البحوث وملف الترقيات في التعليم العالي

بغداد – شذى فرج
يحتفظ التعليم العالي لدينا بتجربة عريقة شهدت لها المراجع العلمية والأكاديمية في العالم، وخصوصا ما تعلق منها في دخول البحث العلمي في أساس الترقيات بالنسبة للتدريسيين في مختلف مستوياتهم، غير ان عوامل كثيرة دفعت الى تراجع في بنية وهياكل معايير الترقية منها ما جاء من مرحلة الحصار والحروب الكارثية التي عاشتها البلاد ومنها ما له علاقة بظروف الاضطرابات السياسية والأمنية التي مرت بالعراق في العقد الأخير، في حين تتزايد المحاولات والدعوات لتصويب هذه الحال، أولا عبر دراسة الأحوال والتجاوزات الأكاديمية الراهنة، وثانيا، من خلال التصورات الواقعية لإصلاح الحياة الأكاديمية.
الإلحاق ومتابعة التطور

حدثنا الدكتور محمد العبيدي قائلا: «في بلادنا أحيان يحدث ما لا يحدث في الدول المتطورة في موضوع الحصول على الشهادات والترقيات العلمية. فهنا أحيانا ينتقل الأستاذ المساعد إلى أستاذ (بروفيسور) مباشرة بدون المرور بالمرحلة التي بين الإثنتين والتي هي في أميركا (مثلا) عنوانها الأستاذ المشارك، وفي بريطانيا القارئ «Reader»، وحسب علمي فإنه في بريطانيا ليس من الضروري على من يحمل لقب الأستاذية (بروفيسور) أن يكون حاصلا على شهادة الدكتوراه.
فعلى سبيل المثال أنا عملت في كلية للصحة في بريطانيا حيث كان عميد الكلية حاصلا على بكالوريوس في التمريض فقط ولكنه تدرج في بحوثه وفي ما قدمه للكلية حتى منح كرسي الأستاذية».
وأضاف العبيدي «وحسب علمي وما حصل معي، فإنه من الضروري على الشخص الذي يحصل على شهادة الدكتوراه أن يقدم أبحاثا تنشر في مجلات عالمية معروفة وأن يقيم بحثه أو أبحاثه من اختصاصيين بمجاله ليس من الضرورة أن يكون من بلده أو أن يعرفهم شخصيا لكي لا يتأثروا بعلاقة صداقة قد تربطهم به لكي يقيموا أبحاثه إيجابيا.
أنا كنت أبعث بحوثي إلى مجلة «الفسيولوجيا البريطانية» التي تعد واحدة من أرقى المجلات بالعالم في هذا المجال. وعندما أرسل لهم بحثي، تبعثه المجلة لاثنين من المتخصصين بمجال عملي وهؤلاء لا يشترط أن يكونوا في بريطانيا وربما هم في دول متطورة أخرى في هذا المجال من العلوم. وهؤلاء يقيمون بحثي وبعد أن يقيم إيجابيا يتم نشره في المجلة».
وتابع العبيدي قائلا: «الانتقال من موقع لأعلى يتم عبر ما نشر من أبحاث في مجلات رصينة ويكون أفضل لو كان البحث المنشور ذا شأن كبير في اختصاص معين وخصوصا لو كان له تأثير في مجمل ذلك العلم، وعموما هناك لجنة تقييم البحوث في الجامعات فيها عضو من كل كلية في الجامعة وتكون العضوية دورية كل سنة أو سنتين وهذه اللجنة عادة ما ترقي أساتذة الجامعات إلى درجات أعلى من التي هم فيها، وهذا كل ما أعرفه عن هذا الجانب».

