الفن في العراق: «بغداد تنهض..»

جين عرّاف / ترجمة- مي اسماعيل
يسعى العديد من الفنانين العراقيين لاستعادة مكانة هذه الدولة العريقة في عالم الفن المعاصر. هناك مثلاً “حسين عادل”؛ طالب الفنون المكافح، الذي تُذكرهُ أصوات السيارات خارج شباكه دائماً أنهُ يعيش حلمه. يقول “حسين” وهو يفترش الأرض محاطاً بأعماله: “بغداد هي المكان الذي يحدث فيه كل شيء؛ إنها مثل نيويورك”. كان “حسين” في الخامسة عشرة عندما أحضرهُ والده (الذي حلم هو أيضاً بدراسة الفن) من الناصرية للدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد. وبعد شهرين غادره قائلاً: “يمكنك العناية بنفسك خيراً مما أفعل، ولو بقيتُ معك فلن تصبح رجلاً”. صار الشاب النحيل الآن في العشرين، وفي سنته الأخيرة بالأكاديمية. ولكي يسدد نفقاته، يبيع “حسين” رسوماً كاريكتيرية الى الجرائد، بسعر 15 دولارا للوحة. ويرسم لوحاتٍ لشخصياتٍ إجتماعية وسياسية، مثل: “أنشتاين” مرتدياً وردة منقطة في شعره، الممثل الكوميدي “مستر بين” ونظرته الشريرة، “ألفيس بريسلي” (وصفه “حسين” بالمغني الأميركي الشهير الذي لا يذكر إسمه!).

حياة في شوارع خطرة
لا يكاد “حسين” يتذكر عراق ما قبل الحرب، الذي عاش معزولاً عن العالم لسنوات. لكنه اليوم نتاج مجتمعٍ عراقي ذي جذورٍ ضاربة في الفن، ومن شباب الانترنت. ورغم شحة موارده المالية فقد عرض نتاجه الفني عبر معارض الانترنت التي نظمها فنانون في اسبانيا ومصر وقطر. ينتج “حسين” بعض أعماله رقمياً؛ عبر برنامج غير مُرخّص تجارياً، إشتراهُ بخمسين دولاراً. حلمه الكبير أن يُنتج أفلاماً للصور المتحركة: “تعلمتُ الأساسيات في الأكاديمية، لكن أغلب ما أعرفهُ جاء من “يوتيوب”. وكان بحاجة أيضاً لأن يتعلم فن البقاء في شوارع خطرة. ولضيق ذات اليد إضطر لتبديل السكن مرةً بعد أخرى، الى مناطق ينحدر ترتيبها الاجتماعي بإستمرار، حتى سكن في منطقة صناعية بالعاصمة، بمشاركة شاعر وكاتب: “كانت منطقة خطرة أحياناً، لكن الإيجار رخيص، جرت معارك مع الجنود الأميركان؛ كأننا نعيش فيلماً حربياً، ولم أُخبر أهلي أبداً بما يدور، وإضطررتُ أحياناً للإنتقال كل شهر، لكنني أذكّر نفسي دائماً لماذا جئتُ الى بغداد وما هي خططي المستقبلية، ولو بقيتُ فيها فلن أتعلم؛ أتمنى أن أدرس خارج العراق ثم أعود لأُساعد آخرين مثلي ليتعلموا، فالعراق يمر بمرحلةٍ صعبة، لكنه ما زال ينبض بالحياة”. فمنذ نحو الألف سنة، كانت بغداد مركز العالم الاسلامي الواسع؛ مدينةً تضم أقدم جامعات العالم وفيها كتب الشعراء والأُدباء أعمالا تخطّت القرون. وفي تاريخها الحديث، حصدت بغداد مكاسب فنٍ موّلهُ القطاع العام. كانت بغداد رائدة بالنحت التشخيصي الحديث والمعاصر. فعلى ضفة دجلة، يقف تمثال شهرزاد العملاق وهي تنسج قصصها أمام الملك شهريار؛ للنحات الراحل “محمد غني حكمت”. الذي إستلهم من “ألف ليلة وليلة” أعمالاً أُخرى تزين الساحات والحدائق.
في ساحة التحرير وسط العاصمة؛ يُجسّد “نصب الحرية” لـلفنان “جواد سليم” ذكرى ثورة 1958، وتأثير دراسة الفن (الممولة من الدولة) في أوروبا. وامام كل المباني الحكومية تقريباً يوجد عمل فني لأحد الفنانين العراقيين الكبار، تم نصبه قبل 2003 بعقودٍ. أما الآن، فقد خفّت القيود على الأعمال الفنية، لكن الدعم أيضاً بات أقل. ومع تزايد التيار المحافظ المجتمعي وهجرة الطبقة الوسطى، إنكمش سوق الفن ونضب الدعم الحكومي، فدفع هذا مئات الفنانين العراقيين لمغادرة العراق، تاركين خلفهم زملاء تتزايد عزلتهم يومياً.
يعمل الفنان “عقيل خورشيد” في شقته ببغداد، وتدور تخطيطاته المعقدة حول القصص الدينية وأبطال الملاحم القديمة. تمتلئ أغلب لوحاته بأبطالٍ أقوياء يخوضون معارك تدور في عصورٍ بعيدة. لكن الواقع يظهر أنه لا يزال يصارع تأثيرات الشلل الذي أصابهُ منذ الطفولة، ويتحرك بصعوبة داخل شقته. يركّز مشروعه الأكبر على تجسيد ملحمة شهادة الامام الحسين(ع) في كربلاء؛ الذي بدأ منذ سنتين وأنتج سبعين لوحة. يعمل “خورشيد” في دار الأزياء التابعة لوزارة الثقافة العراقية، ويصمم أزياء وملابس شبه خيالية. لكن بيته يعايش مملكة الفن مع أقلامه وألوانه: “أخذتُ إجازة من العمل وأغلقت بابي وفرشتُ لوحاتي وبدأتُ العمل. أشعر أنني في مملكتي، ولدي أحلام كبيرة، لكن أحداً لن يقبلها. أحلمُ أن تصير إحدى رسوماتي نُصُباً في بغداد؛ وأن أُكمل دراسة الماجستير خارج البلاد، لكن الأحوال لا تسمح بذلك”.

