سحر الزجاجة الزرقاء .. أمل جديد لزواج العوانس

بغداد – هدى العزاوي
كلما جرى الحديث عن السحر تتذكر رشا تلك اللحظات التي انتظرت فيها بفارغ الصبر وبمزيد من القلق والترقب مغيب الشمس لتهشم زجاجة ذات لون أزرق عند باب المنزل الخارجي على امل ان يتقدم لخطبتها رجل ما، بعد ان فاتها قطار الزواج. كان ذلك الحدث آخر تجربة لها في عالم السحر، بحسب ما روته صديقة مقربة جدا منها. ونقلا عن تلك الصديقة، التي لم ترغب رشا في الافصاح عن أسرارها لغيرها، فان رشا هشمت الزجاجة الزرقاء وانتظرت أياما واسابيع ثم اشهر من دون ان يلوح أمل في الأفق، ومرت التجربة كحال التجارب السابقة لتسجل الفشل بقلم عريض.

وتعتقد رشا في قرارة نفسها انها “معكودة ذيالها ” ولهذا لا يتقدم لها أي عريس على الرغم من جمالها الأخاذ وسمعتها الطيبة كربة بيت ممتازة وتعليمها المناسب.
ويؤكد استاذعلم الاجتماع في جامعة بغداد الدكتور رسول مطلك: ان الرجل هو من يمسك بزمام المبادرة من ناحية الارتباط بالفتاة ، وهذا ما يضيع الفرصة على أية فتاة بصورة عامة في ان تتحكم في الوقت المسمى بنظام المبادرة الخاص بالحصول على شريك العمر في الوقت المناسب، حيث يتفاقم هذا الامر من باب الحاجة الى الجنس المغاير او الى النوع الاجتماعي الاخر، وهذا ما يدفع المرأة إلى ان تخوض في مخاضات قد تكون غير مشروعة من ناحية الشريعة، ومرفوضة من قبل المجتمع فتلجأ الى الحلول السلبية كفتاحي الفال او فتح القسمة وتعلق عليها امالاً كبيرة ، وان تحقق هذا الامر فهو بفعل الصدفة فقط.
فتح القسمة

وتقول أم سيف، وهي فتاحة فال تسكن في إحدى المناطق الشعبية زرناها بحجة طلب( فتح قسمة) وهو التعبير الدارج للمتأخرين في الزواج رجالا ونساء:
ان هناك عدة اسباب تقف حائلا في طريق الزواج أولها مشيئة الله وتقديراته، والأسباب الأخرى تتعلق بعداء الاصدقاء والاقارب الذين يكيدون لشخص ما في سبيل منعه من الزواج، وتقول أم سيف انها استطاعت، قبل عدة أشهر، حل عقدة فتاة تعرضت لسحر رهيب من قبل شاب تقدم لخطبتها فرفضته، وهذا ما دفعه للانتقام منها، فعطل زواجها لعدة سنوات.
ويؤكد السيد عماد الموسوي استاذ في الحوزة العلمية: ان الدين الاسلامي ينظر الى السحر ومن يتعلمه على انه من الكبائر و الذنوب الكبيرة التي حرمها الله، وجاءت امرأة الى رسول الله (ص) فقالت: يارسول الله اني صنعت المحبة لزوجي من خلال السحر، فقال هو حرام انما الحب يقذفه الله في قلب من يشاء”، فالحب والمودة لاتأتي عن طريق السحر وهذا ما يجهله مجتمعنا. كما ان هناك ابتعاداً حقيقياً للمجتمع عن الشؤون الاسلامية، وفيما يتعلق بالسحر وتعلمه فذلك من الامور المحرمة ولكن هناك استثناء واحدا يستثنيه الفقهاء وهو ان يتعلمه الانسان لابطاله.
وتضيف أم سيف ان هناك عدة مصطلحات متداولة في هذا المجال، فـ( المعكودة ذيالها) هي الفتاة التي عقد طرف ثوبها من الخلف من دون علمها، وبحسب المعتقدات الشعبية فانها لن تتزوج، أو تتزوج ولكن بصعوبة، ومثلها الفتاة التي القي على ظهرها( تراب ميت)، أي تراب من المقبرة، وهناك من عمل لها عملا شيطانيا من قبل حاقدات أو حاقدين عليها من أجل تعطيل زواجها.
وصفات مجربة

وتقول رشا بحزن وامتعاض نقلا عن صديقتها: لم أفكر في اللجوء إلى السحر ابدا، لكن زواج الكثير من صديقاتي وقريباتي، بما فيهن الأصغر مني سنا قد دفعني لاعادة النظر في ما اعتقده، فالكثير من قريباتي، ولاسيما والدتي وشقيقاتي وزوجات أخوتي بذرن في عقلي ان عدم تقدم الشباب لخطبتي قد يكون نابعا من عمل شيطاني”سحر”. وتضيف رشا بألم واضح: بدأت تجربتي عندما اصطحبتني والدتي معها إلى فتاحة فال لمعرفة سبب تأخر زواجي، ثم انتقلنا من واحدة الى أخرى من دون تحقيق أية نتيجة إذ بقي الحال على ما هو عليه على الرغم من الوصفات الكثيرة والغريبة التي جربتها.
وتؤكد أم سيف نجاح أعمالها في هذا المجال مستدلة على ذلك بالزحام الذي تواجهه في تلبية طلبات الباحثات عن الزواج، وبيقين لا يشوبه الشك، تضيف انها نجحت في( فتح قسمة) العديد من الفتيات عبر هذه الوصفة مثلما فشلت في بعضها، وهذا راجع برأيها لسبب التعطيل وقوته، فالتعطيل يشبه المرض، وهناك من يشفى مرضها بسرعة، وهناك من لا شفاء لها حتى لو هشمت ألف زجاجة زرقاء.
وعن تلك الوصفات تقول رشا بحسرة وبما يشبه الندم: كان من بينها لفائف تحتوي على بخور أو اعشاب، يجب حرقها مع مغيب الشمس، أو اضافتها إلى الماء قبل الاستحمام به، فضلا عن مجموعة من الشموع التي يجب ايقاد واحدة منها مع مغيب الشمس يوميا، واخيرا وصلنا إلى الزجاجة الزرقاء.
الزجاجة الزرقاء

