التعليم… مسارات حتمية لخلق مجتمعات المعرفة

للتعليم كل الفضل في تطور العلوم البشرية، التي اثمرت كل الإنجازات الإنسانية الضخمة، بمستوياتها الثقافية والاقتصادية والصحية والتكنولوجية …الخ.

وقد عكف الكثير من المختصين والباحثين في مجال التعليم، ومن خلال المراكز البحثية المتخصصة، الى تطوير اليات التعليم وتحديث مناهجه، إضافة الى تحديد مكامن الخلل والاخطاء والعاهات التي تصيب التعليم وتعيق من تقدم المعرفة البشرية نحو المزيد من التطور والازدهار.

وساهمت هذه الدراسات بتصحيح الكثير من المسارات وتقديم النصائح المهنية الى مؤسسات التعليم بمختلف انحاء العالم.

ولا يخفى، ايضاً، ان الكثير من المعوقات والعقبات تقف حائلاً امام ازدهار التعليم في العديد من بلدان العالم، سيما وان ممارسة التعليم تحتاج الى بيئة امنة، ومؤسسات وكادر ووسائل إيضاح، وغيرها، بمعنى انها تحتاج الى جهد الدولة ورعايتها.

لكن في ظل الاضطرابات وانعدام المساواة، والرغبة الحقيقية في التقدم، إضافة الى أهمية الوضع الاقتصادي وارتفاع نسب التخلف واستشراء الفساد وانتشار الامراض، لا يستطيع التعليم المضي قدما في بناء متجمعات معرفة رصينة.

سوء التعليم

في سياق متصل يذهب عشر النفقات العالمية المخصصة للتعليم الابتدائي (أي 129 مليار دولار) سدى في تعليم سيء النوعية، بحسب ما كشفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في تقرير لها طالبت فيه بتعيين “مدرسين أفضل” للتلاميذ الذين هم بأشد الحاجة إليهم.

وتساءلت بولين روز القيمة على النسخة الحادية عشرة من تقرير الرصد العالمي لتوفير التعليم للجميع “ما النفع من التعليم إذا كان التلاميذ يمضون سنوات في المدرسة ويتخرجون منها من دون اكتساب المهارات اللازمة؟”، وكتبت إيرينا بوكوفا المديرة العامة لليونسكو في مقدمة التقرير أن “هذه النسخة تبين بوضوح أننا لن نتمكن من تحقيق أهدافنا في أقل من سنتين”، علما أن 164 بلدا كان قد اتفق في داكار سنة 2010على ستة أهداف خاصة بالتعليم ينبغي تحقيقها بحلول العام 2015. بحسب فرانس برس.

وجاء في التقرير أنه “خلال السنوات العشر الماضية، ظل الأشخاص المنتمون للفئات الأكثر تهميشا يحرمون من فرص التعليم، ولم يفت الأوان بعد لتحسين الوضع”، وكشفت الدراسة أن نحو 250 مليون طفل في أنحاء العالم أجمع “لا يتعلمون الأساسيات”، وفي العام 2011، كان 57 مليون طفل خارج المدارس، نصفهم في البلدان التي تدور فيها نزاعات.

وبغية تحسين الوضع، لا بد من اللجوء إلى مدرسين كفء، بحسب التقرير الذي دعا “الحكومات إلى تدريب المدرسين وإيفاد أحسنهم إلى التلاميذ الذين هم بأشد الحاجة إليهم”، وينبغي في هذا الإطار تدريب المدرسين تدريبا أوليا “يوفق بين الدراية بالمواد المدرسة وإتقان المناهج التعليمية، فضلا عن تدريبهم تدريبا متواصلا على سبل مساعدة الأطفال المحرومين”.

وعلى النقيض من ذلك احتلت مدينة شنغهاي الصينية المركز الأول في تعليم الرياضيات والقراءة والعلوم في دراسة أظهرت أن مدارس شرق اسيا تتميز أكاديميا بفضل الابتعاد عن التلقين والحفظ.

وأظهر مسح طلابي تجريه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية كل ثلاث سنوات أن الطلاب البالغين من العمر 15 عاما في الولايات المتحدة تخلفوا في الرياضيات وكان مستواهم عاديا في القراءة والعلوم، ويقيم المسح أعضاء المنظمة البالغ عددهم 34 عضوا و31 دولة أغلبها من الدول النامية.

وبالتركيز خاصة على الرياضيات اختبرت النسخة الأحدث من البرنامج الدولي لتقييم الطلاب معارف الرياضيات والقراءة والعلوم لنحو 510 آلاف ممن بلغوا من العمر 15 عاما العام الماضي، وأفادت الدراسة بأن مدارس دول شرق اسيا تفوقت حيث جاء طلاب شنغهاي في المقدمة يليهم طلاب سنغافورة وهونج كونج وتايبه وكوريا ومكاو واليابان.

