الامتحانات بـ ٥٠ درجة مئوية.. والأسئلة تقطع الانترنيت

بغداد / فرح سالم

داخل مركز امتحاني شمالي العاصمة العراقية بغداد، اصطفت المقاعد بطريقة متراتبة، وهي تحوي ملصقات صغيرة كتبت عليها اسماء الطلبة الذين سيؤدون الامتحان النهائي ( البكالوريا)، فيما يتوجب على الطالب البحث في البداية عن رقم القاعة الامتحانية التي تضم اسمه، ومن ثم مكان جلوسه.
ترتيب المقاعد لم يكن بأهمية ضمان وجود أجهزة تبريد تخفف من حرارة شهر تموز اللاهب في العراق، والذي تزامن هذا العام مع شهر رمضان وموعد الامتحانات، ما يعني ان درجة الحرارة ستكون بمعدل يتجاوز الـ 45 درجة مئوية بدرجات عدة.
قاعات كئيبة بجدران متهالكة غزتها الشقوق. المقاعد يغطيها الغبار، والنوافذ تسمح بمرور ضوء الشمس الحارق من دون اي عازل، بينما كانت المروحة السقفية وما تصدره من ضوضاء بمثابة وسيلة التبريد الوحيدة المتوفرة في المكان، لكنها لا تقاوم القيظ.
لم يتذمر الطلبة من وضع كانوا قد اعتادوا على وجوده طيلة العام الدراسي، فإجهاد الليلة التي سبقت يوم الامتحان كان كافياَ لتجاوز مشكلات تعد بسيطة اذا ما قورنت بالحاجة الى النجاح والتفوق، لكن تأدية الامتحان لم تكن سهلة على كثيرين منهم، في قيظ وصل حدوداً لا تطاق.
واضطر مراقبون ومشرفون على قاعات الامتحان، الى البحث عن حلول تمكن الطلبة من التركيز على الإجابة، لكن لم يكن في وسعهم سوى طرق بدائية. بعضهم كان يحرك الهواء في وجوه الممتحنين باستعمال ورق مقوى.
ولم يكن الحديث عن الوضع “الساخن” في هذه القاعة، حالة شاذة، بل كان سمة غالبية المراكز الامتحانية في العراق، ما يطرح أسئلة عن حقيقة الاستعدادات على المستوى التنظيمي، وفيما إذا كانت تتلاءم وطبيعة الحدث لهذا العام او الاعوام التي سبقته.
وتوجه، في ٨ تموز ٢٠١٥، نحو 300 ألف طالب وطالبة لأداء الامتحانات العامة للدور الاول لمرحلة السادس الاعدادي بفروعه الادبي والعلمي والمهني في بغداد والمحافظات. وفي وقت سابق، توجه مئات الآلاف من الطلبة لأداء الامتحانات النهائية للصف السادس الابتدائي في بغداد والمحافظات.
وقال عدد من الطلبة، ممن يؤدون الامتحانات النهائية في بغداد، إن بعض المراكز الامتحانية تعتمد على المولدات الموجودة لديها، لتوفير التبريد والإنارة في القاعات الامتحانية، لكن هذا لم يشكل إلا نسبة ضئيلة من مجمل المراكز بسبب ضعف الإمكانات الذاتية للمدارس.
قال أحد الطلبة: “قضيت زمن الامتحان، وهو نحو الساعتين، من دون كهرباء وفي درجة حرارة مرتفعة”.
وبحسب مسؤولين في وزارة التربية، فإنها وجهت المراكز بضرورة توفير كافة المستلزمات للطلبة خلال تأديتهم الامتحان، بما فيها وسائل التبريد بالاعتماد على إمكانات المدارس ومديريات التربية.
لكن هذا لم يكن مطابقاً لواقع المراكز الامتحانية “الملتهبة”، ودفع كثيرين إلى تأجيل امتحاناتهم إلى الدور الثاني.
وقال مدير أحد المراكز الامتحانية، إنه اضطر إلى إخراج الطلبة من القاعات، ووضعهم في الممرات الخارجية لتخفيف وطأة الحر.
وأكد سلمان حافظ ، وهو مدرس، أنه وبسبب انقطاع التيار الكهربائي لجأت إدارات المدارس الواقعة في أطراف بغداد إلى السماح لطلبة الدروس المنتهية بإجراء الامتحانات الوزارية في ممرات المدارس بدلا من القاعات الدراسية، لأن الطلبة لا يستطيعون إجراء الامتحان وهم بداخل القاعات بسبب حرارة الجو المرتفعة.
