بين غسل الأموال والاستيراد العشوائي..الاقتصاد العراقي ونار التخريب

تحقيق / إيناس طارق – تصوير محمود رؤوف

يعاني الاقتصاد العراقي من الركود وتعثر خطوات تطوره، لأسباب عـدة قد يكون فتح باب الاستيراد العشوائي من أهمها. فمن غير المعقول ان تُباع بعض الحاجيات التي تحمل اسماء ماركات عالمية، اذا كانت ملابس او عطوراً او مواد تجميل بأسعار رخيصة جداً!

من خلال جولة في بعض المجمعات التجارية التي انتشرت مؤخراً في العاصمة بغداد بشكل خاص، وجدت ان الكثير من المعروضات لا تتناسب اسعارها مع تكلفة انتاجها، مثال على ذلك “جاكيت” نسائي يحمل ماركة فرنسية يُباع بسعر ثلاثة آلاف وخمسمائة دينار، الأمر الذي جعل الناس تتهاتف على شرائه.

والأمر لم يتوقف عند الملابس ومواد التجميل، فالكثير من المواد المعروضة في الأسواق وبشكل خاص الأدوات المنزلية والعُدد اليدوية وغيرها من مواد استهلاكية تباع بأقل من كلفة انتاجها، الأمر الذي تسبب بخسارة الانتاج الوطني وتوقف الكثير من المعامل الانتاجية بسبب الاستيراد العشوائي!
غيـاب وتعطيل
الخبير القانوني ريسان حاتم عن هذه الظاهرة وإن كانت ضمن ما يُعرف بغسيل الاموال قائلا: إن ظاهرة غسيل الاموال في العراق لم تكن وليدة اللحظة وانما كان لها وجود وجذور إبان الحصار الذي فُرض على العراق عام 1990 وأخذت تنمو شيئا فشيئا الى ان وصلت الى مستوى لا يمكن التغاضي عنه، مضيفا: ان المسوؤلية التي تسببت في تبلور هذه الظاهرة هي مسوؤلية مشتركة، بدءاً من قانون البنك المركزي العراقي الى السلطات المالية وصولا الى المواطن الذي يعــد السبب الرئيس في تعاطي مثل هكذا ظاهرة نقدية مالية تسببت بخروج الكثير من الأموال العراقية الى خارج البلد، لتنعكس بشكل سلبي على تدهور قيمة الدينار العراقي.
وأوضح حاتم: ان للحكومة مسوؤلية ودوراً في القضاء او الحـد من هذه الظاهرة، من خلال سن قوانين جديدة وتفعيل قانون الجريمة الاقتصادية. وعندما يُسن قانون يُحدد الاطراف المتعاملة بهذه الظاهرة من الممكن ان يقلل الى حدٍ ما من ظاهرة غسيل الاموال للعملة العراقية، مبينا: ان النتائج المترتبة على ظاهرة غسيل الاموال واصفاً إياها بـ(جريمة منظمة) يشترك فيها الكثير مطالباً بتفعيل الدور الرقابي للحــد من ذلك.
المحسوبيات والفسـاد
بينما أوضح د.أنس قيس الحسيني : أن موضوع غسيل الاموال هو موضوع عالمي قديم ولكن ظهوره في العراق كان إبان عام 2005 لان النظام السابق كان هو المسيطرعلى كل الاموال العراقية في الداخل والخارج عن طريق شركاء آخرين ومع الأسف استمر الحال لأن تعدد الأحزاب ومعها المحسوبيات أسند الكثير واعتمد على حزبه او مَن يدعمه حكوميا وسلطويا ليتم غسيل الاموال بكثرة، والذين يقومون بغسيل او تبييض اموالهم سياسيون وأذنابهم ولان العراق غير آمن يقومون بتحويل اموالهم الى الخارج .
الفساد الإداري والمالي
واشار حسين معن الساعدي إعلامي إلى أن الفساد الاداري والمالي الضخم في كل مفاصل الدولة والمقاولات المخيفة التي تمر على المسوؤل الذي يأخذ بالمقابل نسبة منها يضاف اليها العقود الوهمية لشركات ليس لها وجود اصلا كل ذلك هو ما يُسهم بتبييض الاموال، مضيفا ان إدخال مختلف اشكال البضائع ان كانت سيارات او ملابس او مواد استهلاكية أو غذائية هو الآخر يتسبب بتخريب الاقتصاد العراقي وخروج العملة الصعبة الى الخارج.
وحدة غسل الأموال
