المدينة التي لا يعرفها البغداديون

يدرك سكان بغداد أنهم يواجهون مدينة مختلفة بأمكنة تتغير عليهم كل يوم. وصار من الدارج بينهم القول، “بغداد لم تعد تلك التي نعرفها”.
ثمة عوامل مختلفة أسهمت في نقل المدينة إلى هوية جديدة، لكنها غير واضحة تطغى عليها الفوضى، وتحولات المجتمع وظروف قاسية، ليس أقلها الأمن المضطرب وتعقيدات اجتماعية فرضت نفسها بعد العام ٢٠٠٣.
يمكن حصر الكثير من أسباب تغير المكان، بدءاً من أزمة السكن التي بدلت وجوه الأزقة القديمة والحارات الشعبية، وليس انتهاءً بظهور مصالح مالية ضخمة فرضت شروطاً قاسية على توزيع المباني التجارية. لكن، علاقة البغداديين بالمكان تصاب يومياً بالضرر، من جراء تفاصيل صغيرة قد يكون من بينها قطعة ألمنيوم ملون، أو ذكرى قريبة عن مفخخة قتلت ظل شجرة، وسط بغداد.

كوبوند.. التشوه بألوان زاهية
“للوهلة الأولى، لم أعثر على محل بيع مكائن الخياطة، الذي اعتدت على التبضع منه لسنوات طوال.. لذا اضطررت للسؤال عنه كثيراَ حتى وجدته، ولم يكن كما عرفته.. في الحقيقة لم يكن هو المحل نفسه”.
سهير عادل (٦٢ سنة)، اعتادت في السنوات التي سبقت ٢٠٠٣، زيارة شارع الرشيد، حيث كانت تدير معملاَ للخياطة في مدينتها البصرة، زارته أخيراَ لكنها لم تميز معالمه.
تقول إن ”محل (ابو فارس) كان كبيراً، بوابته الواسعة مزينة بقطعة خشبية كتب عليها اسمه، مع رقم الهاتف الارضي الذي احتفظت به لسنوات مدوناً في دفتر القياسات, في داخل المحل كانت الرفوف الخشبية الكثيرة مليئة بكل مستلزمات الخياطة بطريقة أنيقة؛ أشرطة، أزرار، قطع غيار لكافة انواع المكائن”.
لكن سهير لم تجد، اليوم، بعد غياب السنوات محل ابي فارس مثلما كان، بل اقتطعت منه مساحة لإنشاء محل لبيع المواد الغذائية. تقول، “لم أعهد شارع الرشيد بمحال للإسمنت!”
المحل الجديد، كما وصفته السيدة البصرية، التي تجد صعوبات في التعرف على بغداد، جرى تغليفه بمادة الكوبوند الملون، وما تبقى كان بمثابة محل صغير لبيع مستلزمات الخياطة، من دون أية اشارة لاسم صاحب المكان”.
والكوبوند مادة تستعمل لتغليف الواجهات تتميز بألوانها المتعددة، في حين أن الأحمر منها هو الأكثر شيوعا، فضلاً عن ألوان أخرى مثل الاصفر والابيض والذهبي والازرق والزجاجي، أو ما يسمى بالمرايا.
يقول أصحاب محال تجارية وفنادق إن من مميزات هذه الألوان انها لا تتأثر بالظروف الجوية، التي من شأنها أن تغير درجة اللون مع مرور الوقت بسبب التأثر بعوامل الحرارة أو البرد.
لكن هذه الميزة ليست كافية لعين سيدة مثل سهير عادل لتقول إنها تعرفت على بغداد، أو أنها لم تته في أهم شارع فيها.
المطاعم لها الحصة الاكبر من هذه المادة من حيث الاستخدام، خصوصاَ الشعبية منها، حيث وفرت هذه المادة خاصية سهولة التنظيف والإعلان عن المحل بـ”ألوان زاهية”.