بحوث منشورة.. هذا هو المطلوب

فيما أوضح الأكاديمي الأستاذ عماد عبد اللطيف «لكي تتم ترقية الأستاذ المساعد الى أستاذ (بروفيسور) يجب أن يقوم بإنجاز معاملة ترقية فيها متطلبات تحددها تعليمات الترقيات العلمية، أهمها أن يقوم طالب الترقية بتقديم بحوث منشورة في مجلات علمية محكمّة ومعترف بها، وتقوم لجنة الترقيات بإرسال هذه البحوث الى خبراء داخل وخارج العراق لغرض التقييم، وينبغي أن تحصل أربعة بحوث منها على تقييم «أصيل» من الخبراء في الداخل والخارج.
وبعكسه لن تتم الترقية، فإذا حصل على 2 تقييم أصيل.. وباقي البحوث كان تقييمها «قيّم» أو «مفيد»، عليه أن يعزز معاملته ببحثين جديدين يرسلان الى الخبراء عينهم، وهكذا الى أن يستوفي شروط الترقية».
أما تقويم البحوث وتسهيل تقديمها والإفادة منها فهو الطور الأهم في عملية الإصلاح، وهنا أجابنا الأستاذ عبد اللطيف قائلا: «لا توجد آلية أو معايير مُحدّدة، فالموضوع برمته يخضع لخبرة ومهنية الخبير الذي تُحال إليه البحوث للتقييم، غبر ان هناك دوريات تخصصيّة محكمة، وبالذات تلك الموجودة في البلدان المتقدمة، لا تقبل أن تنشر إلاّ البحوث المتميزة، وهذه غالباً ما تكون أصيلة، ونادرا ما تقبل نشر بحوث الأكاديميين العراقيين، لأن معايير النشر لديها وشروطه مشددة جداً، كما أن بعضها لا يصدر، ولا يقبل البحوث المكتوبة بالعربية، وعندما يكون الخبير ضعيفاً أو «متواطئاً» مع الباحث بشكل أو بآخر، لا يعود لتقييمه أية قيمة، ويصبح الأمر مجرد «صفقة» غير معلنة، بين من أرسل البحث للتقييم، وبين «المقوّم» العلمي».
وأضاف: «هذا لا يعني عدم وجود استثناءات في معاملات الترقية العلمية، فبعض طالبي الترقية الى مرتبة الأستاذية أنفقوا أكثر من أربع سنين، وأحيانا أكثر، للحصول عليها.
وبعض الخبراء متشددون في معاييرهم، وبالتالي تقييمهم للبحث الأصيل.
وكثيراً ما أعاد هؤلاء البحوث المرسلة إليهم الى لجنة الترقيات العلمية بتقديرات متدنية لا تسمح لطالب الترقية بالحصول عليها إلا بعد تقديم ما يقترب أحيانا من ضعف العدد المطلوب من البحوث المطلوبة للترقية الى مرتبة أعلى، وأحياناً أكثر، ومعايير الترقية قد تختلف بين بلد وآخر، إلا أن خطوطها العامة تكاد تكون متشابهة، ان الفرق الأساسي هو في البيئة العلمية والأكاديمية والحضارية التي تتم بها هذه العملية، فالمعايير الأوروبية قد تختلف عن المعايير الأميركية، وهذه المعايير قد تختلف عن المعايير المستخدمة او المتبعة في الدول العربية، أو انها قد تُستخدَم وتُستنسخ من قبل بعض الجامعات العربية، ولكن السياق العام والإطار الذي تتم به العملية يفرغها من محتواها ومعناها».
* كيف نعرف ان هذه البحوث مسروقة (كلا أو جزءاً)؟
– هذا الأمر يكتشفه الخبير احياناً، أو يكتشفه أحد القراء بالصدفة بعد نشر المقال .
وهناك برامج يمكن تطبيقها على الحاسوب، ما ان يوضع فيها البحث حتى يقوم البرنامج تلقائيا بتظليل الأسطر بلون مختلف كدليل على وجود ما يماثله من مقاطع منشورة على الانترنت، وهذا البرنامج معمول به في العراق، وأعتقد ان اللجان (أو الخبراء) بعضهم أو كلّهم يقومون باستخدامه للكشف عن السرقات العلمية بمختلف أشكالها وأنواعها .

بحوث أصيلة

أشار الدكتور عمر عبد الرزاق الكحلي الى أنه «يجب أن يقدم الباحث ثلاثة بحوث أصيلة أحدهم منفرد – (أي ان الباحث يجري البحث لوحده وليس معه مشاركون، ويجب أن تمضي على الباحث فترة خمس سنوات في درجة الأستاذ المساعد).
أما ما يخص البحث الأصيل المقصود به هو البحث الذي يجرى لأول مرة وليس هناك من تطرق له، لذلك تعد أطروحة الدكتوراه بحثا أصيلا يمكن اعتمادها في الترقية».

معايير الأصالة

وللولوج في تفصيلات ذلك، يبين أ. د حسن الجنابي قائلا: «البحث الأصيل هو البحث المبتكر الذي يأتي بفكرة أو شيء جديد مثل الاختراع أو طرح موضوع أو حلول لمشكلة لم تخطر على بال أحد، وعادة مثل هذه البحوث الأصيلة تكون على درجة عالية من الإتقان الفني والعلمي من حيث طرح الفكرة والأشكال البيانية والجداول الإحصائية وطريقة طرح الموضوع ولغة الكتابة ورصانتها لها الدور المهم في التقييم، (الاصيل يعني درجة قريبة الى الـ 100) أو 100».
وتابع الجنابي قائلا: «إن الترقية للأستاذية تتوزع بين 3 دول (العراق، الأردن، سوريا)، هذا مثلا كما حصل لترقيتي لضمان الشفافية.
وترقية الأستاذية تحت إشراف رئيس الجامعة تحديدا ويرفعها إليه رئيس لجنة الترقيات المركزية. وهناك تقييم: «قيم» يعني ينفع ولكن لا يوجد فيه إبداع أو فكرة جديدة، او ان طريقة طرح الفكرة خالية من الإبداع.
او ان الباحث غير مهتم بالأشكال البيانية و»الكيرفات» والخرائط… إلخ».
وأضاف: «وهناك تقييم: «مفيد» أي (فاشل) في طرحه للموضوع وطريقة الكتابة وتقسيم المباحث والنتائج المستخرجة والتوصيات مع عدم وجود جداول وأشكال وخرائط وبرامج إحصائية».

كيفية التقييم عند لجنة الترقيات

واسترسل الجنابي موضحا «أصيل+ أصيل+ أصيل = أصيل للبحوث الثلاثة، وبهذا يكون الباحث قد خرج من الامتحان، أما إذا أصيل+ قيم + قيم = قيم .. وهذا يعني أن على الباحث عمل بحثين جديدين، وحتى يتخلص الباحث من المأزق يقدم (4 أو 5) أو أكثر لضمان حصول 3 منهن على أصيل، ولما تنتهي عملية تقييم البحوث ترفعها اللجنة المركزية لمجلس الجامعة ورفعها مرة أخرى لوزارة التعليم للمصادقة ثم ترسل للجامعة ويصدر فيها أمر جامعي، كما يقدم الوزير كتاب شكر وتقدير وبعده رئيس الجامعة يشكر بكتاب».

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.