جمال خفي
تسعى مؤسسة “رؤيا” (غير الحكومية للثقافة المعاصرة في العراق، التي تنظّم مشاركة العراق في “بينالي فينيسيا” وترأسها “تمارا الجلبي”) لزيادة التعريف بالفنانين العراقيين، وتحتفظ بقاعدة بيانات متزايدة عن التشكيليين والموسيقيين والمصورين والممثلين، داخل وخارج العراق. وتسعى لتطوير المواهب وتعريض أصحابها لتأثيرات فنية جديدة. تقول “فرات الجميل”؛ مديرة مكتب بغداد للمؤسسة، وهي فنانة وصانعة أفلام: “يمتلك بعض الفنانين العراقيين مواهب فائقة، ولديهم تقنياتٍ وإمكاناتٍ قوية. لكن أغلبهم ما زال ملتصقاً بفكرة إنتاج فن يُسعِد المتلقي، ولا يعبّر عن مشاعرهم وأفكارهم. لقد تعلّم أكثرهم خلال سنواتٍ قيل لهم فيها ما يجب أن يُنتجوا، وما لا يجب إنتاجه، وأغلب الأعمال الفنية ممتازة، لكنها تفتقر للروح”.
موضوع الجناح العراقي في “بينالي فينيسيا” 2015: “الجمال الخفي- Invisible Beauty”. شاركت “فرات” في جناح العام الماضي، الذي زاره 82 ألف شخص، بأحد أعمالها: “وعاء العسل”؛ حيث يُقطّر العسل من إطار خلية معلّقة في غصن شجرة، ليستقر في وعاءٍ مكسور، لإستحضار الحزن الذي صاحب أحداث العراق. تقول: “شعر المشاهدون بالفضول تجاه الفن والثقافة في العراق؛ فقبل زيارتهم للجناح لم يعرفوا عن العراق سوى الحرب والعنف”.
ورغم رغبة “خورشيد” بإبعاد نفسه، لكن العنف موضوعٌ يظهر كثيراً في الفن العراقي. إختارت “رؤيا” هذا العام موضوعاً لــلفنان “حيدر جبار” (المقيم في تركيا) عن الرؤوس المقطوعة. وهناك فيلم لـ”فرات الجميل” حول رجل يُقلّم النخيل متحركاً بإيقاعٍ بطيء حتى يصير صوت ضربات سكين النخيل كضربات القلب. وقد قُتل الرجل بالرصاص بعد أيامٍ من تصويرها له في حديقة دارها ببغداد. وهي ألمانية المولد، وتعيش اليوم وتعمل في بغداد، وتصف عملها قائلة: “لكي ننجو وسط ظروف مدمرة، علينا أن نخلق اعمالاً فنية تمثل نزعتنا الداخلية المحبة للحياة. تركز أغلب أعمالي الفنية على إعادة التأهيل والبناء، والعودة للحياة دون الاستسلام للدمار الفظيع.. إنه مجرد لحظة عابرة في تاريخ العراق؛ فلماذا نستسلم لتلك اللحظة؟”
يدور أحد أفلام “فرات” القصيرة للصور المتحركة “ليل بغداد” عن شخصية “السعلاة” (التي تشبه الساحرة) من الموروث الشعبي. وهو إنتاج عراقي بحت؛ يبدأ بصعود إمرأة جميلة الى سيارة أجرة في طريقها الى المقبرة. تقول “فرات”: “لا أُريد أن يضيع تراثنا المادي والمعنوي؛ لذا- عندما اتحدث عن “السعلاة” وأضعها ضمن الفن فأنا أجلب التاريخ الى اللحظة الحاضرة، وأحمله الى المستقبل.. لأن الفن يعيش في النهاية، حتى بعد أن نموت”.

