شارع الخيام.. مركز الأناقة والفن والماضي الجميل

بغداد – يوسف المحمداوي
الشوارع هي ألسنة المدن الصادقة، على أرصفتها وبمحالها تجد أسرارها وتروي للمجتمعات حكاياتها بجمالها وقبحها بفرحها وبحزنها، كل شبر من الشارع هو خزانة لتواريخ لا يمكن تجاهلها أو التغاضي عنها من قبل سكنة هذه المدينة أو تلك، والشوارع كما هو الكائن البشري تولد وتنمو وتتراهق وتعيش عصرها الذهبي في شبابها، وقد تدخل الكهولة وهي سعيدة بوجودها وسطها لحلاوة الزمن الذي تعيش، واليوم وجهتنا شارع الخيام الممتلئ بالذكريات، وهو ثري جدا بما يحفظه من روايات البغداديين، شارع قصير بمسافاته لكنه طويل بإرثه لاسيما أنه الرابط الروحي بين شارعي الرشيد والجمهورية وسط بغداد، كل شيء فيه يرسم للمار والناظر ألوان زاهية لماض رائع ذهب ولن يعود، هنا سينما الخيام، ومن هناك مرت عفيفة اسكندر وحلويات حيدر وفلافل ابو سمير، وجاء الزعيم من جهة الرشيد ليشاهد أحد الأفلام الهندية.
معجنات وحلويات حيدر

يتميز الشارع الذي لا يتجاوز طوله الألف متر بانحدار يبدأ من الأعلى بجهة شارع الجمهورية ويقودك نازلا باتجاه شارع الرشيد، لكن ذلك الامتياز بدأ بالانحسار مع عمليات الترميم التي مر بها الشارع، وقبل دخولنا للشارع دخلنا الى أكبر معمل ومعرض للحلويات (افران حيدر)، حيث يقول صاحبه حيدر يعقوب يوسف: إن «البداية كانت في سبعينيات القرن الماضي لبيع الصمون الحجري، ثم قام الوالد كما يقول حيدر بتطويره الى معمل لصناعة الحلويات». مؤكدا ان اغلب الزبائن من بغداد وكذلك المحافظات وهناك زبائن بالعشرات هم من دول الخليج وخاصة الكويت، حيث يقومون بإرسال طلبات خاصة لنا، مبينا أن جميع مبيعاتنا في المعرض هي من صنع معملنا الخاص.
وعن إقبال المواطنين على الشراء يؤكد محدثنا بأنه كانت المبيعات في السابق أفضل ولا يمكن مقارنتها باليوم، لكون المواد كانت تباع بأسعار زهيدة على العكس من الوقت الحاضر في ظل ارتفاع الأسعار، وهو يحدثنا: «كانت طلبات الزبائن تقول «برمة، حلاوة جزرية، رملية، جرك، لقم، بقلاوة، بقصم، كعك ابو الدهن، وما تشتهي النفس من حلويات حيدر التي تركناها وفي النفس اشتهاء وبالصحة موانع تخذلنا أمام سيل لعابنا على تلك الموائد الشهية بطعمها ورائحتها».

أقدم مطاعم الشارع

دخلنا وسط الشارع لندخل في عمق الذكريات وبدايات ولادة شارع الخيام، التقينا في بدايته مع اثنين من المارة طلبا من الزميل نهاد تصويرهما، فاستغليت الظرف متسائلا عن سبب التسمية، فقال أحدهما ويدعى ابو جاسم: إن سبب التسمية يعود للسينما الوحيدة الموجودة في الشارع والتي تأسست مع بداية الشارع، وكان من المفترض أن يقوم النحات جواد سليم برسم لوحة بمدخل السينما لكن ظروفا معينة حالت دون ذلك، فاضطر صاحبها المرحوم اسكندر سطيفان الى استيراد لوحتين من ايطاليا تمثل طقوس الشاعر الايراني عمر الخيام، ولذلك سميت السينما والشارع بهذا الاسم منذ بداية نشوئه في خمسينيات القرن الماضي بحسب قول أبو جاسم.
أما الحاج أبو أحمد العقابي – صاحب محل لبيع الألبسة – فحدثنا عن الشارع قائلا: انه يعمل في الشارع منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، وكان الشارع كما يقول يشتهر بصالة السينما وقاعة كبيرة للحفلات تحضرها العائلات، ومطاعم ونوادٍ ومحال لبيع الألبسة والأحذية، والشارع كان على شكل سلم غير منحدر بعمق لكن التعبيد المتكرر ألغى تلك الصفة عنه، مضيفا ان حلويات النابلسي المشهورة بالكنافة مصدر استقطاب للعائلات البغدادية وكان يجاور السينما.
وأكد العقابي أن من أشهر المطاعم في ذلك الزمان مطعم ابو فيصل الشعبي، وكذلك مطعم فلافل ابو سمير، ومطعم شعبي آخر يديره ابو عطية وهو أول بواب في سينما الخيام، موضحا انه في نهاية الشارع من جهة الرشيد كان هناك محل الياس حسو لبيع الأربطة والأحزمة والملابس.

