الوسيط الالكتروني.. وسيلة جديدة للبيع والشراء عبر الانترنت

بغداد – فجر محمد
لطالما أثارت استغراب وفضول جيرانها، إذ إن دأبها المتواصل على تبديل وتغيير أثاثها باستمرار جعل من الثلاثينية نادية رياض محط استغراب الأصدقاء والأهل والجيران، إذ أصبحوا يشهدون أسبوعيا خروج أثاث جديد ونظيف من منزلها، ليحل محله آخر أكثر حداثة، والمكان الذي تقوم فيه بصفقات البيع والشراء هو مواقع التواصل الاجتماعي وتحديدا «الفيس بوك»، إذ تنتمي الى مجموعات مختلفة مهتمة ببيع وشراء الأدوات المنزلية والأثاث والعقارات.وبابتسامة مليئة بالزهو والفخر تقول رياض: «أنا امرأة تكره التقليد والروتين اليومي، لذا أحرص باستمرار على تغيير أثاثي واستبداله بنوعية أحدث، لأنني أؤمن ان منزل المرأة هو مملكتها الخاصة ولا بد لها من أن تهتم به كثيرا وتبذل في ترتيبه مجهودا كبيرا، وأرى ان مواقع التواصل الاجتماعي قد وفرت عناء البحث لإيجاد السلعة، إذ أصبح بإمكان الفرد أن يجد كل ما يرغب باقتنائه».
تصف أستاذة علم النفس والشخصية في جامعة بغداد الدكتورة نهى الدرويش هذا النوع من النساء بالقول: «إن هناك نسوة يرغبن بأن يغيرن أثاث منزلهن باستمرار، ولا يبالين بالكلف المادية المترتبة على هذا الأمر، وقد يكون هذا الأمر محببا للزوج وأفراد العائلة إذا كان في المستوى الطبيعي، أما إذا زاد عن حده فهو يعد اضطرابا بالشخصية والإصابة بالقلق المكاني، فضلا عن أن مواقع التواصل الاجتماعي ايضا قد تحتوي على المحتالين الذين يتصيدون فرائسهم بذكاء».

تجارة مربحة

تحرص نادية على أن يكون أثاث منزلها متغيرا باستمرار، وتلتقط الصور له دائما وتضعها على إحدى صفحات «الفيس بوك»، حتى انها أصبحت من رواد هذه الصفحة.
وبينما هي تتصفح موقعها الالكتروني وصفحتها على الفيس بوك، تضيف: «إن هذه الصفحات الالكترونية تعرض مختلف المقتنيات والأثاث والسلع الالكترونية وغيرها من البضائع، وبعد أن دعتني إحدى صديقاتي للمشاركة في هذه الصفحة صرت أنا من روادها المستمرين، وبدأت تستهويني فكرة عرض أثاث منزلي وكل ما أشتريه، وعندما أرغب بتبديل أثاثي أقوم بعرض صوره على الموقع ذاته، فتأتيني مشاركات وتعليقات كثيرة وطلبات للشراء».
يبين أستاذ الاقتصاد في جامعة بغداد الدكتور ثائر محمود رشيد ان «عرض المنتجات والملابس والأثاث الذي يقوم به الأشخاص العاديون او حتى أصحاب المحال و»المولات» التجارية لعرض بضاعتهم عبر صفحات مختلفة ومتنوعة على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل واسع جدا، هي ظاهرة صحية لتحقيق الهدف الذي يسعى الى تحقيقه الاقتصاد وهو عملية التسويق والترويج للبضاعة، لترغيب المشتري بها، فضلا عن التسويق الصناعي والخدمي وهما أحد جوانب التجارة الالكترونية».

ولع مستمر

بينما كانت رياض تحضر بعض المقتنيات والأثاث لعرضها على إحدى المشتريات التي تعرفت عليها عن طريق الفيس بوك ومنهمكة بالتقاط الصور، كان الغضب والتذمر واضحين على وجه زوجها بكر أحمد إذ يقول: «منذ أن اشتركت زوجتي في هذا الموقع وبدأت تصل إليها إشعاراته المختلفة، حتى صار الأمر لا يطاق، إذ أصبحت مولعة بعمليات البيع والشراء الالكتروني، وبين فترة وأخرى تزور منزلنا نساء مختلفات تعرفت عليهن عن طريق الفيس بوك، لا أخفي انها منذ البداية كانت مولعة بتغيير الأثاث والطلاء المنزلي وديكور المنزل، لكن الأمر أصبح في ما بعد مبالغا به كثيرا».
ويرى أستاذ الاقتصاد «ان عملية البيع والشراء عبر الانترنت لا يعد صفقة واضحة بالمقارنة مع التجارب الدولية والمتعارف عليها في البيع والشراء، ولكنها أخذت مساحة أوسع في المشاريع الصغيرة والمتوسطة فضلا عن نمو المشاريع الصناعية والخدمية والتجارب العالمية في الأردن والكويت، إذ لا يقتصر الأمر على مجموعات صغيرة أو أناس عاديين، بل إن الأمر تعداه الى تجار وأصحاب محال وشركات، كما أن المعرفة بتكنولوجيا المعلومات أثرت حتى في الأميين الذين لا يعرفون القراءة ولا الكتابة ولكنهم أتقنوا الحاسوب، وبدؤوا يعرضون منتجاتهم بتفاصيلها المختلفة على هذه المواقع».

