حروب نفسية باردة تعكر صفو الأجواء العائلية

بغداد – علي دنيف حسن
بين الحين والآخر، يستيقظ علاء مبكرا، ويتوجه نحو الحمام ليطيل وقت استحمامه أكثر من المعتاد. بعدها يقف أمام خزانة ملابسه ليرتدي قطعا تركها منذ زمن بعيد، ثم يبدأ بتلميع حذائه بشكل غير مسبوق، وما ان ينتهي من ذلك، حتى يتوجه نحو المرآة ليقف أمامها طويلا، ثم ينفث على جسده عطرا نفاذا وهو يغني:
« أناااااااااا أنا بعشقك أنا
أنااااااااا أنا كلي لك أنا
يامن ملك روحي بهواه
الأمر لك طول الحياة
الماضي لك.. وبكرة لك.. وبعده لك
أنا في سهادي.. وفي منامي
بندهك وبسألك..
بتحبني ولا الهوى عمره ما زارك
بتحبني ولا انكتب على القلب نارك
قول يا حبيبي.. حبيبي.. قول.. قول يا ملك»
يفعل كل هذا علاء كريم (23 عاما) وهو شاب وموظف على مرأى من زوجته الشابة لإغاظتها فقط، وليوهمها بأنه على علاقة مع امرأة أخرى، وهذا جزء من الحرب النفسية التي يشنها ضدها.
أساليب بدائية

ولا يكتفي علاء بأسلوب الإغاظة هذا، بل يقول لزوجته أحيانا بأنه حلم ان رجلا وقورا يرتدي ملابس بيضاء أعطاه مسبحة صغيرة وجميلة. ولأن زوجته لديها هوس بالأحلام، وتمتلك كتابا لتفسيرها، تسرع بفتح الكتاب فتجد ان معنى المسبحة هو المرأة، فتزداد غيظا.
ويقول كريم بتشفٍ: «بمرور الوقت أصبحت أستاذا في «فن الخباثة»، وقد تعلمت من الحكايات التي يرويها بعض الأصدقاء، ومن المسلسلات التلفزيونية الشيء الكثير، والحقيقة التي يجب الاعتراف بها هي ان زوجتي باتت تدرك ألاعيبي ولا تهتم لها، لكنها تنسى أحيانا فتقع فريسة سهلة لخباثتي».
ويقول الاستاذ الدكتور قاسم حسين صالح رئيس الجمعية النفسية العراقية: يقوم هذا المشهد على سيكولوجيا الغيرة بين الزوجين.. فالشاب هنا يعمد الى استثارة غيرة زوجته عليه.. وهي حالة شائعة من الفهم الخاطئ للغيرة.
ونوضح هنا ان الغيرة على نوعين: صحية.. حين يرتاح لها الطرف الآخر وتثير فيه مشاعر الحب والإحساس بقيمته، ومرضية حين تسبب للآخر إزعاجا وتطلب منه أن يتوقف عنها.
الزوجة غالبا ما تكون مسكونة بالقلق خوفا ألا تأخذ زوجها واحدة أخرى وهي مؤمنة بمقولة ان الرجال لا يؤتمنون.. وغالبا ما تلجأ الى العرافات والخرافات كالتي فسرت حالة المسبحة بأنها امرأة أخرى.
هذا النوع من الغيرة سواء عند الرجل او المرأة ناجم عن ثقة هشة بالنفس وبالآخر.. وبفهم خاطئ للحب وغباء في استثارة مشاعر الآخر بأساليب بدائية أو استفزازية.
وبحسب الصديق المقرب جدا لعلاء الذي روى لنا هذه الحكاية، فإن علاء يلجأ لهذا الأسلوب في إغاظة زوجته الشابة وإثارة غيرتها لتحبه وتوده أكثر، ويقول علاء: في كثير من الأحيان، وربما نتيجة مشاغل زوجتي في المنزل أشعر انها لم تعد تهتم بي كالسابق، كما تقوم بافتعال الخصام معي لأبسط الأسباب، وتحاول عصيان أوامري.
ويرى علاء ان استعماله لهذا الأسلوب غالبا ما يعيدها لجادة الصواب، فهو ينذرها ان عليها الاهتمام بحياتها الزوجية دائما وأبدا، فليس من الصحيح أن تغفل عنها ولو لرمشة عين.
وقد عد مقال عنوانه «متى تصبح الغيرة مدمرة بين الأزواج؟» نشره موقع (medicineworldcenter.com) في منتصف الشهر الماضي الغيرة بين الزوجين شعورا طبيعيا وضروريا للعلاقة الزوجية، وهو شعور قديم جدا ظهر منذ العصور القديمة، وأدى شكله الحاد إلى القتل، فنحن نشعر بالغيرة من زملائنا في العمل، ومن إخواننا، ومن الناس المشهورين وجميع من حولنا، وهذا الشعور طبيعي جدا، لكنه أخذ بالزيادة خلال العلاقة الزوجية، وعلى المدى الطويل يخلق الوهم الزائف لدينا، بأن لدينا شريكا في الملكية وبمجرد أن يصبح جزءا منا و»ممتلكاتنا» لا نريد له الاقتراب من
الآخرين.
ويحذر المقال من أن تتحول الغيرة إلى شك وريبة وانعدام ثقة تدفع الشريك الغيور إلى ملاحقة كل تحركات وتصرفات شريكه تلميحا وتصريحا، فتتحول من حب امتلاك وحرص إلى سعي لفصم عرى الشراكة بتهمة الخيانة.
لكن علاء يستدرك حديثه لينوه بخطورة هذا السلوك موضحا: أحيانا، يكون لهذا السلوك رد فعل عكسي، فنتشاجر بقسوة، وتضطر زوجتي إلى مغادرة المنزل لاجئة إلى أهلها، وليس أمامي في هذه الحالة إلا السعي لإرضائها لتعود معي إلى منزل الزوجية. ولكن في كل الأحوال ليس أمامي غير هذا السلوك بعد أن تيقنت ان توجيهي ونصائحي لها لا تؤثر فيها.

