حذار.. المياه المعبأة قد تكون ناقلة للجراثيم

بغداد ـ فجرمحمد
أثارت الوعكة الصحية المتمثلة بالمغص المعوي التي أصيبت بها الصغيرة زهراء حسن ذات الثلاثة أعوام قلق وارتباك عائلتها، لاسيما عندما بينت الفحوصات الطبية انها مصابة بجرثومة بالأمعاء نتيجة شربها لمياه ملوثة، في حين ان العائلة لا تستخدم سوى عبوات المياه والقناني الصغيرة، إذ إن أسرتها كما هو حال باقي الأسر في البلاد تفضل المياه المعبأة على ماء الإسالة وتخصص ميزانية خاصة لهذا الغرض كي يتوفر أهم احتياج من احتياجات كل عائلة وهي المياه النقية النظيفة، ويؤكد والد الصغيرة الموظف الثلاثيني حسن ناجي، أن العائلة لا تستهلك سوى عبوات المياه ذات الحجم الكبير ويمنع أفراد أسرته من شرب ماء الإسالة، ويعلل ذلك بقوله: «أخشى على أفراد أسرتي من شرب ماء غير الماء المعبأ بالعبوات والقناني، لأن ماء الإسالة يثير قلقي وخوفي عليهم خصوصا وانه قد يكون مجرى مائيا ناقلا للعدوى والأمراض، لذا نشتري عبوات المياه ولكنها بدأت تثير مخاوفنا هي الأخرى، إذ إن صغيرتي كانت عندما تشرب من مياه العبوة تشتكي من مغص يصيبها حتى اضطررنا في أحد الأيام الى نقلها للمستشفى».
ويقول عدنان صدام – صاحب أحد معامل المياه المعبأة المرخصة في بغداد-: «كي تفتح معملا خاصا بتعبئة المياه سواء القناني الصغيرة أم العبوات الكبيرة فأنت بحاجة الى موافقات وتراخيص من جهات حكومية متعددة وهي أمانة بغداد والبيئة والتقييس والسيطرة النوعية والتنمية الصناعية، وتتوج الإجازة من وزارة الصحة».موضحا أن «أمانة بغداد قبل أن تمنح الإجازة تعمل على التأكد من وجود مكان ملائم لقيام المصنع الخاص بصناعة عبوات المياه، وأن يكون في منطقة صناعية وقريبة من مصادر المياه، أي النهر، وحتى لو تم تشييد هذا المصنع بداخل منطقة سكنية لا بد أن يكون قريبا من مياه النهر ايضا، لكي لا يستخدم ماء الإسالة وإنما ماء النهر وتجري تنقيته وتصفيته ومن ثم تعبئته».
لذلك أقيمت الكثير من المعامل بالقرب من مياه النهر وتحتوي على محطات لتحلية المياه، ومن ضمن شروط أمانة بغداد ايضا أن تكون المساحة كبيرة وتمنع المحلات الصغيرة، ولكن هذا لم يمنع وجود معامل في محلات صغيرة وجهزت بمحطات الـ»آر أو» لتصفية المياه وتنتج المياه المعبأة ولكنها غير صحية بالتأكيد، وقد يشيد المعمل احيانا بعيدا عن مصادر المياه ولكنه في الوقت نفسه يتم جلب الماء من مياه النهر في خزانات ليتم إيصالها الى محطات التصفية».

