دول تتحدى الأزمات بـ «حليب الخيول» وتصدير اللغة

أمستردام – عدنان أبوزيد
يسود الاعتقاد بين سكان العالم، إنّ اقتصاديات الدول، لاسيما الدول المنتجة للنفط مقبِلة على فترة من التقشّف النسبي، باتت تلوح في الأفق، قد تطول نسبيا مقارنة بأزمات اقتصادية سابقة مرّ بها العالم، وضرب خلالها التقشّف بأطنابه فارضا قيودا على النفقات، فكان عبئا على المجتمعات المترفة بصورة خاصة، والتي لم تتصوّر يوما أنها سوف تتخلّى عن رغيد العيش، مضطرة. وإذا كانت درجات التقشف تختلف بين دول العالم بحسب اقتصاداتها، من حيث القوة والتنوع، إلا أن أغلبها تشترك في إجراءات خفض النفقات غير الضرورية، مع الاستمرار في دعم قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية، لتأثيرها المباشر في حياة المواطن، ومعدلات النمو الاقتصادي المستقبلية، على المدى الطويل.
لكن، ما هي تجارب الدول في التقشّف على طريقة النهوض الاقتصادي من جديد، وتجنّب الإفلاس أو الانهيار الاقتصادي، الذي يضعها على كفّ عفريت من الاضطراب السياسي والأمني؟.
الجواب أنّ الكثير من البلدان وضعت نفسها على طريق التأقلم مع حقبة النفط الرخيص، وعلى نهج تجنّب الكوارث المالية، الناجمة عن انخفاض أسعار النفط، فاتّبعت وسائل مبتكرة، ووضعت برامج «ثورية» كان البعض منها قاسيا على المجتمع، لتجاوز الأزمات الاقتصادية الكبرى.

حليب الخيل

إحدى التجارب الفريدة لشعوب العالم في عدم الاعتماد على النفط، في الصادرات، تخطيط دولة قازاخستان في تصدير حليب الخيل المجفّف، بعد أن مُنيت بخسائر فادحة جراء تراجع أسعار النفط.
وبحسب رويترز، كتب أصيل خان ماميتبيكوف وزير الزراعة في قازاخستان على صفحته التفاعلية في «فيس بوك» في كانون الثاني 2016 بأن: «الحليب المجفّف من 100 ألف من الخيول، يمكن أن يباع بنحو مليار دولار في 2016».
وليس بذلك بمدهش، إذا ما عرفنا انّ هذه الدولة تمتلك نحو مليونين من أنواع الخيول في مناطق السهوب الشهيرة التي تعادل في مساحتها، القارة الأوروبية بأكملها.
وسعياً إلى إنجاح المشروع، أُطلِق على حليب الخيول، اسم «المشروب الوطني»، وسيُباع مجففا تحت الاسم التجاري (ساوميد).
وهذه الخطوة الابتكارية من قازاخستان، تدعو دولاً إلى الإبداع في مصادر جديدة للدخل، بدلا عن النفط، الذي خدّر الكثير من الشعوب عن إيجاد البدائل.

تجارة الملابس المستعملة

أما أوروبا، بعظيم ابتكاراتها، وصناعاتها المتطورة المنتشرة في أنحاء العالم، فإنّ الأزمة الاقتصادية حفّزتها على التجارة حتى في «السلع البائرة» في أسواقها، فحرّكتها الأزمة، ودفعتها الحاجة إلى إنعاش حتى تجارة الملابس المُستعملة، وشرعت متاجر التجزئة في تقديم خصومات مثل متاجر «بريمارك»، التي نمت بشكل واسع في المجر وبولندا وبلغاريا وكرواتيا، لتناسب في أسعار بضائعها تباطؤ دخول الأفراد.
وبسبب النشاط الحميم الذي دبّ في أوصال هذه التجارة، فإنّ دولا غربية صدّرت الملابس القديمة والمستعملة غير المرغوب بها إلى دول أوروبا الشرقية، بدلا من إعادة تدويرها، أو رميها في النفايات، ليؤدي ذلك إلى ارتفاع وتيرة استيراد الملابس المستعملة إلى أكثر من الضعف مقارنة بأرقام العام 2008. واستوردت بولندا، وحدها ملابس مستعملة بقيمة مئة مليون يورو في 2015.

روسيا.. الأسلحة والتقنيات المتقدمة

ودفعت العقول الروسية الخلاقة، البلاد، المتأثّرة بانخفاض أسعار النفط، إلى تصدير التكنولوجيا العسكرية الدقيقة الى بلدان العالم، فضلا عن تنمية الصادرات من الأسلحة التقليدية كالطائرات المقاتلة، ونظم الدفاع الجوي، والسفن، والغواصات بحسب توجيهات اقتصادية نشرتها الحكومة الروسية في 28 كانون الثاني 2015.
وبالفعل فإنّ من المتوقع أن تتجاوز صادرات روسيا من التقنيات المتقدمة، مبلغ الخمسة مليارات دولار، ناهيك عن صادراتها من الآلات الزراعية والأنسجة والحبوب، والبطاطس، والماشية، والصيد البحري، وزراعة الغابات.
وكل هذا الجهد الواسع في تنويع مصادر الدخل، هدفه الحيلولة دون تخفيض الإنفاق الاجتماعي وأجور موظفي الحكومة، ورواتب المسؤولين الأمنيين.

