«المعدان» و«البربرة» يجمعهم الهور ويفرّقهم الصيد

ميسان – يوسف المحمداوي
فتحت عيني على سوق الجديدة الملاصق للسوق الكبير (المسكف) وسط مدينة العمارة منذ منتصف ستينيات القرن الماضي،والتعرف عليه لم يأت عن طريق الصدفة،وانما جاء بحكم وجود بيتنا بالقرب من ذلك السوق الذي لايزال يحتفظ بهويته وسط منطقة الجديدة السكنية الى يومنا هذا،اتذكر جيدا وانا ارافق والدتي بالذهاب فجرا الى السوق، بأنها تتعمد الذهاب في ذلك الوقت المبكر لكونها كما كانت تقول (خل اروح من وكت كبل لا المعدان يروحون)،وحين رأيتهم وهم يفترشون ارضية السوق ببضاعتهم المتنوعة ما بين دجاج العرب والبيض والدهن الحر والحليب والاسماك والطيور،لم أفهم حينها مامعنى كلمة «معدان» ولماذا أطلقت عليهم هذه التسمية، وحين كانت تأتي العطلة المدرسية ونذهب الى الريف لزيارة الاقرباء، تتكرر على مسامعي تلك التسمية، فضلا عن وصف آخر لأناس أشد منهم سمرة يسمون بالبربرة، مابين المعدان والبربرة وحياتهم ومن هم؟وسبب التسمية واصولهم؟اسئلة كثيرة لعلي في استطلاع متواضع استطيع الرد بها واشباع فضول طفولتي التي لم تجد الجواب حينها.

أسباب التسمية

يطلق سكان المدن والأهوار معا تسمية (المعدان) على أصحاب الجاموس حيث كان ولايزال يستعمل هذا التعبير بكثير من الغموض، فسكان المدن في العراق يستعملونه في معان مختلفة للتدليل على سكان الأهوار عامة وبلا تمييز، ان كلمة (معيدي او معدان) تطلق على الذين يسكنون مناطق الأهوار ويعتنون بتربية الجاموس ويعتبرونها مهنتهم الأولى، إضافة لممارستهم صيد الطيور والأسماك وصناعة الحصران (البواري) كما يقول الكاتب حيدر شومان الصافي،.
مبينا ان هذه النعوت ماهي الا وصف لنوع من الحياة التي فرضتها ظروف الحاجة والبيئة التي يعيشون فيها، أي ان هذه التسمية ما هي إلا وصف لمهنة وليس عيبا من عيوب الجنس البشري، هذا ومن المعروف ان الجماعة المقصودة بكلمة (معيدي) او (معدان) ينتمون الى قبائل عربية معروفة النسب والحسب والجذور، وحضارة «المعدان» عرفها الانسان، حسب تقدير العلماء، لمدة الف عام. كانت هذه المنطقة تفيض بخير وفير يفي باحتياجات عرب الاهوار «المعدان»، وكانوا يستخدمون قصب المنطقة الشهير لبناء بيوتهم الطافية على مجاري المياه واليابسة والتي لا تغرق مع الفيضان، بل تطفو فوق مائه لتهبط ثانية بعد زواله.. ويؤكد العديد من الانثروبولوجيين ان «المعدان» بقايا السومريين ويستدلون على ذلك بان منطقة الاهوار كانت موطن السومريين، حيث مدن اكد واور، كذلك من وجود الادوات والعدد السومرية التي لا تزال مستخدمة عندهم، مثل «الفالة» و «المشحوف».

