صراع جيلين في سكن مشترك الأطفال بين توجيه الآباء وتدليل الأجداد

بغداد ـ سماء الزبيدي
صرخت و الدموع تملأ عينيها واخذت تلعن اولادها و يوم لقائها بهم، اطلقت بعدها التنهدات وتمتمت عبارات الاستغفار لله لاعتراضها على مشيئته التي منحتها طفلين ، في الرابعة والثالثة من العمر . وعادت للتذمر وهي تردد لو كنت مستقلة في حياتي لربيتكم بطريقة اخرى ، رددت (ن.ع) هذه الكلمات بعد ان اخذت ولديها الى غرفتهم التي يقطنونها مع اهل زوجها نتيجة اعتراض جدتهم على اسلوبها في التعامل معهما .

نصائح مشروطة
بدأت قصة (ن.ع) البالغة من العمر خمسة وثلاثين عاماً ، حين وافقت في نهاية العشرينيات من عمرها على الارتباط بشاب اكمل دراسته الجامعية، موظف في احدى دوائر القطاع الحكومي ، و يتوافق معها اجتماعياً وفكرياً ، الا انها تنازلت بالاتفاق عن شرط وضعته لكل من كان يتقدم لخطبتها وهو العيش في سكن مستقل ، تقديراً لظرفه الاقتصادي المتواضع وصغر حجم اسرته التي لا يتجاوز عددهم ثلاثة اشخاص . وبالفعل لم تعتر حياتها مشاكل مع عائلة الزوج حتى رزقت بعد عام ونصف العام بطفلها الاول فبدأت التدخلات في كيفية الاعتناء بالمولود الجديد، اوقات رضاعته، استحمامه ، وملبسه.
تجد انعام حميد (جدة لاربعة احفاد) ان السكن مع الاهل ليس خطأً في ظل الوضع المادي الراهن للشباب ، وان التدخل في تربية الاحفاد من حق الجدين على الا يكون متعارضا مع سياسة الابوين انما يكون بشكل تقديم النصح لهما نتيجة الخبرات المتراكمة لكنها ضد الغاء دورهما او تشجيع الطفل على التمرد تجاه والديه نتيجة تدليله بشكل مفرط.
وترى السيدة وسن طاهر (استشارية علم نفس الاطفال) ان تأثير السكن مع الاسرة على العلاقة الزوجية بحسب طبيعة عائلة الزوج فمنهم من ينأى بنفسه عن التدخل ، اما النوع الاخر وهو السائد في مجتمعنا فيميل الى ابداء الرأي واحياناً فرضه بالاخص ام الزوج في حياة الشريكين ما يقيد حريتهما في اتخاذ قرارات تخص مستقبلهما ما يشعرهما بانهما مقيدان بعدة التزامات منها العاطفية ، والتقاليد المتبعة في تلك المؤسسة الاجتماعية ، اما في ما يتعلق بتربية الطفل فالموضوع شديد الحساسية كونه ينشأ على وفق ما يتلقاه من الكبار ، والعنصران الاكثر تأثيراً في سلوكه هما الابوان ، وهنا يكون تدخل الاجداد باعطاء المشورة للام والاب الجدد في كيفية التعامل مع المولود فيأخذون ممن يكبرهم سناً الخبرة على ان تكون هذه النصائح مشروطة الا تكون امام ابنيهما ، و ليست بصيغة النقد والانتقاص ما يولد لديهم شعورا بانهم مراقبان في سلوكهما مع ابنائهما ،او انهما جهلة في التربية و ليس لديهما عواطف تجاههم.