عدي حميد (٣٣ عاماً)، صاحب مطعم في بغداد، قام باستخدام مادة الكوبوند في تغليف واجهة مطعمه الصغير الذي يتوسط شارعاَ يكتظ بالبنايات القديمة، وقد عمد الى تصميمه بهيئة مجسم على شكل نخلة باللون الاخضر تستند على خلفية باللون الاصفر، وهي ترتفع على بوابة زجاجية.
وبحسب مختصين في العمران وإنشاء المباني، فإن هذه الاشكال مثل المقوس والعادي والمنحني وباقي التصاميم الهندسية، هي المسؤولة عن تحديد سعر المتر، حيث تضاف درجة المجهود باختلاف الشكل، فالعادي ليس كالشكل الهندسي الآخر. حيث يتراوح سعر المتر ما بين (65 ـ 75)% مع تكاليف العمل.
وقد بات المارة يميزون مكان المطعم بسهولة نظراَ لاختلافه الواضح عن بقية البنايات بفعل ألوانه البراقة، فضلاً عن تصميمه المختلف، ومن دون شك ليس لأنه يشكل معلماً بغدادياً يتسق وهوية المكان.
يقول عدي حميد إن “أحد اهم الاسباب التي دفعته لاستخدام مادة الكوبوند في تغليف واجهة مطعمه، أنها تمنح المكان ،برأيه، قيمة جمالية وتمنح عاملاَ مهماَ لجذب الزبائن”.
لكنه يستغرب “الانتقادات التي تتحدث عن اثر هذه المادة في تشويه وجه العاصمة”.
مادة الكوبوند مصنوعة في الاساس من الألمنيوم المطلي بالعازل، يقوم تجار عراقيون باستيرادها من تركيا والصين وبعض دول الخليج، فضلاً عن إيران.
وفي عام ٢٠١٣، وجهت امانة بغداد دوائرها البلدية المنتشرة في عموم مناطق العاصمة بغداد بمتابعة ومنع تغليف المباني المطلة على الشوارع العامة بمادة الكوبوند حفاظاً على جمالية مدينة بغداد وتجنب المساس بمعالمها الحضارية وطرازها المعماري.
وعلى الرغم من مرور سنتين على قرار المنع الذي جاء حينها على لسان أمين العاصمة عبد الحسين المرشدي، الا ان الظاهرة لا زالت مستمرة، وقد طالت حتى واجهات المباني الحكومية والدوائر الرسمية.
ولجأت دوائر حكومية في العاصمة بغداد، إلى استعمال المادة ذاتها لتغليف واجهات مقارها وأبنيتها، بما في ذلك مؤسسات كبيرة تابعة لوزارات الدولة.
يقول جاسم موحان، نائب محافظ بغداد، في تصريح إلى “المدى”، إن “تغليف البنايات في العاصمة لم يعد مقتصراً على المنشآت الخاصة، كالمحال والمجمعات التجارية، بل وصل إلى اعتماده من قبل دوائر رسمية تابعة للدولة”.
وتابع: “أخيراً، اعتمدت دوائر رسمية ،من بينها المرور العامة، تغليف مقراتها بمادة الكوبوند باللون الأزرق والأبيض في مشروع بناية جديدة قيد الإنشاء, وقد أبلغناهم ان استعمال هذه المادة يشوّه المدينة ولا يجوز أن تصل هذه العدوى إلى دوائر الدولة”.
وأضاف موحان أن “أمانة بغداد حظرت استعمال الكوبوند قبل نحو عامين، لكن المادة لا تزال تستعمل على نطاق واسع في بغداد”.
ويبدو أنه من الصعب أن تحظى العاصمة بغداد بإجراءات حاسمة لوقف أية أعمال تغير شكل المدينة، نظراً لتداخل حاد في الصلاحيات بين مؤسسات حكومية مسؤولة عن إدارة الخدمات في العاصمة.
وبحسب نائب المحافظ، فإن لجنة الخدمات في المحافظة تنسق مع أمانة بغداد بشأن ملف الكوبوند، لكن يبدو أن صعوبات كبيرة تواجه الطرفين للحد من انتشار هذه المادة التي ستجعل بغداد على المدى المنظور كما لو أنها مدينة من الألمنيوم الرخيص.