عمليات التصفية

ويعتقد والد زهراء بأن الأماكن التي تنتج فيها عبوات المياه قد تكون ملوثة ولا تخضع للشروط والمواصفات الصحية، إذ إن الوعكة الصحية والمغص المعوي اللذين عانت منهما صغيرته لم يكونا وليد الصدفة بالتأكيد، بل كانا نتيجة شربها مياها ملوثة فكيف تصل الجراثيم إذا الى مكان معقم ونظيف؟
ويضيف عدنان ان من الجهات الرقابية الاخرى التي تقنن عمل المعامل، وهي التنمية الصناعية التي بدورها تراقب المكائن والمعدات والآلات، التي يتم استخدامها في المحطات وتتأكد من صلاحيتها للاستخدام وقدرتها على القيام بعمليات التصفية والتحلية، فضلا عن ضرورة عدم تدخل الأيدي العاملة في عمليات التصفية وإنما تقوم المكائن بذلك الدور، كذلك عمليات التعبئة التي هي الأخرى تخضع لسيطرة المكائن، أما مهمة العمال فتقتصر على ترتيب عبوات وقناني المياه فقط في ما يعرف بـ «الشرنك»، ويستلزم ثبوت المكائن في الموقع بعد الحصول على الموافقتين، ثم تأتي بعد ذلك وزارة البيئة التي تهتم بمخلفات التصنيع التي يجب أن تقتصر على سدادات قناني المياه، وعدم تأثر المصنع بأي مسببات بيئية أو المجاري التي قد تكون قريبة من المصنع، وايضا متابعة المعامل المحيطة به خصوصا إذا كانت تنتج مخلفات كيمياوية، عندئذ تعمل البيئة على التأكد من عدم تأثر المياه المصنعة بهذه المخلفات، لأن الماء سريع التأثر بالمواد القريبة منه، ومنع حرق مخلفات مصانع المياه في الشارع لاحتوائها على مواد كيمياوية قد تسهم بتلوث الجو.
مشيرا الى أنه ينبغي أن تكون أرضية المعمل خالية من التخسفات تماما وأن يكون جزء من الجدار الموجود في قاعة الإنتاج مصنوعا من مادة السيراميك كي لا يتعرض الى التخسف وبالتالي تأثر جزء من المواد في الأرضية وتأثر الإنتاج به».

مياه منزوعة الاملاح

أشارت الدراسات العلمية التي أجريت مؤخرا الى أن هناك مياها معبأة قد تكون منزوعة الأملاح المهمة للجسم وتُسبب نقصاً في بعض الأملاح التي يحتاجها القلب والأعصاب لضبط وتنشيط العضلات وضبط نبضات القلب، كالبوتاسيوم والمغنيسيوم، وقد يعاني من لا يشرب سوى المياه المعبأة، من الخمول والكسل وضعف في العضلات وقصور خفيف في ضخ الدم وحركة الدورة الدموية وانقباض وانبساط عضلات القلب، وان هذه الاملاح من المفترض انها موجودة في مياه الإسالة.وبينت الدراسة ان الماء في عبوات مصنوعة من البلاستيك أمر غير صديق للبيئة، فرغم جميع المشاريع المقامة لإعادة تدوير نفايات القناني لكن غالبا ما ترمى العبوة الفارغة في القمامة وهو ما يعد ملوثا للغاية، وتحاول جميع الشركات المصنعة أن تثبت بأن العبوات البلاستيكية صديقة للبيئة، لكنها تصنع من مواد تحتاج إلى مئات السنين كي تتحلل.
كما لفتت الدراسة الى انه رغم الجهود التي بذلتها العديد من الشركات لجعل هذه القنينة صديقة للبيئة لكن لم تنجح سوى في خفض جزء بسيط من الآثار الجانبية لها على البيئة. وأكدت العديد من الدراسات أن أغلب العبوات المصنوعة من البلاستيك ترمى في القمامة وقليل منها يعاد تدويره، هذا فضلا عن أنها لا تتحلل
جيدا.

عبوات ذات استهلاك واحد

تحصل عائلة زهراء على عبوات المياه بالحجم الكبير من الأسواق القريبة من منزلهم، إذ تبين أم زهراء انها تقوم بتغيير تلك العبوة عندما ينفد ماؤها من الأسواق القريبة من الدار، وتقول: «يقوم البائع بتسلم العبوة مني ثم يقوم بغسلها بمياه الإسالة ويعطيني غيرها، لكن هذا التصرف أثار استغرابي، إذ هل من الممكن أن تقضي المياه العادية على الجراثيم والميكروبات الموجودة في تلك
العبوة».
ويلفت صاحب المعمل الى أن كثيرا من عبوات المياه تعد ملوثة لأن أصحابها لا يستخدمون غاز الأوزون الذي يعمل على تنقية المنطقة الخالية من المياه الموجودة في رأس العبوة، في حين تعد هذه أخطر مكان قد تلوذ بها الجراثيم والميكروبات وبالتالي تلوث المياه بأكملها، وتستخدم المعامل غير الملتزمة بالشروط والتوصيات الصحية فقط الأشعة فوق البنفسجية والتي لا تعقم المياه ولا تحافظ عليها لفترات زمنية طويلة، أما بالنسبة للأسواق فيقوم أصحابها بغسل تلك العبوات بالماء وحسب، في حين تقوم المعامل المرخصة باتباع عدد من الآليات لتنقية المياه وتصفيتها، إذ يجب أن يحتوي المعمل على غرفة خاصة تكون بمثابة مختبر يضم آلات طبية ومعدات مختبرية ليجري فحصا جرثوميا وميكروبيا يوميا للمياه، ولا يدخل الى مكان الإنتاج سوى المعقمات الصحية، ويجب أن تكون المياه معقمة بعد مرورها بمراحل التصفية والتعقيم بنسبة 99 بالمئة، إذ تقوم مكائن خاصة في المعمل بتعبئة المياه ضمن سلسلة من المراحل، من بينها غلق العبوات والقناني وصولا الى وضع العلامة التجارية، ولضخ المياه داخل المكائن يستخدم دينمو ماء (ماطور) من النوع الغذائي، إذ يمنع استعمال الانواع المستخدمة بالمنازل لانها تسحب حتى الجراثيم والميكروبات واحيانا مياه الصرف الصحي التي تختلط بمياه الاسالة غالبا بسبب التجاوزات على شبكات المياه.

