الفارةتهدر ماء الشرب على غسل السيارات

بغداد- بشير خزعل
مياه غزيرة تدفعها (فارة) حمودي الصبي، فهو مازال في سن الثانية عشرة ، ويقضي اوقات الظهيرة في غسل سيارة ابيه، في حين ان جارهم ( ابوحسين) الموظف في احدى دوائر الدولة، هو الاخر من هواة (الفئران) وتستهويه عملية تبذير ماء الشرب والضغط على (قبضة مسدس ماطور الفارة فما ان يحين موعد العصر حتى يبدأ برش المياه يمينا وشمالا بعد الانتهاء من غسل سيارته الذي يدوم لاكثر من ساعة.وليس (حمودي وابو حسين) فقط من يستخدمان هذا (الماطور) بل مثلهما الالاف في الشوارع وكراجات غسل السيارات والمناطق العشوائية ، انفلات الاستيراد هو الاخر اسهم في امتلاء الاسواق بمثل هذه الاجهزة التي لا نفع لها سوى الاضرار بموارد الدولة الطبيعية ، فما فائدة (ماطور الفارة) لباقي الاستخدامات الاخرى غير غسل السيارات وهدر مئات الاف الغالونات من ماء الشرب الصافي يوميا في ظل غياب رقابة حكومية على مثل هذه الاستخدامات التي تسبب شحا في مناطق ومدن اخرى تعاني مشقة الحصول على مياه الشرب التي تهدرها (الفارة) من دون اي واعز انساني يمكن ان يحاسب على الاستخفاف بنعمة الماء .
رقابة وغرامة

لم تنفع وسائل التثقيف والتوعية مع بعض فئات وشرائح المجتمع التي تحتاج الى متابعة مستمرة وقانون صارم يحاسب المتجاوزين على الموارد الطبيعية ، فبرغم مناشدات المسؤولين والوجهاء ورجال الدين ووسائل الاعلام بضرورة وحرمة هدر ماء الشرب، يحرص الكثيرون من اصحاب البيوت على اقتناء ( ماطور الفارة) الخاص بغسل السيارات، والبعض الاخر يستخدمه لسقي الحدائق ورش الماء كنوع من التسلية في ساعة العصرية، هذه اللامبالاة المفرطة سببها عدم وجود قانون رادع ومحاسبة مالية وغرامات على هواة هدر ماء الشرب الصافي الذي يكلف الدولة جهدا واموالا طائلة من اجل ايصاله للمواطنين .

«كراجات» منزلية

في حي سكني واحد في مدينة الشعب ببغداد كان منظر اصحاب المنازل في ظهيرة الجمعة يوحي بمهرجان مائي يتبادل فيه الجيران الاحاديث بصوت عال ، فزعيق ماطورات الماء يصل لسابع جار، وبعضهم كان يتبادل رشقات الماء من مسدسه المائي مع اخر ، فالمياه غزيرة ووفيرة ومجانية وعذبة ولامانع من ان تهدرعلى غسل السيارات !!! بهذه العبارة تحدث سلمان جامن (40عاما) وهو احد الساكنين في المنطقة اذ يقول :
«البعض من الجيران وخصوصا اصحاب السيارات تمادوا في الاسراف في مياه الشرب على غسل سياراتهم لساعات بواسطة ماطور( الفارة) الذي يسحب كميات كبيرة من المياه ويدفعها الى مسافات بعيدة، حتى انه اصبح يستهوي الشباب والرجال وحتى النساء باستخدامه في غسل البيوت والرصيف وسقي الحدائق».
واضاف سلمان: «بالرغم من الصوت المزعج الذي تصدره هذه المضخة طوال ساعات النهار والمساء ، فانها تهدر المياه بكميات كبيرة وبسرعة فائقة على احتياج غير ضروري ومبالغ فيه ، فهل يستوجب غسل سيارة ان يستنزف مئات الغالونات من المياه العذبة ؟ وكم شخص في المنطقة والشارع يستخدمون هذه المضخة ؟ لابد من اجراء قانوني رادع لمثل هذه الظاهرة التي تفتقر الى روح المواطنة في الحفاظ على نعمة الماء التي يفتقدها الكثيرون في مناطق ومدن اخرى».

