برامج استراق المعلومات.. ابتزاز ومساومة غيرمشروطة

بغداد – بشير خزعل
أصبحت الهواتف الذكية قنابل موقوتة يمكن أن تطيح بسمعة أشخاص وعوائل بسبب التصرفات غير المبررة لاستخدامات ثانوية لا يرى الكثيرون انها ضرورية للحاجة التي صنع من أجلها الهاتف النقال، ففي الوقت الذي يقدم فيه (الموبايل) خدماته لملايين الأشخاص في مختلف أنحاء العالم، إلا أن أغلب مشاكله انعكست على المجتمعات العربية وأحدثت فيها ظواهر اجتماعية خطيرة، المراهقون من كلا الجنسين في المدارس والبيوت وحتى بعض البالغين وقعوا في فخ التكنولوجيا التي لا يعرفون عنها شيئا سوى تحميل الأغاني وتسجيل الفيديوهات والتقاط الصور، أما ما يخزنه الجهاز النقال وما يلتقطه من إشارات وتشغيل عن بعد فلا علم لأحد بها سوى أصحاب الخبرة والمتمرسين في عالم التكنولوجيا والاتصالات.
شركة الحماية الأميركية «Zscaler» كشفت عن تطبيق خطير على هواتف أندرويد صمم لاستغلال المستخدمين وسرقة صورهم، وهو تطبيق إباحي يحمل اسم «Adult Player»، الغاية منه استغلال الأشخاص ومساومتهم مقابل فدية مالية أو غايات
أخرى.
تفاصيل التطبيق

حسب الموقع الإلكتروني لصحيفة «ديلي ميل» البريطانية، يعرض برنامج «Adult Player» عددا من الفيديوهات الإباحية للمستخدمين، لكنه يقوم بما هو أسوأ، إذ يلتقط صورا للمستخدمين من خلال الكاميرا الأمامية للهاتف النقال أو الحاسوب ويبتزهم مقابل مبالغ مالية متفاوتة حسب الوضع المادي والاجتماعي للشخص المستهدف ومن دون أن يلاحظ المستخدم أن هذا التطبيق يشكل خطرا كبيرا على سمعته وخصوصيته، ليقوم بعد ذلك بعرض رسالة تطالبه بالنقود مزودة بالصورة التي تم التقاطها من أجل المساومة والابتزاز.

مخاطر كاميرا الهاتف

يمكن أن يحصل المستخدم على هذا البرنامج عبر الإنترنت، لكن عملية تنصيبه تحتاج الى خبرة شخص متمرس في تنصيب البرامج وتحديثها، الأمر الذي يجعل الراغبين باستخدام مثل هذه التطبيقات يلجؤون الى أصحاب مكاتب تشغيل برامج الأجهزة الالكترونية، بعض أصحاب المكاتب في بغداد تحدثوا عن هذا البرنامج واختلفوا حول آلية تطبيقها وانتشارها، فبعضهم أكد وجودها منذ بضعة أشهر، فيما رأى آخرون وجود تطبيقات قديمة تقوم بنفس الوظائف وهي متداولة منذ اكثر من ثلاث سنوات. محمد علي الصراف (32) عاما، صاحب محل لبيع وتصليح الهواتف الذكية أشار الى وجود تقنية استخدام كاميرات أجهزة اللابتوب والموبايل عن بعد بواسطة برامج خاصة تعمل بواسطة الانترنت، إذ يوجد تطبيق يمكن (المستخدم) من الدخول الى جهاز شخص يعرفه ويقوم بتصويره أو التقاط فيديو له أثناء تشغيله لجهازه في البيت لأغراض التصفح، هذه البرامج استخدمها بعض الشباب والمراهقين لأغراض المزاح وتنفيذ المقالب لكنها تطورت الى شكل آخر بعد أن حدثت بعض القصص المروعة.

