شركات تهرب العملة الأجنبية خارج العراق

بغداد – بشير خزعل
لا توجد إحصائية رسمية لعدد المكاتب والشركات التي تمتهن أعمال الصيرفة وإرسال الحوالات النقدية عبر وسطاء الى دول العالم المختلفــــة، الكثيرون قاموا بمزاولة (الصيرفة) كواجهة لأعمال أخرى أكثر فائدة من ناحية المردود المالي، ثم تحول الأمر الى تجارة ومبالغ كبيرة تقدر بعشرات الملايين من الدولارات، تذهب أغلبها لاستثمارات خارج العراق، في الوقت الذي يعاني فيه اقتصاد الدولة من مشاكل ومصاعب كثيرة. بحسب لجنة النزاهة البرلمانية، تذهب ملايين الدولارات يوميا عبر صفقات مشبوهة الى خارج البلاد، لغرض استغلالها في مشاريع ربحية على حساب الاقتصاد الوطني والسوق المحلية والصناعة العراقية التي تتضرر بفعل قلة السيولة النقدية التي تمول المشاريع المختلفة في القطاعين العام والخاص، الأمر الذي أدى الى ظواهر وسلبيات أثرت بشكل مباشر في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن بالعراقي.
مكاتب

لا يخلو أي شارع في أغلب المدن العراقية من محل أو مكتب لتصريف العملة الأجنبية (الدولار)، والبعض منها يتعامل بعملات أجنبية أخرى كـ»اليورو والدينار الأردني»، في مدينة الشعب أحد أحياء بغداد ومناطق أخرى مثل شارع فلسطين وشارع السعدون توجد عشرات المكاتب والمحال التي تمتهن تصريف العملة الأجنبية وتحويلها الى دول اخرى مقابل عمولة يتقاضها اصحاب المكاتب تختلف من مكتب لاخر وحسب مقدارالمبلغ المرسل الى الشخص او الجهة المعنية ، حميد فاضل المياح صاحب مكتب صيرفة بين: ان اغلب مكاتب الصيرفة اصبح عملها عشوائيا وغير خاضع للرقابة المالية ، فحتى بائع السكائر اصبح يمارس مهنة الصيرفة، ولاوجود لضوابط وتعليمات محددة، مشيرا الى وجود مكاتب تمارس تهريب الاموال عبر صفقات مشبوهة وبشكل علني وتحت مسميات كثيرة،
واضاف : القانون ضعيف ولامحاسبة او عقوبات رادعة لمرتكبي جرائم غسيل الاموال، ونحن نعمل في مجال تصريف العملة حسب اسعار البنك المركزي وبسعر اعلى قليلا مما يبيعه مزاد البنك، ومن فرق السعر بين الشراء والبيع نحصل على الارباح ، لكن تحويل الاف الدولارات عبر وسطاء لبعض المكاتب يعود بفوائد مالية كبيرة ، لانهم يأخذون عمولة بحدود 50 ألف دينار عراقي على كل 10 آلاف (دولار) .

تحويل

صاحب مكتب في شارع فلسطين (رفض ذكر اسمه) قال : ناخذ عمولة 18 الف دينار عراقي على المبالغ التي تتجاوز 1200 دولار في التحويلات الخارجية القريبة في دول مثل الاردن ولبنان وتركيا ، ولنا شراكة في التعامل مع مكاتب في تلك الدول التي تستلم حوالات الاشخاص وتسلمها لهم مقابل اجور ندفعها لهم مسبقا، اغلب الحوالات هي لمواطنين عاديين يحتاجون لمبالغ بسيطة لاغراض العلاج او لبعض التجار ممن يستوردون بضاعتهم من تلك الدول ولايحبذون نقل المبالغ النقدية لتلافي الاشكالات والمسألة في
المطارات والمنافذ الحدودية والبعض الاخر يخشى من عمليات السرقة والاحتيال التي يمكن ان تطالهم هناك، موضحا : ان اقصى مايمكن ان نتعامل في التحويلات الخارجية لايتجاوز مئة الفدولار، اما المبالغ الضخمة فتحتاج الى موافقات واوراق رسمية تثبت صحة مصدر هذه الاموال، لكن بعض الشركات لاتلتزم بالقانون وتعمل باساليب ووسائل مختلفة لتهريب المبالغ النقدية على شكل دفعات وتحت مسميات مختلفة.