البكاء السلاح الاقوى
تكمل (ن.ع) قصتها فتقول : تفاقمت التدخلات بعد ان رزقت بطفل اخر وبدآ يكبران وازدادت فطنتهما وهنا بدأت اشعر بصعوبة توجيههما لان الجدين يعارضانني وزوجي في طريقة تربيتنا فأصبح الصغيران يلجآن اليهما بالبكاء عند فرض عقوبة نتيجة تصرف خاطئ و حتى عند منعهما من الحصول على طلب معين،ما زاد من صفة العناد واصبحت الدموع السلاح الاقوى للحصول على اي شيء ما جعلني اشعر بالاحراج في اي مكان اقصده.
ويعلق (م.أ- والد لطفلين) تدليل ابنائي من قبل والديّ اصبح يشكل ضغطاً فقد يضطرني بكاؤهما للحصول على ما يريدان الى انهاء بعض الزيارات بالمغادرة او الاعتذار عن حضور بعض المناسبات الاجتماعية ، واحيانا اتعرض للاحراج في الاسواق فاضطر لشراء حاجيات غير مخطط لانتقائها لتجنب صراخهما.
وترى طاهر ان الاطفال المدللين ينتهجون البكاء للحصول على رغباتهم ، وهنا على الابوين التماسك وعدم تنفيذ ما يريده حتى لو قرر الاخرون تلبية مطلبه عليهما ان يبقيا مصرين على موقفهما دون توبيخه او الطلب منه بالكف عن البكاء والسعي للتصرف بهدوء وبشكل طبيعي بحيث يقتنع ان اسلوبه غير مجد وبالتدريج سيتعلم التخلي عن هذه العادة ومعرفة ان هذا الاسلوب غير مجد، لان استمراره بها سيدفعه مع تقدم عمره الى انتهاج طرق اخرى كالعناد، الالحاح، والمشاكسة لان لكل عمر اسلوب ضغط معين للحصول على مايريد ، وان تكون طريقة العقاب هو الحرمان مما يحب في وقت ارتكابه الخطأ لان الطفل ينسى ذنبه بعد مرور يوم او يومين ، ويفضل الابتعاد عن العقاب البدني او اللفظي .

غض النظر
تستأنف (ن.ع) حديثها بتنهد : لا انكر ان والدة زوجي تعينني في ابقاء احدهما معها واصطحب الاخر الى الحضانة القريبة من عملي ، لكن اصبح من يبقى برفقة جدته يتصرف بتصرفات تفوق سنه ناهيك عن بعض الكلمات غير المناسبة التي تلقى تشجيعاً منهم بحيث يعود لتكرارها وانا متأكدة بان ما يحدث غير مقصود فيه الايذاء الا انني اود ان يكون ابنائي بأبها صورة وخلق في كل مراحلهم العمرية والطفولة اساس المحطات
اللاحقة .
تعلق وسن طاهر على ما تقدم : ترديد الطفل لبعض الالفاظ في سن صغيرة يقابل احياناً بالترحيب من الكبار و يخلق منه شخصا مختلفا عن اقرانه في ذات العمر لكن هذا لا يؤثر في سلوكه الاخلاقي ، لانه في هذه المرحلة عادةً ما يكرر الكلمات دون ان يدرك معانيها الفعلية ، وهنا يبرز دور الام للحد من هذا السلوك على الاقل دون ان تمنعه عنه في الوقت الذي يشجعه الاخرين عليه بان ترمقه بنظرة عدم الرضا و ان تبدو على ملامح وجهها الانزعاج ، كونها الاشد تاثيراً وارتباطاً به ، وعليها تجنب توبيخه بكثرة لانها تدفعه بذلك الى التقصد في تكرار الفعل غير المرغوب لازعاج والديه ، وان تتوجه الى تشجيع تصرفاته الايجابية بالفرحة والتقبيل فالاطفال يتقبلون الفعل اكثر من الكلام ، ويفضل ان تغض النظر عن 50 بالمئة من اخطائه لان الصغار اشبه باللاقطة ويحاولون ان يقلدوا ما يحدث امامهم دون وعي بالنتائج.

