع والتأهيل

ولم ينشغل العراقيون فحسب في قضية الاندماج ومفهومها (Integration)الذي بات مفردة متداولة من قبل النخب السياسية والثقافية، بل شمل ذلك مكونات المجتمع الغربي والمهاجرين من الدول الأخرى، على حد سواء.
وبين سعي البعض الى تفسير الاندماج بأنه تطويع لثقافة المهاجر الاصلية، وبين اعتقاد البعض بانه ليس سوى تأهيل للمهاجر ليقوم بدوره في المجتمع الجديد، فان وجهات النظر المختلفة آلت في بعض المواقف، الى احتكاك واستفزاز ثقافي بين المهاجرين وسكان البلدان الأصليين.
ان هذه الأفكار تقود المحلل السياسي والكاتب عبد الكريم بدر الحمداني، الى التأكيد على الحضور الجيد للعراقيين في جدل تأكيد الهوية، من غير نسيان ضرورة التعبير عنها بطريقة عصرية تتناسب وثقافة البلد المضيف للاجئين والذي اصبح بمرور الزمن الوطن الثاني للمهاجرين.
ووفق ذلك، يؤكد الحمداني الحضور المميز للعراقيين في العواصم الاوربية المهمة، في هولندا مثلا، فمنذ النزوح الكبيرالذي حدث بعد انتفاضة1991وصلت اعداد كبيرة من العراقيين الى الأراضي المنخفضة، ليشرعوا منذ السنوات الأولى لقدومهم في نشاط ثقافي وسياسي بارز.
ويستطرد الحمداني وهو يتمعن في العشرات من صور الفعاليات الثقافية والسياسية والاجتماعية لعراقيي المهجر “كنت ضمن مجموعة من الناشطين العراقيين الذين اسسوا المركزالثقافي العراقي في مدينة اوترخت الهولندية، وكان له دور مهم في ادارة الجهد العراقي المعارض للنظام السابق من خلال اقامة المعارض والتظاهرات والاحتفالات”.
يستطرد الحمداني “في خلال الشهر الجاري، أقيم مهرجان دعم الحشد الشعبي لتحفيزالعراقيين للتبرع مادي الدعم الحشد ومعنويا من خلال توضيح طبيعة الحشد الشعبي امام الرأي العام الهولندي، وقد حضرالدكتور خلف عبدالصمد رئيس كتلة الدعوة البرلمانية، هذاالاحتفال الكبيرالذي اقيم في مدينة اوترخت وسط هولندا”.
بين هويّتين

ويميّز الناشط السياسي والكاتب علاء الخطيب بين مهمتين متوازيتين للجمعيات والمنتديات الثقافية في المهجر وهي الحفاظ على الهوية الثقافية للمهاجرين من جانب والتلاقح الثقافي بين المجتمعات من اجل التعرف على التجارب الانسانية، ومد الجسور بين المثقفين من جانب آخر.
ويستطرد الخطيب “ثقافة ثالثة هي نتاج هذا التلاقح بين الأصلي والمكتسب، غير ان البعض يعدها ثقافة هجينة او ذات ملامح غيرمعروفة، لكنها ليست كذلك، بل هي ثقافة تحمل هوية جديدة هوية التعدد والتمازج بملامح تختلف عن الثقافة الام”.
ويمضي الخطيب الى القول “لدينا تجربة في بريطانيا وهولندا من خلال الملتقى العراقي للحوار والثقافة، الذي اثبتت ان الانفتاح على الآخرهوانفتاح على عالم جديد يتيح لك معرفته وطريقة تفكيره، وهذا يؤسس الى فكرإنساني جديد”.
واضاف الخطيب ان المنتديات والمؤسسات الثقافية في المهجر جعلت الوطن حاضراً بروحه بعدما أسّست لتجارب ثقافية، منها على سبيل المثال، فرقة الغناء البابلي والسومري من قبل مجموعة من الفنانين الانكليز،التي تمكّنت من الوصول الى المتلقي البريطاني ليتعرف على فن وثقافة بلاد الرافدين.
ان هذه المشاركة الإيجابية للمهاجرين العرب والمسلمين في المجتمع الغربي دفعت ستيفاني جيري وهي صحافية فرنسية الى القول في مقال لها في2014حمل عنوان “فرنسا ومسلموها” بان صورة الأقليات المسلمة بفرنسا هي “صورة مشرقة أكثر مماهو معترف به”.

