حكايتي مع الهجرة

بقلم / ميسون ممنون حطاب
سأهاجر ولن أعــــــود.. كلمات قلتها، بعد أن أتصل بي أخي المغترب، وشجعني على الهجرة، للبحث عن مستقبل أفضل لعائلتي، وبعد أن أقفلت أبواب بلــــدي بوجهي، ولـــــم أستطع كسب حريتـــي، وتعرضـــت للاضطهاد السياســـي بسبب آرائــي ؛ والأجتماعـــــي؛ وحتى المبني على الــــجنس .
أقنعت زوجي بضرورة الــهجرة، وبناء حـياة جـديدة، مـا كـــــــان منـه إلا إن أتصل بأحــــد أصدقائــــه، الــــذي يملك علاقــــــات واسعــــــة، بحكم سفـــره إلى تــــــركيا كــــثيراً، وتعاملـــــه مــــع (القجقجية)، فــرتب لنـــــا الأمـــر، بــــعد أن قـــمنا بكل ترتيباتنــــــــا من الـــداخل، وتهيئــــة وضعنــــا، والـــــتجهيز للــــهجرة.
ودعنا أهلـــــــنا وأصدقـــــائنـــــا على أمــــل لقاءهــــم في ظروف أفضل، تألمنا لتركنا جذور صنعناها بدموعنا على مــــر سنــــوات طــــويلة، لــــــكن أنتهـى بنـــا المطـــــاف أن تــــركنا كـــل ما دأبنـــــا بالعمل عليه، لأننا ضعنا في بلد بلا هوية، إقتسم هويته بين جيرانه، وباع آخر أنفاسها، خرجنا ومشاعرنا تتخبط، بين فرح وأمل بحياة جديدة، وحزن ويأس على حياة غرسنا فيها قلوبنا وأوجعتنا مراراً وتكراراً .
وصلنا تركيا بخير وسلامة؛ بقينا عدة أيام ننتظر خبراً من (القجقجي) الذي سيقوم بإخراجنا، مع أتصالاتنا المتكررة عليه، وأيام تمضي، ونقودنا تقل يومــــاً بعد يــــوم، لإننا عائلة مكونة من خمسة أشخاص بينهم ثلاثة أطفال، فما كان إلا أن جاءنا المهرب، وأبلغنا بإكتمال العدد والإتفاق مع طاقمه، أتفق معنا على اليوم والساعة والمكان الذي يجب التواجد فيه.
حزمنا أغراضنا التي حزمنا قبلها أمرنا وتوجهنا إلـى الموعد، فوجودنا العوائل والشباب، كــــما وجـدنا المهربين الذين تعطيك وجوههم، إنطباع بالريبة والشك في إنهم سيبيعونك في أقـرب موجة، صعدنا على متن قارب الصيد الذي لا يتسع إذا ما أكتظ به الراكبون إلى خمسون شخصاً، وأعدادنا فاقت السبعون بين رجل وإمرأة ومراهقين وأطفال.
أولادنا خائفون، أكثر مما كانوا يخافون عندما تحدث إشتباكات قرب بيتنا في العراق، لإنهم بوقتها كانوا تحت سقف، مع أم وأب واثقين من حماية أولادهم، لكنهم اليوم لا يرون السقف، ولا يشمون رائحة حماية آباءهم، فالآباء أنفسهم خائفون، ووجوههم تخبرهم بأنهم غير متأكدون من قرارهم، وما كانت إلا ساعة حتى أنطلق المركب، والكل سبح بأسم الله، حتى الذين لا يؤمنوا بوجوده.

ساعات من البرد؛ والخوف؛ والهلع، وأبني يسئلني (ماما حبيبتي آني خايف) وأنا أدلعه (حـبيب مـامـا لا تخاف شوية ونوصل، تخيل إنك صاعد بسكة الموت)، (ماما بس آني ما أصعد بسكة الموت، مو كنتي ما تخليني أصعدها، وتكولين أخاف عليك، لا يوكف كلبك)، وقـلت في نفسي:( شلون لعد جبتكم بهل الــخطر، وما أعرف راح نوصل لو نغرك) فبكيت كثيراً بوقتها.
نزف قلبي وأنا في أشــد وأحلك الساعــات التي تمر علـي، وبين الـرعب؛ والإستغفار؛ والدعاء؛ وصراخ الأطفال من هنا وهناك بسبب تعالي الأمواج؛ والقلق الذي يعيشه جميع من في المركب؛ صاح (القجقجي: وصلنا)، آه وصـلنا واخيراً، قبلت أولادي وزوجي وأحـتضنا بـعضنا، وحـمدنا الله وشكرناه على وصــولنا للجانب الآخر المجهول، على أمل إيجاد وطن طال بحثنا عنه، خلف أسوار وطن بلا أسوار .
أنتظروني.. سأكمل معكم رحلة الهجرة عندما أصل..

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.