خصوصية الزوجين
خلق اختلاف الاساليب المتبعة في تربية وتنشئة الابناء المشاكل بين (ن.ع) وزوجها حتى اتسعت دائرة الخلاف الى مشادات كلامية بصوت مرتفع ، وما زاد الفجوة بينهما هو غياب خصوصيتهما كزوجين ، واصبح من الصعب النقاش او تبادل الحديث كون العائلة الصغيرة تشترك في الغرفة ذاتها وان بيت الجد لا يتيح نقل الصغيرين الى غرفة خاصة بهما ، ناهيك عن صعوبة الاستقلال بالسكن بسبب الظرف الاقتصادي العام الذي يزيد من اعباء الحياة ويجعلها اكثر تعقيداً.
اشارت دراسة عن الاسكان والامن الانساني في العراق نشرت في مجلة «الغري للعلوم الاقتصادية والادارية» في عددها الخاص بمؤتمر الاسكان (2015) يواجه القطاع السكني تحديات ومشاكل جسيمة تتطلب وضع سياسة استثنائية لتجاوزها او الحد من اثارها الاجتماعية والاقتصادية، ويمكننا ان نحدد بعض التحديات بما يلي:
وجود عجز سكني كبير نتيجة أزمة سكن حادة خاصة في مراكز المدن التي تزايدت إليها الهجرة الداخلية لأسباب عدة، ففي دراسة لوزارة الاعماروالإسكان في عام 2009 قدرت حاجة البلد من الوحدات السكنية بحلول عام 2015 هو 3.529 ملايين وحدة سكنية وبمعدل 504 آلاف وحدة سكنية سنوياً والى 6.806 ملايين وحدة سكنيةعام 2030 وبمعدل 425 ألف وحدة سكنية في السنة،على ان ينفذ القطاع الخاص 85 بالمئة من الوحدات السكنية والمتبقي يقع تنفيذه على الدولة أي تنفذ 240 ألف وحدة سكنية،ولكن في تتبع إلى احصائيات وزارة التخطيط أن المنجز في السنوات التي افترضت يكون عليها العدد من المساكن نجد ان هناك فرقا شاسعا وهذا يدل على عمق الازمة وعلى عدم وجود بوادر لحلها، وقد تزداد عمقاً إذاعلمنا أن هناك بوادر لدخول الاقتصاد العراقي في حالة انكماش بسبب تدهور أسعارالنفط ، وتشير الدراسة الى أن إنتاج الوحدات السكنية لايلبي الطلب المتزايد على السكن ويتناسب مع ما هو مخطط من قبل وزارة الاعماروالإسكان لتجاوز الازمة وهذا يعني تعميق المشكلة في السنوات اللاحقة وامتداد حلها إلى مدة أطول اضافة الى النقص في الأراضي السكنية الملائمة خاصة المناطق الحضرية في المدن الكبرى، حتى تم التجاوز على المناطق الخضراء فيها خاصة بعد عام 2003 ،فضلاً عن أن غياب القانون أدى إلى انتشار العشوائيات بشكل كبير الى الحد الذي خلفت هذه التجاوزات شعورا بعدم استقرار ملكيات الأراضي والارتفاع الكبير في أسعارها وظهور أسواق جديدة غير منظمة للملكيات في المحافظات الجنوبية بالذات. والنمو السكاني المرتفع الذي يصل الى 3 بالمئة وهو من اعلى المعدلات في العالم، ما يولد ضغوطاً على قطاع السكن وعلى قطاع الخدمات المساند له مما يعني أن تكون اثاره السلبية مركبة ومعقدة ومتشابكة.
وترى طاهر أنه لا عاطفة تفوق عاطفة الابوين تجاه أبنائهما ، وان تدخل الاجداد في توجيه احفادهم يتطلب ان يكون هناك اتفاق بين جميع الاطراف المعنية على خطة واحدة او اسلوب واحد للتعامل والا يكون ذلك على مرأى او مسمع الطفل ، فالسلوك المتضاد من شأنه ان يشعره بالضياع والفراغ العاطفي نحو الوالدين او احدهما ، كونه ينتمي فطريا لهما وللام بشكل خاص واحساسه بقلة هذه العاطفة منها يقوده الى حالة من الضياع وفقدان الحنان وهذا ذنب من تدخل في توجيه تلك المشاعر ما يصنع منه شخصا متمردا ، او انطوائيا ما ينعكس على سلوكه المستقبلي ، ومن الصعب اقناع الكبار بالسن بآراء من يصغرهم وتغيير ارائهم وقناعاتهم، والحل الامثل هنا هو الاستقلال بالسكن عن ذوي الزوج حتى لو كان في جناح مستقل في ذات البيت والتقليل من الاختلاط بعناصر التاثير وعلى الام ان تبرمج حياتها بحيث يكون ابناؤها تحت اشراف الوالدين بحيث لا يدخل عنصر ثالث معهم في تربيته.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.