وجاءت النظم التعليمية في ليختنشتاين وسويسرا وهولندا ضمن المراكز العشرة الاولى وفقا للدراسة بينما حقق التعليم في ألمانيا وبولندا تقدما كبيرا، وقال مسؤول التعليم في المنظمة اندرياس شلايشر إن سر نجاح شرق اسيا هو وضع معايير مرتفعة في كل المدارس وتوفير السبل أمام تحقيقها، وأضاف “أنظمة اسيوية كثيرة استطاعت التغلب على قوالب التلقين.”

التفاوت الكبير بين الجنسين

فيما تعجز أكثر من مائة مليون فتاة في البلدان ذات الدخل المنخفض والبلدان ذات الحد الأدنى من الدخل المتوسط عن قراءة جملة بسيطة بسبب التفاوت الكبير المسجل عالمياً بين الجنسين في مجال التعليم، وذلك بحسب ما ورد في “ملخص قضايا الجنسين” الذي يحلل بيانات جاءت في أحدث طبعة من تقرير “اليونيسكو” العالمي لرصد التعليم للجميع، ويمنع هذا التفاوت 50 في المائة من الفتيات غير الملتحقات بالمدارس، والبالغ عددهن 31 مليوناً، من الانتفاع يوماً بالتعليم المدرسي.

وأشار التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع لعامي 2013-2014 بعنوان “التعليم والتعلّم: تحقيق الجودة للجميع”، إلى أن ضمان التحاق الأطفال بالمدارس لا يكفي في حد ذاته إذ يجب أيضاً ضمان اكتسابهم للمهارات اللازمة من خلال التعليم، ويعجز اليوم 175 مليون شخص من الشباب في البلدان ذات الدخل المنخفض والبلدان ذات الحد الأدنى من الدخل المتوسط عن قراءة جملة بسيطة بسبب تردي جودة التعليم، مع الإشارة إلى أن الإناث يشكلن نسبة 61 في المائة من هذا المجموع.

وذكرت المديرة العامة لمنظمة “اليونسكو،” إيرينا بوكوفا، أن “من غير المقبول أن يتم إهمال الفتيات، خصوصاً أولئك اللواتي ينتمين إلى الأسر الفقيرة، إذ يجسد التعليم أحد أفضل السبل لبناء مستقبل أفضل ومساعدتهن على الخروج من حلقة الفقر المفرغة، ويجب أن تضمن الحكومات الانتفاع المتكافئ بالتعليم لمعالجة هذا الاختلال الفظيع في التوازن”.

وأوضحت بوكوفا: “يجب أن يكون هناك مقاربة واضحة لذلك، وقيادة سياسية في المنطقة، للاعتراف بأهمية تعليم الفتيات، وانخراطهن في المجتمعات والدورة الاقتصادية في بلدانهن”، وطالبت بوكوفا الحكومات بتحمل مسؤولية سياساتها العامة، فضلاً عن المجتمع المدني والقطاع الخاص.

ودعا التقرير إلى وضع قضية المساواة بين الجنسين في مقدمة الأهداف الإنمائية العالمية الجديدة لفترة ما بعد عام 2015 حتى يحصل جميع الأطفال على فرص متساوية في الانتفاع بالتعليم الجيد، ورغم من إحراز بعض التقدّم، إلا أن البيانات أشارت إلى أن 60 في المائة من البلدان فقط تمكنت حتى العام 2011من تحقيق التكافؤ بين الجنسين في التعليم الابتدائي، وأن 38 في المائة من البلدان فقط استطاعت ضمان التكافؤ بين الجنسين في التعليم الثانوي.

وتُعد الفتيات في البلدان العربية أشد الفئات حرماناً من التعليم، وتبلغ نسبة الإناث من الأشخاص غير الملتحقين بالمدارس 60 في المائة في المنطقة العربية، وترتبط الحاجة إلى توظيف المزيد من المعلمات لتعليم الفتيات بأسباب ثقافية في الكثير من الأحيان، كما ترتبط بضرورة تقديم مثال يُحتذى به إلى الفتيات لتشجيعهن على البقاء في المدرسة.