الدراسات والاصول

هذه البيوت والمضايف هي ذاتها التي سكن بها ابناء السلالات، والتي ما زالت مرسومة على الكثير من الالواح والمسلات ، وقد اظهرت تنقيبات اور الكبرى، التي قام بها العلامة ليوناردو وولي لصالح جامعة بنسلفانيا الاميركية الكثير من الشواهد المرسومة، ومنها ما كشفه في التنقيب بالطبقات العميقة عن المكان الثري،ان اور كانت في يوم ما مدينة على ساحل مائي ضخم، كما اكد كلامه السير ماكس مالوان الذي رافق وولي في رحلة التنقيب في كتابه «ماكس مالوان»،وفي احدى محاضراته تحدث مالوان مبيناً ان الاصول السومرية والبابلية والاكدية ما زالت باقية عند اجناس من البشر هم اليوم سكان الاهوار ويطلقون عليهم لقب «المعدان»، وهناك عدة رؤى وافتراضات لاصول تلك الشريحة الاصيلة من الناس تعيدهم الى العصور الحضارية الاولى، ومهما تعددت اماكن تواجدهم، فان اصولهم باقية تحوم في ذات المكان اي اراضي بلاد الرافدين،وعالم الأنثروبولجيا هايردال ذكر في كتابه ( حملة دجلة ..البحث عن البداية)، « لقد عشت مع أُناس بدائيين في بولونيزا و أميركا و أفريقيا، و لكن عرب الأهوار ليسوا بدائيين بأي صورة من الصور ، انهم متحضرون و لكن بطريقة تختلف عنا . ليست لديهم تكنولوجيا التحكم عن بعد، ولكنهم اختاروا اقصر طرق المتعة ومن مصادرها مباشرة، وقد أثبتت حضارتهم إنها قابلة للحياة
والاستمرار .

العصر العباسي والتسمية

الدكتور خزعل الماجدي في احدى محاضراته يبين ان «المعدان» ومفردها معيدي وهو الاسم الذي يعرفون به في اللهجة العراقية هم مجموعة سكانية موطنها الأصلي منطقة أهوار جنوب العراق. يشكل المعدان غالبية كبيرة من سكان الأهوار، لكنهم ليسوا كل سكان الأهوار، نسبتهم في الأهوار الشرقية أكبر من الأهوار الغربية، يتميز المعدان بتربيتهم الجواميس واعتمادهم على صيد الأسماك كمصدر للرزق، ويذكر ان «المعدان» كانوا يسمونهم في العصر العباسي بقبائل المعادي كما يقول الماجدي، ويوجد مثل شائع يقول (أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه) ويرى الباحثون أنه أطلق أولاً على طائر ذي صوت جميل وشكل بشع اسمه المعيدي ومن ثم شمل المعدان، قسراً، بسبب تشابه الاسمين، وقد أثبتت التحليلات الجينية (حامض دي. أن. أي) محلية المعدان وعلاقتهم بالعرب وسكان العراق القدماء والسومريين بشكل خاص، وعدم نزوحهم من مكان آخر كما يشيع البعض، ويبلغ عددهم نحو نصف مليون منهم الآن سوى 85 الفا في العراق والباقي في الاحواز وهم من العرب ويسمونهم الأجانب بمصطلح (عرب الأهوار).

من هم البربرة ؟

للأمانة أقولها لم أجد فرقا بين المدعو«مجو البربري» وهو صياد سمك معروف على مستوى ناحية العدل التابعة لقضاء المجر،وبين (زاير حسين المعيدي) فكلاهما يحمل تلك السمرة السومرية،والبناء الجسماني الذي يحيلنا الى ابطال رياضة كمال الاجسام بعضلاتهم المفتولة،والصوت الذي يخرج من اقدامهم اثناء المشي، فما السبب في هذه التسميات، لاسيما ان كلاهما يعودان الى عشائر واصول عربية ،والاثنان يمارسان مهنة صيد الاسماك ،لكن الدكتور جمال حسين علي في بحثه المعنون»الاهوار»وضع النقاط على الحروف كما يقال حين قال ينقسم الأهواريون في طريقة صيد الأسماك إلى نوعين: المعدان الذين يصيدون بالفالات والبربرة الذين يستخدمون الشباك ، والمعدان يأكلون السمك ويستنكفون من
بيعه.
كما أنهم لا يبيعون لبن الجواميس ولا يمارسون التجارة، بينما البربرة يأكلونه ويبيعونه، هذه المستويات الاجتماعية حين كان المعدان يضعون البربرة في سلم أدنى منهم كمزارعي الخضار ومرقعي النعل والحدادين والحائكين والصابئة الذين كانوا يمتهنون الحرف اليدوية المختلفة وإن اشتهروا بالصياغة، الأهواريون بعد المحن كما يوضح البحث، أصبحوا متساوين إلى حد كبير واختلطوا وتزاوجوا وامتزجت دماؤهم ولا أحد يشمر عن نفسه ويعتبر نفسه أفضل فيما الآخرون أدنى. فقد ظهر جيل أكثر «اشتراكية» من الصارمين بتقاليد القرون
السالفة.