وأكد وزير التربية محمد اقبال، أن الوزارة تعمل على توفير كافة الاحتياجات اللازمة لانجاح الامتحانات النهائية للدراسة الاعدادية وسبل الراحة لهم.
وكشف إقبال في تصريح صحفي أنه فاتح مجلس الوزراء بضرورة توفير الكهرباء بشكل دائم خلال ايام الامتحانات، ﻻ سيما وانها تجري في ظل هذه الظروف الصعبة .
لكن هدى سجاد، عضو لجنة التربية والتعليم في مجلس النواب، قالت في تصريح إلى “المدى”، إن “وزارة التربية لم تستجب لدعوة سابقة بإجراء الامتحانات في قاعات تحظى بمستلزمات كافية لمواجهة حرارة الصيف”.
وتابعت: “قبل بدء الامتحانات، وجهنا دعوة للوزارة لاستعمال القاعات التابعة لوزارة الشباب والرياضة وقاعات الجامعات العراقية كمكان لاداء نظرا لاحتوائها على وسائل التكييف”.
وأضافت أنه “كان على الوزارة ومديرية الامتحانات إيجاد حل لأية مشكلة متعلقة بتوفير قاعات مناسبة لاداء الامتحانات بضمنها قاعات في جامعة بغداد”.
ومضت إلى القول: “ترد الى اللجنة شكاوى من عدد كبير من العائلات العراقية بأن أبناءهم يعانون كثيراً خلال تأدية الامتحانات نظراً لانعدام وسائل التبريد في القاعات، ما اضطر عدد منهم إلى تأجيل بعض الدروس”.
في الخامس عشر من شهر حزيران الماضي تظاهر العشرات من طلبة السادس الاعدادي وسط محافظة النجف، للمطالبة بتأجيل الامتحانات الوزارية الى ما بعد شهر رمضان.
وتوجه الطلبة الى مبنى مجلس المحافظة لإرسال طلبهم الى الوزارة عبر لجنة التربية والتعليم في المجلس.
وفي كربلاء، تظاهر العشرات من الطلبة أمام المديرية العامة لتربية المحافظة للمطالبة بتأجيل امتحاناتهم النهائية، بينما سبقهم في ذلك زملاء لهم في محافظة ميسان حيث وفي الرابع عشر من الشهر نفسه خرج العشرات من طلبة السادس الإعدادي بفرعيه العلمي والأدبي وسط مدينة العمارة، للمطالبة بتأجيل الامتحانات الوزارية لما بعد رمضان وتوحيد الأسئلة.
وقد عرض احمد الصافي ممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء المقدسة أثناء خطبة الجمعة الأولى من شهر رمضان الحالي، طلبات مجموعة من طلبة السادس الإعدادي المتضمنة التماسا بتأجيل الامتحانات النهائية لما بعد عطلة عيد الفطر.
وحرصت وزارة الكهرباء على تجهيز المراكز الامتحانية بالطاقة الكهربائية طيلة الساعات الثلاث التي تمثل الوقت الفعلي لاداء الامتحان، بينما لم تعالج الحركة “الدؤوبة” للمراوح السقفية مشكلة ارتفاع درجات الحرارة بشيء، بل كانت اشبه بإجراء شكلي ساهم مع قناني المياه التي يتم توزيعها يومياَ على الطلبة والطالبات في التخفيف من تذمر الاهالي وشكواهم من سوء التنظيم.
يقول مناف عبد السلام ( 46 سنة)، وهو والد احدى الطالبات اللواتي ما زلن يؤدين الامتحان في أحد المراكز الامتحانية بمنطقة الشعب شمالي بغداد، ان ابنته “عمدت الى تأجيل امتحان اللغة الانكليزية بسبب الظروف السيئة داخل القاعة، فهي تعاني من خفقان مزمن، وقد ساءت حالتها الصحية بعد الساعة الاولى من الامتحان، ما دفعها لترك القاعة وتسليم الدفتر فارغاَ”.
الطلبة الذين تركوا قاعات الامتحان، لم يضجروا من الارتفاع النسبي في درجات الحرارة، فالعراقيون تعايشوا خلال العقد الأخير مع شح الكهرباء وارتفاع الحرارة خلال الصيف، لكنهم ربما تعرفوا على حقيقة أن قدرة أدمغتهم على العمل في ظروف استثنائية.