«المرض» الهولندي

لقد وضع انخفاض سعر برميل النفط، الدول المنتجة لمصادر الطاقة التقليدية، إلى العمل الجاد للتقليل من الاعتماد على واردات الذهب الأسود، عبر تقليص وظائف القطاع العام وتحفيز القطاع الخاص على تحمّل مسؤولية النمو وخلق فرص العمل.
وإذا كان التحول من ظاهرة الدولة الريعية ليس تحولا سهلا، إلا أن اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه سيمكن المجتمعات النفطية من التخلص من «المرض الهولندي» الذي أصاب مفاصلها، حين طغى قطاع النفط على سائر قطاعات الاقتصاد.
وإحدى الطرق في هذا الاتجاه، إشاعة ثقافة الاستثمار، وتحديث الأنظمة المالية والقانونية المشجعة على التغيير، الذي بدا أمراً لا بد منه للتغلب على القصور الذاتي في المنظومات الاقتصادية.

بريطانيا.. تصدير «اللغة»

وسعت بريطانيا إلى تعزيز أرباحها من تصدير «اللغة».
نعم، اللغة الإنكليزية التي هي اليوم أحد أكبر الصادرات البريطانية، إذ يبلغ عائدها أكثر من عشرة مليارات جنيه إسترليني سنويا حسب تصريحات لوزير الخزانة البريطاني غوردون براون، وفق ما نشرته صحيفة «صن» البريطانية.
ذلك ان المقاعد التي يشغلها الأجانب في الجامعات البريطانية والكتب والوسائط التعليمية الأخرى كالأقراص المدمجة تسهم في الاقتصاد البريطاني أكثر من صادرات الأغذية والنفط والسفن والطائرات.
كما أن البعثات العلمية والدراسية التي تفد إلى لندن تحقق أرباحا عظمية، ليصبح إجمالي الواردات من تصدير اللغة والتعليم نحو 50 مليار جنيه إسترليني بحلول العام 2020 حسب توقعات الخبراء المتخصصين.

سارقة حليب الأطفال

ومع ذلك، تجرّأ حزب المحافظين على اقتطاع فوائد التأمين الاجتماعي بـما يعادل 19 مليار دولار على الرغم مما يحدث من موجة احتجاجات متوقعة حيث ذكّر ذلك، البريطانيين، بسياسة التقشّف الصارمة التي اتبعتها رئيس الحكومة الراحلة مارغريت تاتشر، حتى أطلق عليها وصف «سارقة حليب الأطفال».

المغرب.. إنتاج «الحشيش»

وفي بلد مثل المغرب، عُرف بموارده النفطية القليلة، يدهش البعض حين يعرف ان تجارة هذا البلد من الحشيش تدر عليه ملايين الدولارات سنويا، حيث ينتج نحو 40 بالمئة من كمية الحشيش المنتجة في العالم ليصبح المورد الأساسي لأوروبا. وفي ذات الوقت عزّز المغرب من إنتاج الفوسفات، ليحتل المرتبة الأولى في إنتاجه في العالم.

هولندا.. تصدير الجمال

وفي هولندا حيث التقنيات المتقدمة تحتل مركز الصدارة في صادراتها فإنها تقف في مقدمة الدول في تجارة الزهور العالمية البالغة قيمتها نحو 4.7 مليار دولار سنوياً، إذ تستحوذ هولندا على 60 بالمئة من قيمة التصدير العالمي، وتتربع على عرش تصدير زهور الخزامى (التوليب)، فيما نجحت دبي في احتلال المركز الثاني في العالم بعد هولندا في حجم تجارة الزهور والنباتات.
وارتفعت مداخيل هولندا من تجارة الجنس، إذ تضم العاصمة الهولندية أمستردام، أكبر حي للجنس في العالم، يشتغل فيه المئات من الموظفين، موفراً فرص عمل واسعة، وجاذبا للسواح من مختلف أنحاء العالم.

نشارة الخشب

وطور الباحثون في بلجيكا، عملية كيميائية فريدة في معملهم في مركز «سيرفس كيميستري آند كاتاليست» على مشارف بروكسل، وحولوا نشارة الخشب إلى مواد كيماوية قيمة، وقطع الطوب المستخدمة في البناء إلى بنزين، ما يعني ان نشارة الخشب في الدول التي تمتلك حقول الغابات الواسعة ستكون بمثابة الذهب الأسود الجديد الذي سيخفض بشكل كبير نسب الاعتماد على استهلاك النفط.