العراقيون في كندا
وفي مدينة تورنتو بكندا، يتحدث التشكيلي والكاتب وائل المرعب،عن أدوار التيار الديمقراطي العراقي والجمعية العراقية الكندية ومنظمة الطلاب العرب في كندا، في اقامة الانشطة السياسية والثقافية وتنظيم اللقاءات في الأعياد الوطنية والمناسبات التضامنية مع الاحداث في العراق والدول العربية.ويؤكد المرعب ان للجمعيات الثقافية أهمية كبرى في تعليم الاطفال العراقيين اللغة العربية، فيما تقام المعارض التشكيلية والامسيات الشعرية في أوقات مختلفة على مدار العام.

الجمعية العراقية الثقافية في النرويج
وعلى نمط هذا التفاعل العراقي في المهجر مع العالم، يتحدث رئيس الجمعية الثقافية العراقية وسط النرويج، صادق الصافي عن نحو38 ألف شخص من اصل عراقي، موزعين بين 18 محافظة، اغلبهم في المدن الكبيرة كأوسلوالعاصمة، وتروندهايم، وكريستيانساند، وبيركن، وفريدريكستاد.
ويتابع الصافي: “من أجل تحقيق الاندماج بين الجالية العراقية والمجتمع النرويجي والجاليات الاخرى التي تضم اكثرمن 110 قوميات ولغات وديانات وثقافات أخرى، استطاع بعض المثقفين العراقيين انشاء جمعيات مجتمع مدني بجهد شخصي في ظل غياب اي دور للسفارة لغاية اليوم- وقد اسست جمعيات ثقافية مستقلة داخل المدن الكبيرة. ومنها الجمعية العراقية الثقافية في وسط النرويج التي من مهامها هو تعزيزحالة التعايش وتذليل المصاعب التي تواجه العراقيين هناك”.
ويستطرد الصافي: “قمنا بنشاطات ثقافية من خلال اقامة معارض فنية تمثل تراث وحضارة بلاد الرافدين عبرالرسوم والنحت والزخرفة والطوابع والعملات العراقية لتعريف المواطن الاوروبي، كما شاركنا مع الحكومة والبلديات في المناسبات الوطنية والتظاهرات ضد الإرهاب”.
ان التعددية الثقافية بحسب الكاتب محمد نجيب السعد جعلت المجتمعات الأوروبية أكثر تنوعا. واليوم تعد ألمانيا الدولة الثانية عالميا، المفضلة لدى المهاجرين، بعد الولايات المتحدة. وفي النمسا بلغت نسبة المهاجرين نحو16 بالمئة، وفي السويد 15 بالمئة، وفي فرنسا وبريطانيا، نحو 12 بالمئة.

منتديات عراقية في النرويج والولايات المتحدة
ووفق المتوقع من العراقيين في قدرتهم على الابداع وتجاوز الصعاب، يتحدث الكاتب والشاعر هادي الحسيني عن البدء في النرويج لتأسيس منتدى ثقافي عراقي، يضم نخبة من الادباء والفنانين. ويستطرد الحسيني: “تمكن المنتدى في خلال شهورقليلة من اقامة العديد من الامسيات الادبية والفنية في اماكن مختلفة من العاصمة أوسلو، وبدأنا موسمنا الصيفي هذا العام، باستضافة العديد من الشخصيات الثقافية والفنية العراقية التي تقيم في أوروبا”. وتتحدث الشاعرة والناشطة النسوية، نضال مشكور، عن نشاطات العراقيين في مدينتي الكهون، ولوس انجليس التابعتين لولاية كاليفورنيا في أميركا، مشيرة الى ان مجتمع المهجر العراقي يزخر بطاقات فنية وأدبية انتظمت عبرالجمعية العراقية للثقافة والفنون في مدينة الكهون، ما أثمر عن إقامة امسيات شعرية ومعارض فنية.
لقد وجد العراقيون أنفسهم بعدما ازدادت اعدادهم في دول العالم، امام الضرورة التي لابد منها في ادامة التواصل بينهم من جهة، وبين الأمم والشعوب من جهة أخرى. ولعل ذلك من العوامل التي أسهمت في نجاحهم بالمساهمة في بناء الحضارة الإنسانية العصرية، بعدما كانوا مؤسسين تاريخيين لحضارات سادت ثم بادت.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.