النخلة أنصفتها الشرائع وظلمها الإنسان

بغداد – يوسف المحمداوي
رائحة دخان الحرائق تزكم الأنوف، وللأسف دخان الفجيعة لم يصل ولن يحرك الضمائر على من تعلن أمام أعيننا انتحارها أو قتلها من قبل بعض مدمري الطبيعة وأمراء الذبح لكل ما هو نفيس وجميل فيها، فالشجرة المقدسة التي ذكرها القرآن الكريم في 26 موضعا، لم تعد لها في قلوبنا رحمة، ولم تعد تهز جذعها يد سيدتنا مريم ليتساقط عليها الرطب، وولينا الوجوه عن عمتنا التي أوصانا الرسول (ص) بإكرامها، لتصبح قلوبنا كقلوب من وصفهم كتاب الله «فترى القوم فيها صرعى، كأنهم اعجاز نخل خاوية». نعم خوّت الضمائر من الرأفة على تلك الشجرة المقدسة التي جعلت من ملوك سومر وأكد وبابل ينحنون إجلالا لها لكونها شجرة ديمومة الحياة الى الحد الذي ورد ذكر حقوقها في أول تشريع قانوني عرفته البشرية «مسلة حمورابي»
حرق البساتين بالسر

اليوم تجد عمتنا النخلة شأنها شأن ضحايا هذا الزمن الأبرياء حصتها من القتل أمام أعين الجميع دون رادع أو متابع يقول ارفعوا أيديكم عن حبيبة القرآن وفاتنة الحضارات وملهمة الشعراء، فالعراق وبأغلب مدنه الذي يعد الموطن الأصلي لتلك الشجرة حتى وصف ببلد النخيل، كان يتصدر دول العالم بأعدادها وبتصدير تمورها، اليوم نرى سلال نخيله خاوية خالية، بل ان الأدهى من ذلك هو أننا أصبحنا مستوردين لا مصدرين وذهبت الـ35 مليون نخلة في ارشيف الماضي، بل ان هناك عملية تفنن في طرق الإبادة التي تمارس على بساتين النخيل، سواء في بغداد أو بقية المحافظات التي تنتشر فيها، والى ذلك اتهمت جهات رسمية في محافظة كربلاء، بعض مزارعي النخيل بـ»حرق بساتينهم سرا، وبين مدير العلاقات والإعلام في مديرية زراعة كربلاء باهر غالي إن أعداد النخيل في المحافظة في تناقص مستمر بسبب استمرار عمليات تجريف البساتين وتراجع اهتمام المزارعين بزراعة النخيل، موضحا في تصريحات اعلامية أن عمليات التجريف مستمرة منذ 2003 ولم تنجح القرارات الصادرة عن الجهات الرسمية في منع هذه الظاهرة، مشيراً إلى أن بعض المزارعين يتحايلون على هذه القرارات فيقومون بحرق بساتينهم سرا وتسجيل الحادثة ضد مجهول لتسهل عليهم عملية بيع الأراضي الزراعية باعتبارها أراضي
جرداء.

أريدو وبداية الوجود

يقول المهندس الزراعي عبد الرحمن موسى: إن أقدم ما عرف عن النخيل كان في بابل التي يمتد عمرها الى نحو أربعة آلاف سنة قبل المسيح، فقد خلفت آثاراً لهذا الشجر في مواضع مختلفة منها، ولا يستبعد أن يكون النخل معروفاً ومألوفاً قبل ذلك التاريخ، فمدينة «أريدو» الواقعة على مسافة 12 ميلاً جنوب «أور» والتي تعتبر من مدن ما قبل الطوفان كانت قائمة في أوائل الالف الرابع قبل الميلاد، وقد ثبت كونها منطقة رئيسة لزراعة النخيل اذ كانت حينذاك على مشارف منطقة الاهوار، وكانت النخلة مقدسة عند السومرين والبابليين والآشوريين لأهميتها المعاشية والاقتصادية، ومما يثبت توغل وجود النخل في القدم بحنوب العراق كما يقول موسى: ان العلامة المسمارية التي كان يكتب فيها النخل بدأت في كتابات عصر فجر السلالات (3000-2400) ق.م، ثم انتشرت في العهود الأخرى، وفي إحدى الوثائق من عهد الملك «شوسن» من سلالة «أور» الثالثة (1978-1970) ق.م. اشارة الى بستان نخيل مزدهرة تقع في المنطقة الممتدة بين بلدتي «أوما» و»لگاش» وتعود الى معبد اله «اوما»، وقد قسمت البستان الى ثمانية أقسام حسب عمر النخلة ودرجة ثمارها، وكان انتاج البستان للتمر تقدر كميته بالكيلة لا بالوزن، وكان الاشوريون يقدسون أربعة شعارات دينية أحدها النخلة والثلاثة الباقية هي: المحراث والثور والشجرة المقدسة.