حروب المياه

وفي منزل آخر، تتصاعد حرب نفسية أخرى بين أم وزوجة ابنها، الهدف منها إغاظة الطرف الآخر، وتحطيم «معنوياته» إلى أقصى حد، وبحسب من روت لنا تفاصيل المعارك الباردة، فإن الأم قد شنت أول العمليات التعرضية على زوجة ابنها بعد أسبوع من الزواج عندما طلبت منها القيام بالواجبات المنزلية المعتادة، كغسل الصحون والملابس وتنظيف أرجاء المنزل، فضلا عن القيام بطبخ وجبات الطعام.
وردا على هذا «العدوان السافر» من وجهة نظر العروس، فقد عمدت الأخيرة إلى تكتيك «الشاطي باطي» لصد الهجوم، وعبثت بموجودات المنزل، وغيرت أماكنها، وأسرفت في استعمال المياه، فأغرقت الممرات وتركتها من دون نزح أو تنشيف. ثم واصلت هجومها فضربت نصائح «عمتها» بعرض الحائط، إذ أهدرت الكثير من الزيت لقلي مأكولات بسيطة، ولم تعلق الملابس بعد غسلها بطريقة مناسبة، وهنا ردت العمة بوابل من العبارات النارية، استهلتها باتهام العروس بأنها «بزر نستلة» ثم قالت عنها إنها قليلة التربية «ما مرباية»، فجاوبتها الأخيرة بتهكم مصحوب بزخة نارية من الضحكات المستهزئة: (والله ياريت تربيني.. هههههه ههههههه
هه).
عندها أدركت العمة انها قد تخسر هذه المعركة غير المتكافئة من ناحية الأسلحة الفتاكة، وان من غير الصحيح ان تضع كنتها ندا لها، فأصدرت لها أوامر فورية وملزمة بمسح المياه المتناثرة، فاستجابت الأخيرة للأمر، وبدأت بعملها بتكاسل واضح، وكأنها في فيديو بطيء السرعة مرددة بعض الأغاني الشائعة، في وقت قررت فيه العمة، مع نفسها، أن يكون الطلاق هو الرد الحقيقي على سلوك هذه الفتاة المتنمرة.
ويرى الدكتور صالح ان هذا العداء بين أم الزوج (العمة) وزوجته (الكنة) يقوم على سيكولوجيا
التملك.
ويضيف موضحا: غالبا ما تعد الأم ابنها ملكا أبديا لها، وترى في زوجته انها استلبت منها حق الملكية.. فتحصل بينهما معركة.. الخاسر والرابح كلاهما يستخدم كل أسلحته للاحتفاظ بها.
العمة تمارس سلطة (صاحب الملك).. والاعتبار.. فتعمد الى الإكثار من إصدار الأوامر واستصغار (الكنة) والتقليل من شأنها.. وتهديدها باستعادة الملكية وخلعها منها، فيما الكنة انتقلت الآن من حالة الخضوع والطاعة التي كانت شائعة أيام زمان حيث العائلة الممتدة في سكن واحد، الى ممارسة آلية من آلت إليه الملكية وصار لها وحدها حق التصرف بها وإعلان الاستقلال متى شاءت.. زمن الوظيفة والشقق الصغيرة.. والمشتملات!