وتصف رشا قصة هذه الزجاجة موضحة: زارتنا خالتي التي تسكن في منطقة شعبية ذات يوم، وهي تحمل خبرا سعيدا بحسب قولها، وكان مفاد الخبر انها عرفت ان في منطقتها السكنية فتاحة فال نجحت في تزويج العديد من الفتيات المتاخرات عن الزواج بوصفة تعتمد على زجاجة زرقاء، وقالت خالتي ان جارة لها استعملت تلك الوصفة وتزوجت على الفور. وفي الحال قررت أمي ان تصطحبني لزيارة خالتي اولا ومن هناك نذهب لفتاحة الفال المذكورة، ولقد ذهبنا بالفعل، وبعد ان اخذت فتاحة الفال أسمي واسم والدتي، أخرجت زجاجة زرقاء وتمتمت عليها بعبارات غير مفهومة، ثم اعطتني إياها وطلبت مني ان اهشمها على باب المنزل مع مغيب الشمس، وقد فعلت ذلك ولكن لم يتغير الحال
إطلاقا.
لكن ام سيف تستدرك موضحة قصة الزجاجة الزرقاء: في الحقيقة ان تهشيم زجاجة زرقاء مع مغيب الشمس من الوصفات غير الشائعة ولا المعروفة، لكن الاختلاف يكمن في طريقة إعداد الزجاجة قبل تهشيمها، فهناك من يكتب عليها بعض العبارات، وهناك من يقرأ عليها قبل تسليمها للراغبة في تجربتها، كما ان هذه العبارات تختلف بين فتاح فال
وآخر.
ويعود السيد عماد الموسوي للحديث عن موضوع السحر والتعامل به، موضحا:
كما يقال، اذا انتشر الظلال والتخلف ظهرت البدع والخرافات والاساطير، وما نأسف عليه اليوم هو غياب الوعي الفكري والثقافي عن مجتمعاتنا، ولذلك برز ربيع السحرة وساد خريف المثقفين، وباتوا في زاوية منعزلة بعيدا عن دورهم الحقيقي في المحافظة على مجتمعنا وتخليصه من كل تلك العادات السيئة والسعي الى زرع أمل آخر يعيد رصانة العقل والمبادئ الاخلاقية للوقوف ضد الكثير من الخرافات التي استفحلت بشكل سلبي في
مجتمعاتنا.
أسباب أخرى

فيما تعترف والدة رشا بأنها متيقنة بشكل تام ان تأخر زواج أبنتها ناجم عن اسباب اخرى غير الاسباب المذكورة آنفا، وتوضح والدة رشا أكثر: الحقيقة ان فرص الزواج المقدمة ضئيلة جدا قياسا بعمر رشا الحالي، ولكن مع قلة تلك الفرص الا ان هناك الف صوت يصرخ بداخلها يرجح تأخرها عن الزواج بانها (معكودة ذيالها).
وتضيف والدتها : الا ان هناك مشكلة أخرى، وهي ان رشا فتاة منعزلة وبعيدة عن المناسبات الاجتماعية وهذا الامرقلل من فرص الزواج امامها واغرقها في بحر العنوسة، والخلاصة ان القسمة والنصيب، كما يقال، بيد الله سبحانه وتعالى مهما كانت الاسباب وراء تأخرها.
ويؤكد السيد عماد الموسوي: أن هناك غريزة مغروزة في جسم الانسان لابد من افراغها، الا ان كل انسان لا يأخذ أكثر من نصيبه وما قسمه الله له في هذه الحياة، فالتنبؤ بالامور الغيبية التي ستحصل يزلزل نفسية الانسان ولايجعلها مستقرة ويبعدها عن معرفة الاسباب الحقيقية لتأخر الزواج عند البعض، فهناك حروب وعوامل اقتصادية ونفسية وايضا فوارق اجتماعية تقف حجر عثرة في تلبية رغبات الانسان، والسؤال هو: لماذا لا نعقد ندوات ومؤتمرات حقيقية لمعالجة عنوسة المرأة ومشاكلها والعنف الجسدي والنفسي الذي يقع على
المرأة.
ويضيف الموسوي: يقول المثل العراقي ” عقل المرأة يتقشمر بجكليته ” وهذا دليل واضح على مدى الاستخفاف بكينونة المرأة، فهو يعدها كائنا لا يفكر بعقله وانما يخضع لدوافع أخرى، لذلك علينا ان نخلص مجتمعنا من هذه الطبقة ( هؤلاء الذين ارعبوا وارهبوا مجتمعنا اكثر من الارهاب الداعشي او الارهاب السياسي او الفساد المالي هؤلاء افسدوا المجتمع فسادا ثقافيا واخلاقيا)، والسحر من الاعمال التي لا يجوز التكسب بها، والاجرة التي تأخذ من عمل السحر هي سحت ومحرمة ومن الكبائر التي توجب دخول
النار.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.