وقد تكون لذلك مقاربة استخدمها الروائي العراقي محمد خضير حين كتب في مقدمة احد أعماله القصصية، عن رواية(451 فهرنهايت) للكاتب راي برادبري، والتي ذكر فيها الاخير عن فرن عملاق يتجول بين المحلات السكنية وتلقى فيه الكتب والممتلكات لتحرق، وقد ذكردرجة 451 فهرنهايت كدرجة مثالية لحدوث ذلك، فهل هنالك من إحصاءات تحدد مدى الحرارة التي يتوقف فيها الدماغ عن العمل تماماَ؟
وبينما تواجه الحكومة العراقية العجز في توفير الخدمات، فإن الكثير من الطلبة العراقيين هم في الحقيقة مضطرون لمقاومة “احتراق” المعلومات التي خزنتها أدمغتهم، داخل قاعات تشبه فرن “راي برادبري”.
الأسئلة تتسرب.. ولا أحد
يعرف من أين
حتى لو لم تكن الأخبار عن تسريب أسئلة الامتحانات حقيقية، لكنها بالفعل جعلت أجواء الامتحانات مريبة بالنسبة للطلبة، الجميع يتحدث عن التسريب، لكن لا أحد يعرف من أين تأتي، ومن يحصل عليها.
رغم أن الجميع ينكر تسريب الأسئلة، وقد وصل الإنكار إلى درجة النفي القاطع بحدوث ذلك، لكن ذلك لم يمنع الحكومة من قطع خدمة الانترنيت ساعتين قبل بدء الامتحان، وهو ما جعل الشكوك تزداد في أن التسريب يحدث بالفعل.
وقال اتحاد الطلاب العراقيين في بيان إنه مع بدء اليوم الأول لامتحانات البكالوريا، تسربت الأسئلة على مواقع فيسبوك وتويتر، حيث تزامن ذلك مع فساد كبير وتدميرللطالب العراقي لم يسبق أن تعرض له ، مطالبا بمعالجة الموضوع على أسرع وجه.
وقررت الأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي في الأول من تموز٢٠١٥، بعد مطالبة وزارة التربية العراقية، بقطع خدمة الإنترنت عن جميع محافظات ومدن البلاد لمدة 3 ساعات يوميا لغرض منع تسرب الأسئلة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
من جانبه، قال وزير التربية محمد إقبال، في بيان حصلت “المدى” على نسخة منه، إن “ما نشر في مواقع التواصل الاجتماعي من تسرب أسئلة امتحان البكالوريا للصفوف السادس هو عار عن الصحة، وان ما نشر على هذه المواقع هي أسئلة تعود للامتحان التمهيدي للطلاب الخارجيين الذي جرى قبل شهرين”.
وتابع الوزير أن “أسئلة امتحان البكالوريا نشرت في الساعة التاسعة إلا عشر دقائق صباحا، هذه لا تخيف الوزارة باعتبار أن جميع الطلاب هم في قاعات الامتحانات بالفعل في هذا التوقيت”.
وزارة الاتصالات رفضت في البدء طلبا بقطع خدمة الإنترنت تقدمت به وزارة التربية للفترة من الخامسة وحتى الثامنة صباحا، لكن وزير التربية محمد إقبال تقدم بالطلب إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء لغرض مخاطبة الاتصالات بقطع الخدمة، التي بدورها لم تجد مبرراً لرفض القرار، فقطعت الخدمة بالفعل.
سياحة قبل النتائج
انتهى موسم ساخن وثقيل عاشه طلبة العراق في قاعات الامتحان التي افتقرت إلى أبسط شروط “المكان الملائم”، والجميع ينتظر أن يعرف نتيجة هذا العمل الشاق، وفضل أن يقضي الانتظار في السياحة.
شركات السياحة بدأت تتحرك بقوة وتنشر عروضها على الطلبة وتضع أسعاراً تنافسية للسياح وللمجاميع السياحية التي تغادر مبكراً وتمنحهم خصومات وأسعاراً تنافسية وتحثهم على حجز رحلاتهم قبل انتهاء صلاحية العرض وهو ما شجع الكثيرين على السفر في وقت مبكر بعد الامتحانات مباشرة، من دون انتظار النتيجة التي ستحدد المصير.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.