وزاد موحان بالقول: “المادة رخيصة وسهلة التركيب، لذلك يلجأ إليها المهندسون وأصحاب المنازل والمحال والفنادق”.
وأشار موحان إلى ان الحكومة المحلية تواجه مشكلات قانونية من جهة صلاحيتها بالمقارنة مع أمانة بغداد، حيث ان الأخيرة مسؤولة عن الحدود البلدية، وهي بطبيعة الحال مناطق مركز العاصمة”.
الإرهاب .. يغيّر المكان
السكان في العاصمة يقررون نظرتهم لأي مكان فيها، بحسب ذكرياتهم أو مشاعرهم تجاه مكان كادوا أن يفقدوا حياتهم فيه، أو أنهم اضطروا إلى كنس رابطهم الحسي مع المكان، في اللحظة التي يفتح فيها رجل الدفاع المدني خرطوم المياه على بركة دماء بعد دقائق من تفجير مفخخة أو عبوة. وهذا ما حدث في مقهى ابو زهراء/ ارخيتة حين اصابه تفجير ارهابي راح ضحيته العشرات بين جرحى وشهداء.
ليس من السهل نسيان كيف رفع الناس جثث الضحايا، وأنقاض المكان، وكيف نظفوا الرصيف من أثر الموت، وكيف جاء عمال البناء ليرمموا الفاجعة.
مقهى (ابو زهراء)، الذي اعتاد على ارتياده مثقفون وصحفيون وأدباء وفنانون، إلى جانب شباب من منطقة الكرادة، اذ يكتظ بالزبائن وقت المساء، فموقعه على الرصيف وتحت شجرة “يوكالبتوس” يجذب المارة.
المقهى تقليدي وبسيط للغاية، لكنه مكان أليف للناس، ومحبب إليهم، حتى شِجارات النخبة في شؤون السياسة لم تكن سوى واحدة من أسرار جمال هذا المكان. صار الناس الذي يمرون بـ”رخيته”، لا يتذكرون “أبو زهراء” إلا بتفجير مكانه القديم، الذي تجدد بالبارود وطيف أسود عن بغداديين قضوا هنا، بين طاولات الشاي والأراكيل.
قصة التحول في مقهى “أبو زهراء” قريبة زمنياً، لكنها تشكل امتدادا لقافلة أمكنة رحلت مع ضحايا العنف في بغداد.
“سوق شلال” ، وقبل أن تختاره العجلات المفخخة كان مكانا يتشكل من دون اغتراب، فالناس يضعون اشياءهم كما تملي عليهم غريزة الحياة، منها التبضع وعرض الحاجيات، وكان مشهد الطابور الطويل من بسطيات الرصيف، ومن خلفها مصابيح المحال التي تجعل “شلال” حياً بألوان طبيعية. في آذار ٢٠٠٧، دخل انتحاري سوق منطقة الشعب، فجر نفسه وقت الذروة فقتل وأصاب المئات. استغرق ذهول السكان أياماً وهم يشاهدون حطام أبواب محالهم، وألواح الخشب المتفحمة التي كان الباعة يستعملونها لعرض بضائعهم. توقف الذهول حين اختفى السوق خلف جدار طويل من الكونكريت، وصار عليك أن تجد فجوةً لترى مصابيح المحال, وصار على المارة أن يقطعوا المسافة نحو الوجهة المحددة سيراَ على الاقدام بالاضافة لعبورهم منطقة الأسلاك الشائكة ونقاط التفتيش أولاَ.
هي عيّنة بسيطة وتمثل واحدة من عشرات الاماكن التي ما عاد البغداديون يميزون نكهتها، بسبب كثرة التغييرات التي طرأت على روحية المكان، وضياع الهوية بين بقايا تفجير ما، او الوان هجينة، او اجراءات امان غيبت التأثير الاصل، حتى بات الناس لا يعرفون بغداد التي كانوا يعرفونها.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.