في العيد الحركة للصباح

يشير العقابي الى أن الشارع تحول الى مركز لبيع الملابس والأحذية مع غلق النوادي الترفيهية التي كانت تملأه كالركن الهادئ وغيرها من المسميات، وتحولت تلك المحال الى معارض للألبسة والاحذية وخاصة في مجمع الخيام الذي هو عبارة عن عمارة تابعة لجمعية الهلال الاحمر، ليصبح مركزا تجاريا يرتاده السواح الأجانب من مختلف الجنسيات، ويكون افتتاح الشارع من الساعة التاسعة صباحا حتى نهاية آخر دور في سينما الخيام، وفي الأعياد تبقى المحال مفتوحة حتى الصباح، وكان أغلب العمال الذين يديرون تلك المحال من المصريين والسودانيين لقرب الشارع من مناطق تواجدهم في مناطق المربعة والبتاويين.
مبينا انه لا غرابة ان تجد السياسي الفلاني او الفنان او الاديب وسط هذا الشارع لاهميته كمنطقة تجارية وترفيهية من بغداد، وهناك والحديث للعقابي مقهى (حسين فرهود) وسط الشارع يرتاده أغلب فناني العراق، وكذلك كان فندق الخيام مكان إقامة الفنانة الراحلة عفيفة اسكندر الذي يقع فوق السينما.
وشكا العقابي قائلا: إن المسؤول عن موت الشارع في الوقت الحاضر هي الدوائر الحكومية المالكة للعقارات كالضمان والأمانة والهلال الأحمر والأوقاف وغيرها، وذلك من خلال زيادة مبالغ الإيجار على أصحاب المحال على الرغم من ضعف القدرة الشرائية والإقبال علينا، مبينا انهم في السابق كانت المحال تعمل لمدة (14) ساعة متواصلة وبإيجار سنوي قدره مليون و800 الف دينار، أما اليوم فعملنا لا يتجاوز الأربع ساعات ومع ذلك رفعت تلك الدوائر بدلات الإيجار علينا الى عشرة ملايين دينار وهذا ما دفع أغلب أصحاب المحال الى غلقها وهجرتها لكونها لا تجلب حتى مبالغ الإيجار، ومما زاد الطين بلة كون أرزاقنا هي يوم الجمعة وفي ظل التظاهرات الحاصلة وقطع الطرق نضطر الى الاغلاق يوم الجمعة بحسب قول العقابي.

ملتقى الفنانين العرب

خرجنا من صاحب محل الألبسة باتجاه الشارع التاريخي ومررنا على الرصيف الذي استعمره صباغ الأحذية أو من نطلق عليهم (انصاف سكافية) وعربات لبيع الاحزمة واكشاك تسجيلات وبيع افلام، ومحال متنوعة، لكن عملا بنصيحة أحد أصحاب المحال توجهنا الى من عمل في الشارع منذ العام 1956 وهو حميد عبد خضير الرماحي صاحب مقهى، إذ يقول: إن الخيام والمنطقة بأكملها تأسست مع بداية السينما والفندق اللذين افتتحا في العام 1956 من قبل الأرمني اسكندر ستيفان وشقيقه اوهان، وكان أغلب سكنة الفندق من الوفود الأجنبية التي تزور العراق، فضلا عن الفنانين العرب من أمثال المطربة سميرة توفيق، والفنان فهد بلان، والراقصة اللبنانية قطقوطة، وكذلك الفنانة جاكلين، وقدمت الحفل في ذلك الوقت الفنانة المعروفة مريم فخر الدين، وكان ملتقى الشخصيات والفنانين في مطعم رومانس لصاحبه عزيز شيا وهو نفسه صاحب مطعم دنانير كما يقول الرماحي وكان ملتقى للعديد من الشخصيات، وكذلك زار الشارع ولعدة مرات الفنان المصري كارم محمود، ومن النوادي المشهورة في الشارع الركن الهادئ لصاحبيه جورج وابو ثامر، ومن التسجيلات القديمة (سنكام وصوت الشرق) ثم تلتها تسجيلات الخيام وهو محل صغير من مطعم رومانس الذي كان يتواجد فيه اغلب ابناء الساسة كما يقول.