إجراءات

مواطنون عبروا عن ارتياحهم لمشروع نصب مقاييس الماء واعتماد مقاييس دقيقة في احتساب تكلفة استهلاك الماء الصافي وألا تبقى قضية جباية الاجور رهينة تخمينات الجباة من الموظفين .
الدكتور احمد الشمري استاذ في جامعة بغداد اشار الى:
« اهمية الحد من الاستخدامات الجائرة لماء الشرب الصافي من قبل اغلب المواطنين في البيوت والشوارع من خلال هدر الاف الغالونات من مياه الشرب التي تكلف اموالا طائلة في اعمال التصفية والتعقيم في محطات انتاج الماء ثم يستهلك على غسل السيارات واستخدام مضخات (الفارة) التي اصبحت وبالا على راحة الناس بسبب اصواتها المزعجة واستخداماتها غير المبررة لا لشيء فقط ، الا لانها توفر متعة وراحة لمستخدميها في كراجات غسل السيارات غير النظامية، كما ان اغلب البيوت اصبحت تحرص على اقتنائها لاستخدامات اخرى في التنظيف ورش المزروعات وحتى اللعب بها خلال فصل الصيف لانها تدفع المياه الى مسافات بعيدة».
واكد الشمري: «ضرورة ان تلتفت امانة بغداد الى ضرورة تطبيق قوانين وغرامات رادعة بحق المخالفين والمتجاوزين والتنسيق مع المؤسسات الحكومية الاخرى لمنع استيراد مثل هذه ( المضخات ) المضرة على مستقبل المياه في العراق، خصوصا وان حرب المياه اصبحت من السياسات التي تعتمدها الدول للضغط في ما بينها للحصول على مكاسب اقتصادية وسياسية».

غرامات

لا يوجد افضل من الغرامات المادية كرادع للاستخدامات الجائرة لماء الشرب الصافي ، فلو عرف صاحب كل بيت بانه معرض لغرامة مادية سيدفعها في حال استخدامه مضخات غسل السيارة في باب بيته او في الشارع ، او من قبل اصحاب الكراجات العشوائية لما تمادوا في هدرهم لماء الشرب الصافي ، بهذا الراي اكد رائد عبد الواحد صاحب محل لبيع الملابس :
« ان اغلب من يستخدمون مضخة (الفارة) سيمتنعون عن العبث بماء الشرب في استخدامات فوضوية وغير مبررة ولاتنم عن مسؤولية في التعدي على خدمة عامة مخصصة للاستخدامات البشرية وليس لغسل السيارات وغسل الشوارع وسقي الحدائق» .
واقترح عبد الواحد:» ان تحدد غرامة من 250 – 500 الف دينار على المتجاوزين ، تضاعف في حال تكرارها ومن خلال فرق جوالة في الدوائر البلدية تستقصي عن المستخدمين لمثل هذه المضخات المضرة بثروة العراق المائية، او من خلال اضافة الغرامة على ورقة الكهرباء او تضمينها ضمن رسوم المخالفات خلال بيع وشراء العقارات ، فبهذه الطريقة سيمتنع الكثيرون عن التجاوز على حق الاخرين ممن يواجهون صعوبة في الحصول على ماء الشرب».