مسلة حمورابي وحمايتها

موسى الذي يملك بستانا مساحته عشرون دونما في قرية السعادة التابعة لمنطقة خان بني سعد، أكد لنا أن مسلة حمورابي هي أول وثيقة تشريعية لحماية النخيل وزراعتها، مبينا ان المادة (59) منها تنص على: تغريم من يقطع نخلة واحدة بنصف (من) من الفضة (أي نحو نصف ليرة)، مبينا ان هذه الغرامة مكلفة في ذلك العهد، وتنص المادة الستون من المسلة على أنه: إذا أعطى شخص أرضه لآخر ليغرسها بستاناً فليس له الحق في العوض لأربع سنين وفي السنة الخامسة يتقاضى نصف الناتج، موضحا ان جميع المقاولات التي تتناول البساتين أيام حمورابي تشير الى التمر، وان غرس البستان يعني غرس النخل، وان تحديد المدة بأربع سنين في تلك الشريعة مما يثبت على ان غرس النخل لا بد يجري بالفسيل لا بالنواة، لان النخلة النامية من النواة تستغرق اكثر من ست سنين حتى تثمر، وقد اختصت المادة الرابعة والستون والخامسة والستون في تلقيح النخل، فتنص الاولى على أنه إذا عهد مالك الى فلاح تلقيح نخيل بستانه والعناية بها فعليه ان يسلم ثلثي الحاصل الى صاحب البستان ويأخذ لنفسه الثلث، وأما المادة الخامسة والستون فتنص على أنه إذا أهمل الفلاح تلقيح النخل وسبب نقصا في الحاصل فعليه أن يؤدي إيجار البستان اسوة بالبساتين
المجاورة.

قيمتها الغذائية تفوق اللحوم

اليوم ونحن نشاهد ما يحصل بمنجم الفوائد والنفع للإنسان نحتاج الى ألف حمورابي ومليون مسلة للحفاظ على هذه الثروة التي كانت مصدر الحياة لحضارات وأمم عاشت على هذه الأرض، فهي لا تدخل فائدتها بثمرتها او تمرتها، بل انها كانت مصدرا لجميع مفردات الحياة التي تتطلبها العائلة باستثناء الحبوب كما يقول استاذ مادة العلوم علي
القيسي.
مبينا انه قد وجد أن كمية من التمر قد تضارع في قيمتها الغذائية ضعف قيمة اللحوم، والنخلة كل ما فيها نافع وليس التمر فقط: فتصنع من التمر العصائر والمربى والأيس كريم وأطعمة الأطفال كما يدخل في صناعة المشروبات بأنواعها وأوراق المناديل تصنع من جذع النخل وأوراقها، وتؤكد آخر الدراسات إمكانية تصنيع الخشب منه، تستخدم من تصنيع الآلات والأواني ويتخذ من خوصها الحصر والمكانس والمراوح ومن ليفها الحبال، ونواها يستخدم كعلف للحيوانات، وخشبها للسقوف، ناهيك عن دخولها في صناعة الأدوية بمختلف انواعها.