بينما أشار القانوني احمد العباسي أن غسيل الأموال يعني خلط المال الناتج من الأعمال غير المشروعة اي الناتج من الجرائم بالمال الناتج عن عمل غير مشروع ويرتبط غسيل الأموال في اغلب الأوقات بالجرائم الدولية الكبرى مثل الاموال الناتجة من جرائم الإرهاب او من جرائم المخدرات او الاتجار بالاسلحة او الاتجار بالبشر او جرائم القرصنة والسرقات الكبيرة، مستطرقاً: هذه الاموال يتم ادخالها في حسابات مصرفية وتغسل بالاموال الموجودة بالحسابات المصرفية الأخرى ومن ثم يتم سحبها مجدداً ، وبذلك يكون صاحب المال غير المشروع الناتج عن الجرائم المذكورة آنفاً قد غسل ماله بالمال الحلال المشروع الموجود في المصرف.
واضاف العباسي : لا يُشترط في الغسيل ان يكون بمالٍ نقدي فربما يكون بمالٍ عيني كأن يشتري صاحب المال غير المشروع بضاعة او عقاراً .
وأوضح العباسي: اما في العراق فإن وحدة مراقبة غسيل الاموال تكون في البنك المركزي العراقي وهي ليست لديها السيطرة الكاملة على المصارف والشركات وهي مجازة بالتحويل فكثير من حالات الغسيل تتم عن طريق هذه المصارف من دون ان تنتبه لها الدولة او البنك وان الدول التي تتلقى هذه الاموال لا تقوم بالمراقبة والمحاسبة الدقيقة لانها ستكون مستفيدة من هذه الاموال حيث سيتم استثمارها لديها وأغلب حالات الغسيل تتم عن طريق البنوك والمصارف والبنك المركزي هو المشرف على هذه المصارف .
حماية العملة
الى ذلك حذر النائب عن اتحاد القوى العراقية عمر الحميري، من استمرار تهريب العملة المحلية بهدف تخريب الاقتصاد، وفيما بين أن هذا الأمر سيؤدي الى انهيار الاقتصاد العراقي، اشار الى ان البنك المركزي عليه اعداد ضوابط مشددة لحماية العملة.
وقال الحميري في بيان: إن التغاضي والصمت من قبل الأجهزة الرقابية المسؤولة عن حماية العملة المحلية من تهريبها إلى خارج البلاد من قِبل ثُلة مفسدة هدفها دفع اقتصاد العراق نحو الهاوية يمثل كارثة حقيقية وعلى المعنيين أخـذ هذه القضية بعين الحسبان.
وأضاف إن على البنك المركزي اعداد ضوابط مشددة لحماية العملة المحلية والاقتصاد العراقي من الإنهيار وتفعيل آليات من شأنها أن تقوِّض عمليات غسيل الاموال والإضرار بالاقتصاد العراقي، متابعا: أن التغاضي عن أي فعل يمس الاقتصاد العراقي له نتائج مدمرة ويصب في مصلحة تمدد المفسدين ، مبينا أن استمرار تدفق العملة المحلية إلى خارج البلاد له اضرار خطيرة، داعياً الى ضرورة معالجة وحماية العملة المحلية من خطر المفسدين.
القطاع الصناعي
اما عماد عبدالطيف صناعي يقول: إن اكثر معامل القطاعين الخاص والعام توقفت عن الانتاج لعدم قدرتها على منافسة البضائع المتدفقة للسوق بسبب الاستيراد العشوائي اضافة الى الوضع الأمني غير المستقر، مضيفا: البضائع التي تغزو الاسواق العراقية اغلبها من الصين حيث تلقى هذه الصناعة الصينية دعما من حكومتها يصل الى (25%) اضافة الى قلة اسعار الأيدي العاملة، وتوفر وسائل الانتاج الاخرى من طاقة وتسهيلات مصرفية كبيرة. المحلل الاقتصادي كمال المهدي أوضح أن عملية الاستيراد العشوائي للسيارات ومن مختلف المناشئ لها تأثير كبير على الاقتصاد العراقي نتيجة استهلاكها للوقود وصرف اموال كبيرة من العملة الصعبة على شرائها او شراء الادوات الاحتياطية لها، داعياً الجهات المعنية الى ضرورة تقنين استيراد السيارات خاصة وبقية المواد الاستهلاكية الاخرى التي تسبب خروج مبالغ طائلة من العملة الصعبة.
القطاع الزراعي
القطاع الزراعي الذي كان يشكل رافداً مهماً للاقتصاد الوطني من خلال الاكتفاء الذاتي يعاني هو الآخر من فتح باب الاستيراد العشوائي وبهذا الشأن ناشد رئيس جمعيات الفلاحين حسن التميمي رئيس الوزراء حيدر العبادي بالتدخل “السريع” لغلق المنافذ الحدودية بوجه المحاصيل الزراعية المستوردة التي تدخل الى العراق بشكل عشوائي، فيما أكد أن الفلاحين العراقيين مُنوا بخسائر كبيرة بسبب المحاصيل الزراعية المستوردة التي تدخل في تخريب الاقتصاد العراقي من باب آخر.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.