أسلحة رشاشة

ويضيف علي: أحد الأصدقاء كان يمازح صديقا له بالحديث خلال جهاز لابتوب عبر موقع (yahoo)، الأخير كان يجلس مع زوجته في غرفة النوم وهو مستلق على السرير، فيما كان الأخير يقوم بالتصوير خلسة من خلال كاميرا اللابتوب التي لم ينتبه إليها الزوج، وتم تسجيل فيلم مدته أكثر من 15 دقيقة، تظهر من خلاله الزوجة وهي تجلس بجانب زوجها بملابس النوم، الأمر الذي أدى الى تسرب لقطات الفيلم الى أصدقاء آخرين كانوا يتحدثون عن مفاتن زوجة صديقهم المغدور، وبعد أن علم بالأمر وشاهد الفيلم بعد تسريبات من قبل أقرباء للزوج، حدثت مشكلة عشائرية استخدمت فيها أنواع الأسلحة الرشاشة وأصيب خلالها 6 أشخاص بإصابات خطيرة من طرفي النزاع وما زالت المشكلة قائمة حتى اللحظة، لأن المتهم فيها أكثر من طرف وعشيرة، ولأن من تداولوا تسريب الفيلم كانوا ثلاثة أشخاص من أصدقاء الضحية.

تصوير عن بعد

في شارع الصناعة ببغداد يوجد متخصصون ومحترفون في تكنولوجيا الاتصال عبر الحاسوب وأجهزة الهواتف الذكية، بعضهم يعمل بشكل علني، وآخرون تحتاج الى سؤال أكثر من شخص للوصول إليهم، فمنهم من يتخصص باسترجاع المعلومات المحذوفة أو (المضروبة) بسبب عطب الأجهزة أو تلفها، فيما يتخصص قسم منهم بتنصيب البرامج (الخاصة) ومنها برامج (التلصص) أو سرقة المعلومات وتشغيل كاميرات الحواسيب والهواتف الذكية عن بعد، لكن هؤلاء الأشخاص لا يتعاملون مع زبائن يعرفونهم، فهم يتعاملون مع أغراب ويغيرون أماكنهم بين فترة وأخرى تحسبا لأية مساءلة محتملة عن مشكلة ما، بسبب استخدام مثل هذه البرامج. مهند فاضل الجنابي – مهندس حاسبات وصاحب مكتب لتنصيب برامج الكومبيوتر والهواتف الذكية في بغداد- تحدث عن استخدام برامج سرقة الملفات والتحكم بالتصوير عن بعد قائلا: «توجد تطبيقات عديدة لبرامج ومن موديلات قديمة كانت تستخدم من قبل الأجهزة الأمنية والمخابراتية في الدول الأوروبية، ويوجد الأحدث منها والأكثر تطورا ودهاءً، هذه البرامج القديمة تم تسويقها من قبل مؤسسات ربحية الى شركات صناعة الهواتف النقالة والكمبيوترات التي وظفت تلك البرامج ضمن أسعار محددة للراغبين باقتنائها واستخدامها، فمثلا هناك برنامج يسمى (FlexiSPY)، هذا التطبيق يستخدم لأجهزة اندرويد وهو برنامج مراقبة يسمح بالتجسس على معظم الأجهزة التي تعمل بنظام أندرويد، كما يسمح بالتحكم الكامل في جهاز الهاتف النقّال أو الحاسوب والتجسس على جميع اتصالاته ونشاطاته من أي حاسب آخر».

تجسس

وأضاف الأنصاري: وفر هذا البرنامج على أجهزة أندرويد، مراقبة لجميع أشكال التراسل واستخدام التطبيقات، ويمكنه تتبع الأماكن من خلال أجهزة تحديد الموقع «GPS» والاستماع المباشر وتسجيل المكالمات الهاتفية والأصوات الموجودة في محيط الهاتف، هذا فضلا عن إعطاء تنبيهات والإبلاغ عن البيانات المهمة. وعلى عكس تطبيقات التلصص الأخرى الخاصة يستطيع هذا البرنامج سرقة المراسلة الفورية، كما يتيح إمكانية اعتراض المكالمات الحية والتجسس على المكالمات، واختراق كلمات السر.