فن لا يُقهَر
لقد أثبت الفن العراقي أنهُ لا يُقهَر؛ فقد دأب الفنانون على الاجتماع في المقهى المجاور لمعرض “قاسم سبتي” الفني: “حوار”؛ عبر كل ظروف الحصار الاقتصادي الخانقة طيلة التسعينات، والتغيرات المتعاقبة في العقد التالي. وضمّت مجموعة من أعماله بعد الحرب عدداً من أغلفة وأجزاء الكتب التي نجت من الحرق والاتلاف خلال أحداث 2003.
يجتمع الفنانون صباح كل جمعة قرب سوق الكتب الشهير في شارع المتنبي؛ قرب باحة القشلة، المبنى العثماني الذي تمت صيانته وإفتتاحه منذ عامين، فصار واحةً للشعراء والتشكيليين والموسيقيين والمحتجين. هناك يلتقط المارة صوراً مع برج الساعة، ويرسم الأطفال بالأقلام الملونة. وعلى مقربة، وضعت منصة تذكارية مؤقتة، أوقِدَت عليها الشموع، تأبيناً لفنانٍ توفي قريباً.. كان “جاسم أبو دعاء” نحاتاً متقاعداً إعتاد رسم صورٍ شخصية للراغبين كل جمعة، بلا مقابل. ويقول عنهُ أحد الأصدقاء: “لقد مات وهو يرسم”. يعرض بينالي فينيسيا هذا العام أعمال شيخ المصورين الفوتوغرافيين: “لطيف العاني” (83 سنة)، الذي بدأ العمل منذ الخمسينات، الحقبة الذهبية للعراق حسب رأي الكثيرين. تقول “تمارا الجلبي”: “العاني فنان كبير منسي؛ لم يتردد إسمه منذ سنين عديدة، لكن إرشيفه يحوي تحفاً مختبئة”. مطلع الخمسينات، وحينما تطورت الصناعة النفطية العراقية؛ تم تعيين “العاني” في شركة النفط العراقية، وعمل مع مصورين بريطانيين. فجاب أرجاء العراق من الشمال للجنوب، وإلتقط صوراً (لمجلة الشركة) صارت أيقوناتٍ فنية. ومنها- المرأة التي تحصد القمح؛ التي ظهرت على ورقة (25) ألف دينار النقدية.

صور تقاوم الاحزان
يقول المصور الشيخ: “كان العراق آنذاك بلداً متطوراً، وكنا نلمس التقدم في كل مكان”. وعندما لم يكن هناك مطار في دول الخليج، كان المصوّر يسافر بالطائرة من البصرة عبر رحلات تصوير جوية، بالطائرات الخفيفة والمروحية. وبعد تأميم النفط، إنتقل “العاني” للعمل مع وزارة الثقافة؛ التي أصدرت مجلة ثقافية بأربع لغات، ثم الى وكالة الأنباء العراقية الحكومية. وتوقف “العاني” عن العمل بالتصوير الفوتوغرافي عام 1963، لكنه ساهم بتدريب أجيال جديدة من المصورين. وأثناء العمليات العسكرية سنة 2003 وما تلاها من أحداث، فُقِدَت نحو نصف مليون صورة فوتوغرافية تاريخية من إرشيف وزارة الثقافة. وسعى “العاني” لنقل أجزاء من إرشيفه الى بيروت، لكنه فقد الكثير منه، وصوره توثق تاريخاً إجتماعياً لعراقٍ ذي تفاصيل مُبهِرة؛ نساء بملابس حديثة يشترين قلائد اللؤلؤ، وزيارة الوفود العالمية لمدينة بابل.. بدا كل شيء جديداً وعصرياً، في زمنٍ يقول عنه المصور: “كانت تلك أيام الوفرة”. لكن ظروف “ذلك” العراق تغيرت.. فقد قُتِل أحد أبناء “العاني” سنة 2007 بعبوة ناسفة، ومات ولده الآخر بسبب حريق لمولدة الكهرباء. يقول الشيخ؛ وهو ينظر لصورة زوجته (التي توفيت منذ أربعة عقود) أثناء سفرة الى مزار ديني شمال بغداد: “الحياة تحوي كل شيء، الحزن والكوارث والسعادة. لكنني بحثتُ دوماً عن صور تجعل الناس سعداء”.
صحيفة الاوبزرفر البريطانية

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.