حروب أخرى

وفي مشهد آخر، يعمد حسين طالب، أو «حسون» كما يدلعونه وهو تلميذ في الرابع الابتدائي إلى إغاظة شقيقته تمارا الأكبر منه سنا، فيعمد على العبث بمقتنياتها وكتبها المدرسية، ولأن تمارا في الصف الثاني متوسط وغالبا ما تترك كتابها الذي تقرأ فيه جانبا، إذا ما كلفتها أمها بمهمة ما، يصبح ذلك الكتاب هدفا لحسون، فيسعى خلسة لتغيير مكان القلم الموضوع كإشارة للصفحة التي وصلتها شقيقته، أو يقوم بوضع خربشة صغيرة على تلك الصفحة، وهذا ما يثير أعصاب شقيقته ويدمر حالتها النفسية، ويجعلها تطلق الكثير من العبارات الجارحة والمهينة، لأنها تدرك ان «حسون الملعون» هو من فعل ذلك وليس غيره.
وتقول امهما: أعيش حالة نفسية متردية نتيجة الحرب بين حسون وشقيقته، لكن هذه الحرب غالبا ما تتخللها مراحل سلام طويلة ثم تعود لسابق عهدها. والحرب النفسية الباردة بين الأشقاء الصغار ليست نهائية، وتتلون بأكثر من لون وأسلوب، ولا تطفئ نارها النصائح والإرشادات وتزيدها العقوبات اشتعالا.

دراسة حديثة

وفي منتصف الشهر الماضي «تموز» أظهرت دراسة طبية نشرت على العديد من المواقع الالكترونية أن العلاقات الأسرية القوية بين أفراد الأسرة تساعد على زيادة الثقة بالنفس بين الأطفال وتقلل مشاعر القلق والتوتر بينهم خاصة في المنازل التي تعاني من العنف المنزلي.
وقالت الباحثة «كاترين نوتون» من جامعة «ليميريك» في أيرلندا: نظرا للسرية التي تحيط العنف المنزلي، من المهم أن يدرك الآباء والأمهات أهمية الحفاظ على الترابط الأسري والحرص على الآثار الوقائية للروابط الأسرية القوية لأطفالهم، وبهذه الطريقة يمكن أن نشجع الشباب المصابين بالحفاظ على المعنى الأصيل للانتماء داخل الأسرة في نهاية المطاف وهو ما يوفر الدعم النفسي
الإيجابي».
وأظهرت التحاليل أن تعرض المشاركين في الدراسة للعنف المنزلي سواء من الوالدين أو مقدمي الرعاية كان مرتبطا مع انخفاض احترام الذات، وزيادة القلق والروابط الأسرية الأضعف بين الشباب بالمقارنة مع أولئك الذين نشؤوا في بيوت مستقرة.
وفي نهاية الشهر نفسه أفادت دراسة كندية حديثة تداولتها وسائل الإعلام بأن كثرة مشاهدة الأطفال للتلفزيون وألعاب الفيديو في الصغر، تجعلهم أكثر عرضة للمضايقات والبلطجة والعنف من زملائهم في الدراسة (والذي يعرف باسم «التنمر»)، لأنها تؤثر في وظائف الدماغ لديهم وتجعلهم غير قادرين على حل
المشكلات.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.