مصائد المجرمين

قد تبدو تطبيقات هذه البرامج مخالفة للقانون من حيث بعض الاستخدامات، لكنها في جانب آخر قد تشكل حماية أمنية لبعض الأشخاص الذين يخافون على أطفالهم ويسعون الى امتلاك برامج مراقبة لهم خلال تواجدهم في المدارس أو أثناء تنقلهم من مكان لآخر، إذ بين التقني (سمير حسن شغاتي) (26) عاما ويعمل في نصب أنظمة المراقبة، ان برامج المراقبة وتتبع مناطق الإرسال والمكالمات أصبح أمرا شائعا وغير مبهم، فهو يعمل ضمن مكتب مختص بنصب كاميرات المراقبة ويتلقى طلبات يومية من قبل عوائل عادية ترغب في نصب أنظمة مراقبة على منازلها، فضلا عن نصب برامج تتبع المكالمات ومصادرها على الهواتف النقالة لجميع أفراد العائلة، وبالتالي أصبح الأمر واقعا مشروعا لحماية بعض الأشخاص ضمن العائلة من عمليات الاختطاف أو الاعتداء. وأشار حسن الى الجانب المفيد لاستخدام تكنولوجيا البرامج المتطورة في كشف العصابات وتتبع المجرمين وحماية الأشخاص والأطفال من الاعتداءات، أما موضوع استغلال هذه البرامج في عالم الفضائح والتشهير فهو أمر محدود ويقتصر على بعض الحالات والتصرفات الفردية للمراهقين الذين لا يعون العواقب الوخيمة لمثل هذه التصرفات. ولفت شغاتي الى الفائدة الكبيرة من استخدام برامج المراقبة والتصوير عن بعد في كشف عشرات المجرمين والعصابات من (الأميين) الذين لا يجيدون التعامل مع هذه البرامج، فأحد المجرمين كان قد سرق أحد المنازل ومن ضمن الأغراض التي سرقها هاتف نقال (ايفون 6) وما ان فتح الجهاز حتى اشتغل برنامج المتابعة المنصوب من قبل صاحب المنزل وقام بتصوير وجه المجرم وبث احداثيات مكانه وتم القبض عليه خلال ساعة واحدة فقط.

أضرار اجتماعية

الدكتور رحيم الشمري – أستاذ علم النفس بجامعة بغداد- بين أن الأضرار النفسية لاستخدامات مثل هذه البرامج خطيرة وكارثية، إذ يمكن أن تحطم العلاقات الأسرية بشكل كامل ونهائي، فبسبب استغلال بعض الشباب والمراهقين من الجنسين وحتى البالغين لتقنيات هذه البرامج حصلت مشاكل واقتتال عشائري بخصوص بعض جرائم التشهير بنساء وبنات في أماكن مختلفة، إضافة الى جرائم سرقة وعمليات اختطاف تم تصويرها بكاميرات تستخدم برامج التصوير والتحكم عن بعد، وأضاف الشمري: هناك خطأ وسوء فهم اجتماعي وثقافي لدى عوائل كثيرة يستخدم أبناؤها تلك البرامج من دون متابعة ومراقبة، الأمر الذي أدى الى شيوع فكرة شرعية لاستخدام جميع برامج الانترنت من دون محاسبة، حتى ان بعض العوائل المحافظة اضطرت الى إلغاء استخدام شبكات الانترنت في بيوتها واستخدام الهواتف العادية، بدلا من الهواتف الذكية التي أصبح مردود استخدامها كارثيا في بعض الجوانب الأخلاقية. ودعا الشمري الى ضرورة أن تلتفت الأجهزة الرقابية والقانونية الى منع برامج التلصص والاستراق للملفات والصور والفيديوهات الشخصية التي أصبحت مباحة لأغلب الفضوليين والمدمنين والمتطفلين على خصوصيات الآخرين واقتصار استخدام تلك البرامج على الجهات الأمنية وبعض المؤسسات والأشخاص ضمن شروط ومواصفات خاصة.

قانون

المحامي حسن فياض السراي – مختص بقضايا الجنح وجرائم المعلوماتية- أكد وجود قضايا وملفات كثيرة تتعلق بجرائم تشهير عبر مقاطع فيديوية لنساء تمت سرقة تلك الأفلام من هواتفهن النقالة ضمن برامج استراق يستخدمها بعض المراهقين والشباب لغرض مساومتهن على أعمال الرذيلة مقابل التستر على عدم نشر تلك الصور والأفلام، فبعض المقاطع تتعلق بحفلات خاصة وأخرى لعلاقات عاطفية سرية وصور أخرى في أوضاع وأماكن مختلفة.
وبين السراي ان بعض القضايا تطورت الى جرائم جنائية بسبب عمليات الثأر العشائري التي أدت الى مقتل المتهمين باستخدام تلك البرامج غير الخاضعة للرقابة أو السيطرة من قبل المؤسسات المعنية، مشيرا الى ضرورة تشريع قانون خاص باستخدام برامج الاستراق والتجسس التي جعلت من الهواتف الذكية قنابل موقوتة تهدد مستقبل أشخاص وتطيح بسمعة عوائل بسبب الغباء غير المبرر لاستخدام مثل هذه البرامج لغير الضرورات الأمنية.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.