وقدّم التقرير العالمي لرصد التعليم توصيات لتمكين الفتيات من اللحاق بالركب، ومن بين أهمها: وضع تعليم الفتيات في مقدمة الأهداف التعليمية الجديدة لفترة ما بعد عام 2015، ووضع أفضل المعلمين في الأماكن حيث يعيش الدارسون الأشد احتياجاً إليهم، وتدريب المعلمين لضمان مراعاتهم لقضايا الجنسين، وضرورة أن تكون المناهج الدراسية شاملة للجميع.

وأضافت بوكوفا أن “نتائج هذا التقرير كانت صادمة، ونريد أن ندق الجرس عالياً”، وأشارت إلى أنه “إذا أبقينا على هذا الاتجاه، فيما يرتبط باكتساب الفتيات من البيئات الفقيرة التعليم الأساسي في الوتيرة التي تعمل من خلالها الآن، فإن الأمر سيتحقق في العام 2086، أي بعد 70 عاما من الآن”، وأوضحت بوكوفا أن الاستثمار في تعليم الفتيات والنساء يعتبر أمرأً مهماً، وذلك ليس لمنفعة الأفراد فقط، بل لصالح المجتمع أيضاَ.

فإذا حصلت جميع النساء على التعليم الابتدائي والثانوي، لتراجعت حالات الزواج والوفاة لدى الأطفال بنسبة 49 في المائة و64 في المائة، على التوالي، ولو حصلت كل النساء على التعليم الابتدائي فقط، لتراجعت وفيات الأمهات بنسبة الثلثين، ومن شأن التعليم أيضاً أن يساعد على حماية النساء من مآسي الفقر. بحسب سي ان ان.

وأكدت بوكوفا أن “تعليم الفتيات يعني تعليم العائلة كلها، وهذا أمر يجب ملاحظته، وأعتقد أنه يجب معرفة أن تعليم الفتيات هو واحد من أفضل الاستثمارات في التعليم، وكسر حلقة الفقر، والتأثير على التنمية المستدامة”، وأوضحت بوكوفا أن “وما يقلقنا أكثر هو أن العالم العربي منذ العام 1999 ولمدة 15 عاما، لم يقم بأي خطوات، فيما يتعلق بالجنسين”، وأشارت بوكوفا إلى أنه يجب إعطاء أهمية خاصة للفتيات في سن المراهقة اللواتي يذهبن إلى المدرسة، ومساعدتهن على سهولة الانتقال من هذه المرحلة العمرية، وخلق بيئة لتشجيعهن على الذهاب إلى المدرسة.

تطور نوعي

فيما توقع مسؤول في المدارس الخاصة في بريطانيا بأن الامتحانات التقليدية لن يكون لها وجود خلال عقد من الزمان لتحل محلها تقييمات ستجرى عبر شبكة الإنترنت، وقال ديفيد هانسون من “الاتحاد المستقل لمدارس المرحلة الإعدادية” إنه سيلقي كلمة خلال المؤتمر السنوي للاتحاد يشير فيها إلى أن الاختبارات التي تستند إلى الورقة والقلم ستصبح شيئا من الماضي بحلول عام 2023.

واعتبر أن جيلا من المعلمين الذين نشأوا مع التكنولوجيا سيتبنون هذه التكنولوجيا بشكل كامل، وتوقع سيمون ليبوس من هيئة الامتحانات البريطانية “او سي أر” “انتقالا تدريجيا للتقييم عبر الانترنت للامتحانات الحاسمة”، لكنه أضاف بأن “العملية ستحدث على مراحل إذ إن مواد مختلفة على الأرجح ستنتقل (إلى نظام التقييم الإلكتروني) على دفعات مختلفة”.

وأوضح السيد هانسون بأنه سيقول أمام المؤتمر إن اللغة الانجليزية والرياضيات والعلوم سيظلان مادتين أساسيتين في عام 2023، لكن التكنولوجيا ستخترق التعليم، وأشار إلى أنه بدلا من الامتحانات المكتوبة، فإن التقييم سيجرى في امتحانات إلكترونية تكيفية حيث سيخضع الطلاب للامتحانات أمام أجهزة كمبيوتر تحلل قدراتهم وتحدد صعوبة الأسئلة وفقا لذلك.

وقال هانسون لبي بي سي إن مجلس امتحانات المدارس المستقلة يجرب حاليا نظاما مماثلا لاختبارات القبول الشائعة التي يخضع لها طلاب المرحلة الإعدادية في سن 13 عاما الذين يتقدمون لمراحل أعلى، وقال رود بريستو رئيس مؤسسة بيرسون التي تدير مجلس “إي دي اكسل” إن المؤسسة بدأت بالفعل تنفيذ “نحو 900 ألف اختبار (على شاشات الكمبيوتر) في مدارس وكليات”.

