الصناعات اليدوية في أهوار العراق.. إرث تاريخي متواصل

ذي قار – حيدر قاسم
يشيرُ الباحثون في الشأن الآثاري، الى أن أهوار جنوب العراق، عرفت منذ أولى الحضارات السومرية الصناعات اليدوية البسيطة، كصناعة المنازل من القصب، وصناعة الأوعية والسلال والأطباق النباتية، وكذلك صناعة القوارب الصغيرة المطلية بالقار، وهي صناعات أنتجتها طبيعة الحياة البدائية، وحاجة الإنسان آنذاك للسكن، أو التنقل وسط مسطحات مائية شاسعة. ولا يزال سكان أهوار جنوب العراق، يتقنون ذات الصناعات، ويمارسونها جيلاً بعد آخر، ولعل ما جرى ابان حقبة التسعينيات من القرن الماضي، حيثُ جرت أكبر عملية تجفيف للأهوار في التاريخ الحديث، كادت أن تقضي بشكل نهائي على الحياة في الأهوار، وتندثر أعمق الصناعات البدائية تاريخاً، إلا أن الحياة دبت بعد تدفق المياه مجدداً في شرايين الأهوار ثانيةً بعد العام 2003.

صناعة الأطباق

تتقن أم جبار الأسدي (70) عاماً، صناعة الأطباق والسلال المصنوعة من نبات الـ»چولان»، وهو نبات طبيعي ينمو في الربيع بمناطق الأهوار، ويكون بارتفاع مترين أو أكثر، تعلوه وريقات طويلة، وهي تتفنن في صناعة هذه الأطباق، من حيث استخدام نقوش وألوان متعددة، ما يجعل الطبق عبارة عن لوحة فنية جمالية، تنسج بإتقان واضح.
وقد اضطرت الى الهجرة مع عائلتها ابان عقد التسعينيات الى مزارع كربلاء، بعد تجفيف الأهوار، وان «أغلب النساء هنا يتقن صناعة السلال، والأطباق التي تستخدم كأثاث منزلي، حيث يستخدم الطبق لتقديم الطعام، وهو بمثابة «الصينية» كما يسمى هنا محلياً في البيوت، كما أن السلال المصنوعة من «الجولان» أيضاً، تستخدم لحفظ الملابس والأشياء الثمينة، وحتى الحبوب لسهولة نقلها، ولعدم تعفن المواد المحفوظة بداخلها. وتشير أم جبار وهي منهمكة بتجميع القصب من الأرض، الى أن الكثير من سكان الأهوار، هجروا هذه الصناعة منذ أمد بعيد، إذ بدأت العائلات تعتاض عنها بأوانٍ نحاسية أو تلك المصنوعة من الألمنيوم، وتختم، بشيء من التهكم، ومن («طبت – دخلت- النه هاي المواعين) ضاعت البركة».!

صناعة البواري

أبو حيدر ذو (46) عاماً من سكنة الأهوار، يقول: إن صناعة البواري القصبية، من أشهر الصناعات التي تميز بها سكان الأهوار، فضلا عن احتراف الصيد، وتربية الجاموس، وعن صناعة البارية وهي عبارة عن وسادة مصنوعة من القصب، يقول أبو حيدر إنها «تصنع من القصب الجيد، الذي «يُجرد» – يقطع- من أعماق الأهوار، وبعدها نقوم بنقله الى أماكن العمل بعد تحميله بـ»الشختورة»، وهي عبارة عن قارب صغير يعتمد على المحرك الآلي في حركته، ومن ثم نقوم بحزم القصب»، ويضيف: «بعد ذلك نبدأ بعملية تقشير القصب، ومن ثم تقطيعه أو كما يسمى محلياً «تفشيك»، وبعدها نقوم بعملية سحقه بشكل جيد وتجفيفه».وتابع: «بعد ذلك تتولى النساء هنا صناعة البواري، التي تستخدم في التسقيف، أو تغليف البيوت القصبية أو المضايف الكبيرة». ويؤكد أن صناعة البواري موسمية وليست بشكل دائم نظراً لأن القصب يبدأ بالنمو والاخضرار في مطلع شهر شباط، ويكتمل بعد شهر أو أقل ويصبح صالحاً لصناعة البواري».
عمل مشترك

فيما يشير الحاج ريسان جهاد، وهو من سكان الأهوار، الى أن صناعة البارية، تحتاج الى أن يشترك جميع أفراد العائلة فيها، ففيما يقوم الرجل بجمع القصب وحزمه، يقوم سائر أفراد الأسرة بالتقشير، وتقطيع القصب بشكل طولي الى «ليط رقيقة»، ومن ثم تبدأ عملية «السف» – نسج البارية، مشيراً الى أن العائلة بإمكانها صناعة بارية أو اثنتين في اليوم الواحد».
وعن قياسات البواري التي تصنع يقول جهاد: «هذا الأمر ليس خاضعاً لمقياس محدد، وإنما يخضع لطلب الزبون، أو لحاجة استخدام هذه البارية»، ويلفت الى أن عملية التسويق عادةً ما تكون أسبوعية.

متحف شعبي

هذا وتسعى إدارة محافظة ذي قار للحفاظ على هذا الإرث الاجتماعي، من خلال التوجه لإنشاء متحف للصناعات الشعبية والحرف والمهن، إذ قالت رئيس لجنة السياحة والآثار في مجلس محافظة ذي قار، أجيال كريم: إن «إدارة المحافظة اتفقت مبدئياً مع وزارة السياحة والآثار الاتحادية على شغل الطابق الثاني من متحف الناصرية الحضاري، الذي أعيد افتتاحه أمام الزوار خلال الأشهر الماضية، ليكون مقراً مؤقتاً للمتحف الشعبي في ذي قار في خطوة تهدف للحفاظ على الإرث الثقافي والاجتماعي في المحافظة»، مشيرةً الى «تشكيل لجنة من مجلس المحافظة وهيئة السياحة والآثار، والنقابات الفنية والإبداعية فضلاً عن باحثين في الشأن الفولوكلوري من المحافظة، ليقوموا بتهيئة الخطط الكاملة لإنجاز هذا المتحف الذي يكون الأول من نوعه في المحافظات الجنوبية».
هذا ويأمل مختصون في الشأن التراثي والفولوكلوري أن تكون هذه الخطوة جزءا من إحياء الذاكرة الشعبية، والحفاظ على صورة من الزمن العراقي الماضي، خصوصأً مع مطلع القرن السابق، وكيف كانت الحياة العراقية بسيطة، ذات أبعاد جمالية، بحسب ما يقول قيصر محسن، وهو باحث فولوكلوري من
المحافظة.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.