الصيد بـ»الفالة» او الشبكة

مسألة الصيد بالفالة أو الشباك لها مبرراتها كما يقول الباحث، فالمعيدي الأصلي يرى أنه يصيد السمك بذراعه وشكيمته وشطارته بالفالة ويقتنص الطير بالبندقية، بينما الآخرون، الذين لا يحترمهم جدا، يصيدون الاثنين بمعونة خداع الشبكة، لم يكن أي منهم يضرب الصفائح طوال اليوم محدثة جلبة لكي يوجه السمك نحو شباكه حسب طريقة صيد يسمونها «السواحل» يسيجون فيها منطقة معينة بقماش يبدأ بعدها الطرق على الصفائح لتجميعها في المصيدة، والفرق ان المعدان يصيدون وهم واقفون، بينما الصيد جلوسا يعدونه معيبا فيما ينيرون المشاعل لاستثارة السمك في الليل ولا يطبلون على الصفائح لتوجيهها للشباك كغيرهم، الصيد بالليل بطريقة «السراج والفالة» حيث ينصبون الفوانيس أو المشاعل أو «اللوكسات» (التريك) في حيزوم الزورق لإنارة منطقة شاسعة في الماء وجذب الأسماك إلى الضوء وحينها يقف الصياد على «دواسة«الزورق (مقدمته) والانقضاض عليها بالفالة وهي عصا من الخيزران الغليظ يصل طولها إلى أربعة أمتار نهايتها مدببة بثلاثة رؤوس حديدية تشبه نهايات النبال، وبضربة واحدة يمكنهم التقاط السمك، خاصة الثمين منه كالقطان والبني.
ويمكن استخدام الفالة بطريقة صيد «الدك» المعروفة بالمناطق الخابطة التي لا يمكن رؤية الأسماك فيها، بضرب الفالة عشوائيا بالمياه لحين التقاط السمكة بواسطة أشواكها المسننة.

قارئ سر الموجة

أن تكون صيادا سواء من المعدان أو البربرة فهو أمر بالتأكيد يحتاج الى معايشة ولهفة وشغف لتعلم المهنة، والصبر على معاناة الصيد الذي تعوده الصياد،ومن ثم مع مرور الزمن تصبح صيادا شأنك شأن الآخرين ،لكن ان تعرف نوعية السمكة قبل صيدها اورؤيتها، فهذا أمر يعد من المستحيلات والصعب ادراكه ،الا اذا كانت بحوزتك اجهزة كشف متطورة وكاميرات مائية لرؤية تلك الكائنات،لكن الصياد «ساطور آل حول» كما يقول الدكتور جمال حسين علي بأنه يعرف نوع السمكة من حركة الأمواج وعلى حد قوله «السمكة بزبـّادها»،فأية جامعة تظفر بمثل هذا الفتى وأي فقه ينير وهج الطبيعة ومسالكها، قارئ سر الموجة وزعانف السمكة فيما كانت تضربها على الجانب وتحرك الأمواج فستكون شبوطا وإن انحرفت ضد التيار وتلوت أصابع الموجة فهي بنيـّة وإن دارت حول نفسها مرات قبل أن تقرر فتح ثغرة بالموج لتغطس فهي حمرية.
وان تكاسلت واستمرت باضطرابها فهي «صبرة» لائذة عند جارتها ،ولو شوهدت دوامة كبرغش الريح فهذا تجمع لزوري على قندس ميت، ولو رميت البذار وربيان مطليا بالعجين وظل الموج ساكنا فان «شانكا» كبيرا يخيف الأخريات من الاقتراب، ولو صدحت الموجة ضد تيارها فان كبير «الشلج»يلبط برؤيته صبايا السمكات. كل حلقة للأمواج هنا تفي بشروطها ولكل شيء سبب في التتابع والاحتمال والحال والمحال وفي التدبير العجيب للرحابة والاختلاج، فلا منافسة ولا شحنات زائدة طالما الخير وفير، مخلوقات مملكة الماء هنا متساوية في الحقوق ومتآزرة ومتشاركة ويفهم بعضهما بعضا، فكما يعرفهن «ساطور آل حول»من حركة الأمواج،فالسمكة تعرفه وتدرك حركاته كما يقول هذا الصياد
العالم.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.