بائعة الملابس (مريم)

بين الرماحي ان العديد من الدوائر الحكومية سكنت الشارع مثل شركة المشاريع النفطية التي اصبحت بمكان فندق الخيام بعد غلقه، ومغادرة ايناء اسكندر جوني وادمون الى خارج العراق، موضحا ان السينما افتتحت في تاريخ 6/6/1956، وكان اول فيلم عرض فيها «حصار طروادة» وكان سعر تذكرة الدخول (60) فلسا، وفي العام 1959 عرض فيها فيلم (ام الهند) وحضر العرض الزعيم عبد الكريم قاسم، وماجد امين والمهداوي ووصفي طاهر، واحتراما لهم قام صاحب السينما (اسكندر) بحجز لوج رقم (6) لهم، وعلى الرغم من طول الفيلم الذي مدته ثلاث ساعات بقي الزعيم حتى نهايته.
وأضاف ان من اقدم مطاعم الشارع هو مطعم حكمت للمشويات، ومطعم الفلسطيني ابو سمير للفلافل، وكان في البداية قرب عمارة فتاح باشا وذلك في العام 1965، ولا أخفيكم السر بأني كنت أعتقد ان من أدخل الفلافل علينا هم المصريون وحين سألته ان يتأكد من التاريخ، أكد لي الرماحي ان هناك مطعم ابو موسى الفلسطيني للفلافل قرب سينما ميامي موجود في العام 1961، وابو سمير وابو موسى هم من الفلسطينيين الذين اسكنهم الزعيم في منطقة الطوبجي، ثم انتقل ابو سمير الى وسط الشارع، والآن يملك المطعم علي اللبناني صاحب مطاعم ارز لبنان بعد ان اشتراه من عائلة ابو سمير بعد وفاته.
وبين لنا ان المرأة الوحيدة في الشارع والتي تمتلك محلا للألبسة في العام 1960 هي مسيحية اسمها (مريم)، توفيت في بغداد عام 2013.

«محمد عايش» وبدالة الفندق

البواب عبد الرزاق عبد الذي أمضى ست سنوات في عمله بالسينما فيقول: كنت أتقاضى في ذلك الوقت (350) فلسا، وفي يوم الجمعة يصبح المبلغ (700)فلس، مبينا ان جميع العاملين في السينما في ذلك الوقت يرتدون الزي الموحد، توجهنا بعدها الى ابو عطية (عبد الحميد محمود حسين من مواليد 1928) ليحدثنا ولده محمود لكونه كبيرا في السن وغير قادر على الحديث، ليقول لنا إن علاقة والدي بالفنانة عفيفة كانت مجرد توصيلها الى أماكن عملها، وكانت تقيم في فندق الخيام منذ العام 1956.
واضاف محمود: كان عامل بدالة الفندق في ذلك الوقت عضو القيادة القطرية ووزير الصناعة محمد عايش الذي أعدمه صدام، ووالدي كان البواب، والبقية كانوا عمالا مسيحيين، وبعد غلق الفندق ومغادرة أصحابه للخارج قام والدي بفتح هذا المطعم للمأكولات الشعبية. وبين محمود ان شارع الخيام وكذلك الرشيد كان يغسل من قبل دائرة الامانة مرتين في اليوم، ويمنع منعا باتا دخول العربات للشارع، وكان النظام هو السائد في الشارع التراثي، وكنا في أيام العيد نبقى حتى الصباح اما اليوم فتقفل جميع المحال أبوابها عند الساعة الثالثة عصرا، وأن اقدم مطاعم فلافل بالشارع هي (ابو سمير) وكنا كما يقول نضع عملة العشرة فلوس بالماكنة الموجودة بباب المطعم فتنزل علينا السندويش من الماكنة ايضا، تركت محمود وبودي أن اقول له (وين اكو هيج حجي بالستينيات)على الرغم من قناعتي بصدقه

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.