الفائدة العلمية للرطب

يبين لنا القيسي ان ذكرها في سورة مريم جاء للإعجاز العلمي والرباني الذي يقوم به الرطب اثناء ولادة سيدتنا مريم للسيد المسيح عليهما السلام حيث قال تعالى في كتابه الحكيم في سورة مريم «فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذعِ النَّخْلَةِ قَالَت يَا لَيتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكنت نَسياً مَّنسِيّاً (23) فَنَادَاهَا مِن تَحتِهَا أَلَّا تَحزَنِي قَد جَعَلَ رَبُّكِ تَحتَكِ سَرِيّاً (24) وَهزِّي إِلَيْكِ بِجِذعِ النخلَةِ تسَاقِط عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً (25) فَكلِي وَاشرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَدًا فَقولِي إِني نَذَرْت لِلرَّحمَٰنِ صَوْما فَلَن أكَلِمَ اليَوْمَ إِنسِيًّا».
فقد ثبت علميا كما يوضح القيسي وجود هرمون يسمى «البيتوسين» يقوي عضلات الرحم وينظم انقبضات العضلات، وأن الهرمون ينظم الطلق عند الولادة فيزيده إذا كان الطلق باردا، ويقلله إذا كان الطلق حاميا، كما أن هذا الهرمون يمنع النزيف عقب الولادة ويقي حمى النفاس، ومن خلال دراسة حول أثر التمر في المرأة أثناء المخاض، تبين الأبحاث المجراة على الرطب (ثمرة النخيل الناضجة) أنها تحوي مادة مقبضة للرحم، تقوي عمل عضلات الرحم في الأشهر الأخيرة من الحمل فتساعد على الولادة من جهة وتقلل كمية النزف الحاصل بعد الولادة من جهة أخرى بحسب
قوله.

الفقر شجع على البيع

لا يمكن أن نلقي باللوم على صاحب البستان فقط بشأن ما حدث ويحدث، فالحروب التي مر بها البلد ابان سلطة الانظمة الديكتاتورية وقلة الاهتمام والسياسة المائية الخاطئة أسهمت مساهمة فعالة بتدهور حال هذه الثروة لو امتلكها أي بلد آخر لكانت مصدر موازنته، وكنا في فترة سابقة التقينا اثناء زيارتنا الى محافظة المثنى بقائممقام قضاء الوركاء المعروفة بآثارها وبساتين نخيلها ليبين لنا احمد فضالة عبيس، ان اهم الاسباب التي اثرت في بساتين النخيل هي شح المياه، وبعض الفلاحين وجدوا في زراعة بعض المحاصيل المحمية أي المغطاة بالبلاستك بديلا عن زراعة النخيل، بحسب قوله والكثير من البساتين أهملت ودمرت بسبب قلة المياه، وبدأ الفلاح للأسف لا يهتم بالنخيل بقدر اهتمامه بقوته اليومي من خلال زراعة الباميا والطماطم وغيرها، وبعض البساتين بيعت كقطع أراضٍ سكنية، نعم لدينا قانون لحماية بساتين النخيل لكنه غير مفعّل كما يقول عبيس، ومتطلبات الحياة والعوز الذي يعيشه الفلاح يدفعانه أحيانا للتفريط ببستانه ونخيله، علما أن المثنى وبالتحديد الوركاء هي الأولى عالميا بمستوى الفقر وخاصة الأطراف منها، وهذا الأمر شجع على بيع البساتين مما سيولد ضررا كبيرا على ثروتنا الزراعية.

ماذا يقول الفلاح؟

الفلاح فهد كاظم، صاحب بستان، وهو يقوم بعمله بين النخيل يقول بأن الوضع يسير باتجاه مأساوي، وسبب ذلك كما يبين بأنه يعود لقلة المبيدات، قلة الامطار وشح المياه، الحشرات بدأت تنخر بنخيلنا ودائرة زراعة المثنى عاجزة عن دعم الفلاح سواء بالمبيدات أم الأسمدة، صاحب البستان الذي يغفو على ضفة الفرات بمساحة قدرها خمسون دونماً يوضح انه لتلك الاسباب اضطر لبيع أراض كثيرة من البستان للمواطنين كقطع سكنية».
مبينا انه مضطر إلى ذلك لان البستان لم يعد كما كان في السابق يسد احتياجات العائلة، ويوضح بان سعر القطعة التي مساحتها (200) متر مربع يصل أحيانا الى 60 مليون دينار.
تركنا كاظم ونحن نغني بمرارة «نخل السماوة يكول رايح بسفره.. سعف وكرب ظليت ما بيه تمره».

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.