عدادات مياه

امانة بغداد من جهتها تواصل تنفيذ مراحل مشروع نصب عدادات نظامية على شبكة الاسالة وتثبيتها مجانا في بيوت المواطنين والابنية التجارية والمشيدات الحكومية لضبط الاداء في استهلاك الماء الصافي وتنظيم عملية التوزيع والتقليل من تبذير ماء الشرب، اذ بين مدير عام دائرة ماء بغداد عمار كاظم :
« ان مشاريع انتاج الماء الصافي في دائرة ماء بغداد تعمل يوميا على انتاج 3 ملايين و250 الف متر مكعب لخدمة مناطق واحياء جانبي الكرخ والرصافة، لكن كميات الهدر الحاصلة في المياه الصالحة للشرب تبلغ اكثر من مليون و400 الف متر مكعب يوميا اي مايعادل 40 بالمئة من اجمالي انتاج مشاريع امانة بغداد».
واوضح ان:» اسباب الهدر بهذا القدر الكبير من كميات الماء ناتجة من التجاوزات العديدة الحاصلة على الخطوط الرئيسة والفرعية الناقلة للماء الصافي والخام الى الاحياء والمناطق السكنية النظامية، من قبل بعض ضعاف النفوس وسكنة الوحدات السكنية العشوائية والربط غير النظامي فضلا عن الاستخدام الخاطئ للماء الصالح للشرب من اصحاب معامل الثلج وكراجات غسل السيارات وسقي الحدائق والمزروعات، واستخدام مضخات سحب المياه بطريقة عشوائية وغير خاضعة للرقابة ، مبينا ان الكميات المفقودة من الماء تؤثر بشكل سلبي في كميات الماء الواصلة الى الاحياء السكنية النظامية وضعف مستوى الضغوطات على المناطق الرسمية التي يتم مصادرة حقوقها من قبل مناطق التجاوزات التي تمر عبرها الشبكة الرئيسة الناقلة للمياه الصالحة للشرب».
واضاف: «ان دائرة ماء بغداد باشرت حملة لنصب قرابة 600 الف عداد او مقياس للماء في عموم محلات السكن بالتعاون مع الدوائر البلدية التي انجزت المرحلة الاولى من المشروع ونصبت اكثر من 150 الف عداد​ لحث المواطن على التقليل من معدلات هدر الماء والاسراف في استخدام الماء الذي بلغت نسب الضياعات اليومية فيه مستويات مرتفعة ومؤثرة في باقي المناطق السكنية الاخرى». ​

تكلفة

واشار مدير عام دائرة ماء بغداد الى:
«ان قرارا صدر من هيئة الراي في الامانة يقضي برفع تكلفة جباية اجور الماء لتقليل نسب الهدر والتبذير والاستخدام الجائر للماء، من خلال تقسيم الاجور على ثلاثة مستويات الاول يخص الاستهلاك المنزلي حيث سيرفع سعر الماء الصافي فيه من 7 الاف دينار للمتر المكعب الواحد الى 15 الف دينار اذا استهلك المواطن من 1 الى 30 مترا مكعبا من الماء. ويتصاعد طرديا مع معدلات الاستهلاك المنزلي ليصل الى احتساب تكلفة الماء الفعلية وهي 155 دينارا اذا وصل الاستهلاك الى اكثر من 90 مترا مكعبا. اما اذا زاد على 90 مترا مكعبا فسيحتسب المتر بـ 250 دينارا وهو السعر التجاري الذي سيفرض على الفعاليات التجارية والابنية الحكومية».

مجلس المحافظة

عضو لجنة الماء في مجلس محافظة بغداد غالب الزاملي اشار الى : «حجم الضرر والتكلفة الاقتصادية التي تتحملها الدولة نتيجة دعم انتاج الماء الصافي الذي يباع للمشتركين باسعار زهيدة»​. مبينا: «انه سبق ان صدرت توجيهات من مجلس بغداد بتعديل تعرفة ماء الشرب ومعالجة مظاهر هدر الماء الصافي بطريقة نظامية بسبب ما تسجله العاصمة بغداد يوميا من ممارسات وسلوكيات الاستهلاك الجائر للماء الصافي، منوها بضرورة اعتماد العدادات ورفع تسعيرة متر الماء للحد من عدم اللامبالاة في الاستخدامات الجائرة لماء الشرب الصافي لاغراض الغسل والتنظيف والاستخدام في الزراعة والسقي وفي مشاريع زراعية وصناعية وكراجات غسل السيارات والمجمعات العشوائية».​

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.