إتمام الصفقات

«لا أقوم بعملية بيع وشراء الأثاث والمقتنيات لوحدي، بل تساعدني مديرة الصفحة المعروفة بـ»الادمن»، وحتى عند حديثي مع من يرغب بالشراء أكون حذرة في تعاملي».
علقت بهذه العبارات رياض وتتابع: «منذ اليوم الأول لدخولي واشتراكي في هذا الموقع، وأنا قد كسبت صديقات جديدات وتعرفت على أناس مختلفين، وحرصت على أن أكون حذرة في تعاملاتي، فلا أعطي عنواني إلا بعد التأكد من «ادمن» الصفحة بأن الشخص الذي أتعامل معه ذو مصداقية ولن يسبب لي مشاكل».
وتنبه أستاذة علم النفس والشخصية في جامعة بغداد الدكتورة نهى الدرويش «على عدم التعامل بحسن النية المفرط، ويجب أن يكون الشخص حذرا في تعاملاته خصوصا الالكترونية، لأنها قد تسبب الكثير من المشاكل له، على الرغم من استبعاد إمكانية استغلال هذه الصفحات من قبل شخصيات مشبوهة أو لا تتمتع بمصداقية».
وتشير أيضا الى أن «هناك بعض المسؤولات عن الصفحات في تلك المواقع، يتفقن مع البائع أو البائعة على أخذ عمولة معينة عند إتمامهم للصفقة التجارية، وهذا يعد أسلوبا تجاريا جديدا في استغلال الفيس بوك لتحقيق الربح المادي».

آفاق واسعة

في الوقت الذي كانت فيه رياض تسجل إعجابها وتعلق لإحدى المشاركات في الموقع، تقول: «إن وجودي في مواقع التواصل الاجتماعي المستمر، فتح أمامي آفاقا عديدة ليس في بيع وشراء الأثاث فقط، بل أيضا بدأت أتابع المنتجات المختلفة من «اكسسوارات» وصناعة الحلويات والأكلات المختلفة، وبدأت أتعرف على نساء قمن بعمل «بازارات» مختلفة وعرضن فيها منتجاتهن ولاقت رواجا كبيرا».
وتعليقا على هذا الكلام يوضح رشيد: «ان مواقع التواصل الاجتماعي شجعت المستهلك العراقي على الشراء خصوصا وانها تلبي رغباته وأذواقه المختلفة ، وأتاحت الفرصة للاطلاع عن كثب على الصور المعروضة للمنتجات، فضلا عن التواصل بين المستهلكين وأصحاب البضاعة، وهذا ايضا أحد جوانب العولمة، ففي بلدان العالم المتطورة أصبحت السلع العالمية تعرض بسرعة كبيرة كالشقق والأراضي، ونطمح الى توسع العملية كأن تكون الصورة مصحوبة بسعرها وتفاصيلها الكاملة ولا يضطر المشتري للذهاب والاطلاع على السلعة «.
وتتفق معه بالرأي الدرويش، إذ تقول: «هناك الكثير من النساء لا يقمن بالبيع والشراء فقط وتغيير الأثاث باستمرار، بل أوجدن طريقة ووسيلة لكسب المعيشة، فضلا عن عرضهن لإبداعاتهن وأعمالهن اليدوية والمتميزة، وشهدنا الكثير من «البازارات» الخاصة بهؤلاء النسوة وكانت نتاجاتهن متميزة ومبتكرة».

مخرجات العولمة

يرى الباحث الاقتصادي علاء عكاب: «ان التجارة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، هي واحدة من مخرجات ونتائج العولمة التي قربت بين الجميع، واتخذت هذه التجارة شعارها من المنتج الى المستهلك، وهي بذلك أضرت الحلقات الوسطية مثل مكاتب الوساطة التي كانت سابقا تلعب دورا كبيرا في إتمام الصفقات التجارية خصوصا البيع والشراء، إذ لم يعد هناك وكيل يقدم خدمات للزبائن ويسهل البيع والشراء».
مبينا أن «التعامل الالكتروني هو أفضل بكثير من نظيره التقليدي، إذ بإمكان بطاقة الاعتماد أن تحل وتكمل عمليات البيع والشراء ووصول السلعة المرغوبة الى صاحبها، دون عناء أو جهد».

مهارة وفن

وتسترسل رياض بحديثها: «منذ أن دخلت الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي المهتمة ببيع الأثاث والمقتنيات المختلفة، والأجهزة الكهربائية حتى أتقنت فنون البيع والشراء، ففي السابق كنت أعتمد على زوجي في هذه الأمور، ولكن اليوم أنا قادرة على إدارة وإتمام البيع والشراء دون عناء، ففي تلك المواقع لا تعرض المقتنيات فقط بل تدور أحيانا حوارات بإمكانها أن تكون بمثابة دليل للمستهلك، إذ إن هناك أشخاصا كثرا لديهم خبرة ومهارة في إنجاز الصفقات التجارية».
تثني الدرويش على هذا الكلام قائلة: «المرأة سابقا كانت تهتم أكثر بالمصوغات الذهبية، ولكن مع التطور الذي حصل في البلاد والعالم بأجمعه، وسعت أفكارها أكثر وخرجت من النمط التقليدي، وهذا طبيعي نتيجة التطور والحداثة اللذين شهدهما المجتمع، ولكنها تحذر في الوقت نفسه من الإسراف والتبذير في هذه الصفقات التجارية خصوصا مع الأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد، لا بد أن يكون هناك حذر في التعاملات والإنفاق المالي لحين وضوح الرؤية أكثر».

تطويرالاقتصاد المنزلي

ويتفق معها بالرأي عكاب مبينا «ان الأزمة الاقتصادية بدأت تظهر ملامحها بشكل واضح، لذا هناك ضرورة للحذر من الإسراف، ولكنه في الوقت ذاته يشجع ما يعرف بالاقتصاد المنزلي، وهو عرض المنتجات والبضائع والسلع في مواقع شبكة الانترنت والتواصل الاجتماعي، ومن بين تلك المواقع «السوق المفتوح» الذي يشهد تداولات تجارية وربحية كبيرة».

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.