وتستخدم هذه الاختبارات على سبيل المثال في تقييم أجزاء من التأهيل المهني للمجلس التعليمي للأعمال والتكنولوجيا في بريطانيا، وقال هانسون إن تعزيز استخدام التقييم على الانترنت سيحل بعضا من المشاكل اللوجستية للاختبارات الورقية مثل توزيع وتجميع الأوراق، وأعرب عن اعتقاده بأن التقييم الإلكتروني هو على الأرجح أكثر أمنا وسيساعد في القضاء على المشاكل المتعلقة بالأخطاء التي يرتكبها المصححون.

وذكرت مجالس الامتحانات إنها بدأت بالفعل في استخدام تكنولوجيا رقمية في تصحيح الامتحانات الخاصة بالمستويات المتقدمة وامتحانات “جي سي اس إي”، وبناء على هذا النظام الرقمي يتم عمل نسخة بالماسح الضوئي للأوراق الكاملة وإدخالها إلى كمبيوتر مركزي، بينما ترسل أسئلة منفصلة إلى مصححين متخصصين، بدلا من مطالبة مصححين من الأفراد بتصحيح جميع الأوراق بالكامل.

وأشار بريستو إلى أن “هذا جعل عملية التقييم أسرع، وأكثر أمنا والأهم (أنها أصبحت) أكثر إنصافا للطلاب، بدلا من وجود ممتحن وحيد يصحح الورقة بالكامل”، وقال متحدث باسم هيئة “ايه كيو ايه” للامتحانات إن “الطلاب في هذه الأيام ولدوا في عصر الثورة الرقمية وكل شيء آخر يقومون به في حياتهم اليومية يكون على الشاشة، ولذا فإن أداء امتحان بالورقة والقلم يبدو على الأرجح أمرا غير مألوف تماما”.

لكن مجالس الامتحانات حذرت من وجود عراقيل تقنية ومالية كبيرة قبل تعميم إجراء الامتحانات إلكترونيا، من بينها على سبيل المثال أن تضمن كل مدرسة وجود جهاز ونطاق انترنت كافي “برودباند” لكل ممتحن، وقال ليبوس “هناك أمور أهم من تحويل ورقة السؤال إلى ورقة إلكترونية”، وتساءل “هل أن أي تغيير سيحسن من عملية التقييم، ويقدم صورة حقيقية أكثر لما يعرفه ويفهمه الطالب، أم ستجعلها أسرع فحسب؟”، وقال “هذا هو الأمر برمته دون النظر إلى المسائل التقنية التي تحيط بالتشغيل البيني للأنظمة التكنولوجيا وتوفير النطاق الواسع في ستة آلاف مركز”.

من جانب اخر باتت الخدمات الاجتماعية مكلفة ايقاظ تلاميذ في منازلهم في حي ميسور في كوبنهاغن لأنهم يتغيبون كثيرا عن المدرسة، والاجراء الذي اختبر على مدى عام، اعتمد الان نهائيا على ما اوضحت باربرا لوندكفيست العاملة الاجتماعية في حي اوستربرو الراقي، واضافت “حصلت نزاعات لكن الناس الذين ارسلناهم على الارض مدربون لمواجهة اوضاع كهذه، وحصلت مقاومة بطبيعة الحال”.

واظهرت سنة التجربة ان ثلث الاطفال المستهدفين وهم بين سن السابعة والخامسة عشرة باتوا يرتادون المدرسة بانتظام أكبر، وكان لنحو 80 % منهم اتصال سابق بالخدمات الاجتماعية لأسباب أخرى، وبالنسبة لبعض العائلات كان الاتصال الهاتفي كافيا الا ان العاملين الاجتماعيين اضطروا في غالب الاحيان الى القرع على ابواب المنازل للتحقق من ان التلميذ استفاق، وتساعد هذه الزيارات اليومية الاهل على استعادة زمام الامور فيما يتعلق بإيقاظ أولادهم، الا ان الجميع لا يؤيد المشروع الذي قد يوسع الى احياء اخرى في كوبنهاغن.

وكتب توم ينسن في افتتاحية صحيفة “برلينسكه” يقول “اذا كانت الدنمارك دولة رفاه فان اوستربرو هو عالم مصغر للرفاه الاقصى”، واضاف “لم يبق لنا شيء نناضل من اجله ففي حال لم نستطع ان نستفيق في الصباح سترسل الينا البلدية شخصا لايقاظ الاطفال”، وقالت المستشارة البلدية هايدي وانغ من التحالف الليبرالي للصحيفة “لا يمكننا ان نتعاقد من الباطن مع البلدية لنتخلى عن مسؤوليتنا الشخصية”.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.