مصطلح وقانون

اعتبر بعض الباحثين أن أصل تسمية تبييض أو غسيل الأموال يعود إلى عصابات المافيا الشهيرة في الثلاثينات ، حيث تم القبض على زعيم هذه العصابة ( آل كابوني ) ( Alponse Caponi ) سنة 1931 بالتهمة الوحيدة التي أمكن إثباتها عليه وهي تهمة التهرب من الضرائب ، فتوجهت عصابات المافيا بعد ذلك إلى تأسيس وشراء أعمال مشروعة تستخدمها لتمرير الأرباح الهائلة من العمليات الإجرامية التي تقوم بها. وقد وردت عدة تعاريف أوردها الخبراء في تقريب معنى غسيل الأموال إلى الأذهان، وانقسمت
الآراء الفقهية في تعريف غسيل الأموال إلى قسمين: ضيق وواسع.
حيث يقتصر التعريف الضيق على غسيل الأموال غير المشروعة الناتجة عن تجارة المخدرات ، ومن الآراء التي اعتمدت التعريف الضيق اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية المنعقدة في فيينا في ديسمبر عام 1988، وكذلك التوصية الصادرة عن مجلس المجموعة الأوربية 1991 .
أما التعريف الواسع لغسيل الأموال : فأنه يشمل جميع الأموال القذرة الناتجة عن جميع الجرائم والأعمال غير المشروعة، وليس فقط تلك الناتجة عن تجارة المخدرات والمؤثرات العقلية، في العراق عرفت المادة الثالثة من الأمر رقم ( 93 ) لسنة 2004 ـ لسلطة الائتلاف المؤقتة (قانون مكافحة غسل الأموال ومكافحة التمويل الإجرامي) النافذ الذي يسري على التداول المالي غير المشروع ، بأن غسيل الأموال : ( كل من يدير أو يحاول أن يدير تعامل مالي يوظف عائدات بطريقة ما لنشاط غير قانوني عارفاً بأن المال المستخدم هو عائدات غير قانونية أو كل من ينقل أو يرسل أو يحيل وسيلة نقدية أو مبالغ تمثل عائدات لنشاط غير قانوني.

أوراق مزورة

لجنة النزاهة في مجلس النواب شددت على ضرورة وضع حد للشركات الوهمية التي تعمل على تهريب الاموال الى خارج البلاد باساليب غير قانونية، وفيما كشفت عن وجود مصارف اهلية متورطة بعمليات غسيل الاموال، اكدت انها تعمل بالتعاون مع البنك المركزي ووزارة التجارة لوضع آليات تحد وتسيطر على عمليات غسيل وتهريب الاموال.
اذ كشف عضو اللجنة عبد الكريم عبطان: عن وجود شركات وهمية تتعامل مع البنك المركزي بمبالغ تقدر بملايين الدولارات دون ان تكون مسجلة في وزارة التجارة، مؤكدا ان اللجنة ماضية في البحث عن هذه الشركات وملاحقتها لاسترداد الاموال منها.
وبين عبطان ان «هذه الشركات تتعامل مع البنك المركزي من خلال الاوراق المزورة، وتحول الى حساباتها مئات الملايين من الدولارات»، مبينا ان كل هذه السرقات يدفع ضريبتها الشعب العراقي.
واكد النائب ان البنك المركزي ولجنة النزاهة وضعا آليات للحد من هذه السرقات، مشيرا الى ان اللجنة ستعمل مع وزارة التجارة لكشف عمليات الاحتيال التي تمارسها هذه الشركات.
وقامت لجنة النزاهة البرلمانية باستضافة مدير البنك المركزي علي العلاق، وتباحثت معه حول وضع آليات للحد من سرقة ملايين الدولارات عن طريق الشركات الوهمية غير المسجلة لدى وزارة التجارة.
وقال رئيس اللجنة طلال خضير الزوبعي، في مؤتمر صحفي بمشاركة عدد من اعضاء اللجنة، ان «لجنة النزاهة استضافت محافظ البنك المركزي لمناقشة سياسة البنك المركزي المالية، والالتزامات التي تقع على عاتق العراق كعضو في صندوق النقد الدولي وآلية مكافحة تهريب العملة الاجنبية بالطرق التي تحتال على القانون».
وبين الزوبعي ان «اللجنة ناقشت مع محافظ البنك الاليات التي يجب ان يتخذها البنك المركزي لردع المصارف الاهلية المخالفة للضوابط والتعليمات»، مشيرا الى ان «النقاش تناول ايضا المصارف التي تتلكئ في دفع المستحقات المتمثلة بايداعات زبائنها ومعالجة خطابات الضمان المصرفية وسياسة البنك المركزي المتبعة في بيع العملة مقارنة بالدول المجاورة».
واشار رئيس لجنة النزاهة الى ان «الاستضافة تطرقت للتباحث في عملية النهوض بالاقتصاد العراقي والتبادل التجاري وخطط البنك المستقبلية في ضل الازمة الحالية»، مؤكدا انه «تم الاتفاق مع محافظ البنك على معالجة الاساليب غير القانونية من قبل المصارف في عملية بيع العملة الصعبة». واوضح الزوبعي انه «تم الاستفسار من محافظ البنك المركزي بشأن الآليات القانونية في تحويل العملة الصعبة من العراق الى الخارج»، مشددا على ضرورة «محاسبة البنوك المتلكئة والمتجاوزة على القانون في عملية شراء العملة وتهريبها».