إشراف الرقابة الصحية

ويؤكد رئيس المعاونين الأقدم محمد عواد صاحب من شعبة الرقابة الصحية، أن مهمتهم هي متابعة المعامل المرخصة وتجديد الإجازة لها سنويا، مع وجود الإشرافات والزيارات الميدانية، ولكن الرقابة الصحية كي تحمي المواطنين من تلك المياه ومضارها تقوم بفحص نماذج منها في مختبر الصحة المركزي ببغداد وفي حال نجاح الإنتاج يطرح في الأسواق، وبخلافه يتم حجز الإنتاج ومنعه من النزول للأسواق والمحال، فضلا عن تغريم المعمل بمبلغ مالي معين وغلقه لمدة معينة، ويحال المخالف الى المحاكم المختصة بالتنسيق مع مكافحة الجريمة الاقتصادية ومصادرة الإنتاج وتبليغ السيطرات الحكومية بالمنتج ومنعه من التنقل بين المحافظات، والإجراء الآخر الذي بدأت باتباعه الرقابة الصحية هو منع استخدام العبوات لأكثر من مرة خصوصا الحجم الكبير لأنها تنقل الأمراض والجراثيم.

معامل متجاوزة

ويكشف عدنان صدام عن أن هناك معامل كثيرة موزعة بين مناطق البلاد المتفرقة لا تعمل ضمن الشروط الآنفة الذكر، وكثيرا من عبوات المياه تعد ملوثة لأن أصحابها لا يستخدمون غاز الأوزون الذي يعمل على تنقية المنطقة الخالية من المياه الموجودة في رأس العبوة، في حين تعد هذه أخطر نقطة قد تلوذ بها الجراثيم والميكروبات وبالتالي تلوث المياه بأكملها، وتستخدم المعامل غير الملتزمة بالشروط والتوصيات الصحية فقط الأشعة فوق البنفسجية والتي لا تعقم المياه ولا تحافظ عليها».ويتفق معه بالرأي رئيس المعاونين الأقدم والمشرف على عمل المعامل، إذ يؤكد أن هناك أكثر من ستين معملا غير مجازة صحيا، ومن الأسباب التي قد تدفع بعضهم الى عدم أخذ إجازة هي طول المدة الزمنية الخاصة بالحصول على الموافقات المتعددة.وهو لا يخفي ما يتعرض له موظفو الرقابة الصحية غالبا من مضايقات وتهديدات في حال اكتشافهم معامل غير مرخصة أو حتى تلك المرخصة قد يكون منتوجها غير صالح للاستخدام البشري، ولكن لعدم وجود جهة قانونية معينة تحميهم وتحافظ على حياتهم لذا يضطر البعض الى عدم اتخاذ أي إجراء معين
بحقهم.

أنواع متعددة

ويقول حسن ناجي بغضب وامتعاض: إن كثرة الأنواع والعلامات التجارية للمياه المعبأة في الأسواق جعل المواطن في حيرة وارتباك، إذ إنه لا يعرف أي علامة تجارية هي المجازة والمعروفة والتي لا تحتوي على الأمراض والجراثيم والميكروبات في عبواتها، ويحمل الرقابة الصحية المسؤولية التي يجب أن تجد طريقة لتوعية المواطنين وإرشادهم الى المعامل المرخصة والخاضعة لإشرافها وسيطرتها، لتجنب مزيد من الأمراض التي يتعرض لها عدد كبير من الأشخاص بسبب تناول مياه معبأة ملوثة وغير معقمة بالطرق والوسائل
الحديثة.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.