السعودية.. التمور واللدائن

اما السعودية، هذه الدولة العملاقة في إنتاجها النفطي، فقد وجدت نفسها أمام حقيقة التقشف الذي لا بد منه، للتغلّب على العجز في الميزانية.
وكانت أول خطوة على طريق الاقتصاد، ترشيد الإنفاق على الرواتب والتي تشكّل نحو 50 بالمئة من الموازنة، كما أصدرت تعليمات للجهات الحكومية بإعادة ما لم تنفقه من أموال مخصصة لمشروعاتها في ميزانية هذا العام.
واتجهت المملكة إلى تنمية صادراتها من التمور واللدائن والمطاط والمنتجات الكيماوية، فيما حفّزت الكويت إنتاج صادرات الأثيلين جلايكوب ومشتقات الهيدروكربونات الأخرى لتجاوز الآثار السلبية لهبوط أسعار النفط.

تجارة الحيوانات النادرة

وإذا كان يبدو طبيعيا، أن دولاَ كثير تتاجر بالمواشي، حيث تحتل دولة السودان مقدمة الدول المصدرة لها، فإن الكثير من اقتصاديات العالم اعتمدت على تجارة الحيوانات النادرة والباهظة الثمن للتخلص من الركود الاقتصادي.
وإذا كانت قيمة الثور الإنكليزي فيكسورغاريث، تبلغ نحو العشرين ألف دولار، فلنا أن نتخيّل ما يمكن أن تجنيه تجارة هذه الأنواع من الحيوانات من أموال.
وتبلغ مردودات تنزانيا من تجارة الحيوانات والطيور النادرة، الملايين من الدولارات سنويا، حيث تبيع نحو 130 نوعا من الحيوانات مثل الزرافات والنسور والنمور والأسود والصقور والقرود، والغزلان، والظباء.

مصر.. تصدير الضفادع

ونجحت مصر في منافسة دول عريقة في تجارة الحيوانات الحية، فإضافة إلى الماشية بأنواعها، نجحت مصر في توسيع مزارع تربية الضفادع وتصديرها إلى الدول الأوروبية، إذ يبلغ ثمن الضفدع الذي يستخدم في الأبحاث العلمية والصناعات الغذائية، نحو الدولارين.

السجاد والألبان من إيران

وطوال فترة الحصار الاقتصادي والمقاطعة الغربية لمنتجاتها، نجحت إيران في النهوض بصناعاتها المحلية، لاسيما في قطاعي الزراعة والصناعة، في سعيها إلى إيجاد البدائل الكفيلة بالتقليل من آثار انخفاض أسعار النفط، وها هي إيران اليوم تصدّر منتجات الألبان إلى نحو 24 دولة في أنحاء العالم حتى وصلت قيمة صادراتها من المنتجات الزراعية والمواد الغذائية إلى نحو 4 مليارات دولار، فيما تبلغ قيمة صادراتها من منتجات الألبان إلى أكثر من 636 مليون دولار. فيما قصة إيران مع السجاد معروفة، إذ تصدره إلى نحو 62 دولة في العالم، لتبلغ قيمة صادراتها منه خلال ثلاثة أشهر فقط نحو 116 مليون دولار.

وماذا عن العراق؟

ولا ريب في أن العراق يحتوي من الثروات الطبيعية، والمساحات الشاسعة القابلة للزراعة، ما يوفّر له بدائل كافية عن واردات النفط التي تشكل قرابة الـ 80 بالمئة من إيراداته ما يوجب إيجاد بدائل للموارد المالية يغني عن إيرادات بيع النفط.
ومن دون الخوض في تفاصيل هذه البدائل التي تشكّل الأسلوب الأمثل على المدى البعيد لاقتصاد عراقي «غير نفطي»، فإنّ الأزمة الاقتصادية الحالية، تتطلّب معالجات عاجلة، تجني ثمارها ضمن المدى المنظور، ومن ذلك بحسب الأكاديمي، همام عبد الله السليم، من «المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاقتصادية والسياسية الستراتيجية»: «استثمار السياحة الدينية، ورفع تأشيرة الدخول للعراق إلى 90 دولارا على أقل تقدير، وإعادة تأهيل التصنيع العسكري ودعم المنتوج الوطني من المستلزمات العسكرية، وتشريع قوانين لدعم المستثمر الأجنبي، وتشجيع المنافسة وحماية الصناعات الوطنية الناشئة، من خلال فرض رسوم التعرفة الكمركية على استيراد السلع التي يتم إنتاج مثلها، محلياً. كما أن أجور جباية أمانة بغداد والمحافظات والوزارات، والضرائب على شركات الهاتف النقال والتعرفة الكمركية ستمثل وارداً جيداً يمكن التعويل عليه في سد جزء من نقص الميزانية.
لقد أدمنت الدولة العراقية على النفط، منذ اكتشاف أول بئر نفطية في 27 تشرين الأول العام 1927، في بابا كركر، في كركوك، وكل إدمان يوجِب العلاج، وهو ما عملت به الدول الغربية والولايات المتحدة بتوفير البدائل للتخلص من هذا الإدمان القاتل.
العراق اليوم، شأنه في ذلك شأن دول الخليج المصدرة للنفط، يجب أن تنتفض على «الكسل» الذي سببه ذلك الإدمان، والبحث عن مصادر جديدة للدخل، وهي مصادر متوفرة، ولا تحتاج في هذا الصدد إلا لقرار حازم في الشروع بتجاوز هذا الإدمان بالتأسيس لسياسات تطوّر البدائل عن النفط.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.