شركات وهمية

بدوره شدد عضو لجنة النزاهة جمعة البهادلي على ضرورة ان تأخذ وزارات ومؤسسات الدولة على عاتقه, مسؤولية متابعة اموال الشعب والكشف عن سراق المال العام من الشركات الوهمية.
وقال البهادلي : ان «وزارة التجارة هي المعني الاول بمواضيع السرقات التي تحدث عن طريق الشركات الوهمية التي تتعامل معها» مبينا ان «الكشف السريع الذي اجرته لجنة النزاهة على وزارة التجارة اثبت وجود الكثير من الشركات الوهمية التي لم تسجل في الوزارة وتذهب اليها الكثير من الاموال العراقية لانها تتعامل وفق فواتير واختام مزورة».
وكشف النائب عن وجود اربع مصارف اهلية متورطة بغسيل الاموال، موكدا ان ما وصل الى خزينة الدولة من تغريم هذه المصارف بلغ 450 مليار دينار.
وفيما اشار البهادلي الى ان دولة الامارات سلمت مبالغ الحوالات للعراق بالدرهم الاماراتي لمنع عملية غسيل الاموال، بين ان الاردن بدأت تنهج نفس النهج في التعامل مع العملة، مشيرا الى ان تركيا لم تتجاوب مع البنك المركزي حتى الان في هذا الصدد.

مسؤولية الحكومة

الباحث في مجال السياسة والاقتصاد الدكتور مهند الانصاري حمل الحكومة جزءاً كبيراً من مسؤوليّة ما يمرّ فيه القطاع المصرفيّ الخاصّ، مبينا ان مشكلة السيولة النقديّة في المصارف الخاصّة مرتبطة بالتعاملات والمشاريع الاستثماريّة مع الحكومة، وهناك مصارف خاصة لها ديون على بعض الوزارات وتجد صعوبات في استرجاع اموالها من تلك المؤسسات الحكومية، وهناك شركات كبيرة سحبت ودائعها الضخمة من بعض المصارف الاهلية، الامر الذي تسبب بافلاسها وعدم قدرتها على دفع الودائع لزبائن المصرف.
وبين الانصاري أنّ الحلّ يكمن في إقرار قانون جديد للمصارف يعمل على تطوير المصارف المحليّة ودعمها لأنّ القانون الحاليّ لا يسمح بإنفتاح المصارف المحليّة على العالميّة، مشيرة إلى ضرورة تشجيع التوأمة المصرفيّة بين المصارف المحليّة والعالميّة لخلق مصارف تنمويّة كبيرة قادرة على تمويل المشاريع الكبيرة في البلد.
واضاف: هذه الاليات في التعامل المصرفي حتما ستقود الى تفشي ظاهرة غسيل الاموال وانتشارها على نطاق واسع بين الاوساط المصرفية لتعويض الخسائر وتحقيق الارباح، خصوصا مع ضعف الرقابة والقانون الذي يحاسب القائمين بهذه العمليات التي تضر بالاقتصاد العراقي بشكل كبير جدا.

عقوبة الجريمة

القانوني ضياء عبد الستار بين: أن المادة ( 3 ) من أمر سلطة الائتلاف رقم ( 93 ) لسنة 2004 نص على عقوبة من يرتكب جريمة غسيل الأموال بذيلها على الآتي : ( يعاقب بغرامة لا تزيد على 40 مليون دينار عراقي أو ضعف قيمة المال المستعمل في التعامل، أيهما أكثر أو السجن لمدة لا تزيد على 4 سنوات ، أو كلاهما ).
كما أعطى للبنك المركزي العراقي سلطات الرقابة والإشراف والتحقق من النشاطات المشبوهة للمؤسسات المالية وإيقاف النشاط المخالف للتعليمات التي يصدرها البنك المركزي في العراق وله التثبت
من هذه النشاطات من خلال مكتب الإبلاغ ( مكتب الإبلاغ عن غسيل الأموال ) الذي أنشأ بموجب هذا الأمر والحق بالبنك المركزي العراقي بموجب المادة ( 12 ) من أمر
سلطة الائتلاف رقم ( 93 ) لسنة 2004 ومن خلاله يتم إعلام سلطات الملاحقة القضائية عن كل الإجراءات المتعلقة بالنشاطات الموقوفة وفق هذا القانون ومنها ما يتعلق بغسيل الأموال، واشارعبد الستار الى ضرورة تشريع قوانين جديدة تفعل دور المؤسسات الحكومية في المراقبة ومتابعة
الانشطة المشبوهة التي تتسبب باستنزاف الاقتصاد العراقي من خلال تهريب الاموال واستخدامها في استثمارات خارجية لاتعود باي فائدة على واقع الاقتصاد المحلي.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.