الاغراق السلعي يغيِّب الإنتاج الوطني عن الأسواق المحلية

بغداد – بشير خزعل
لفترة قريبة جدا، كانت شاحنات وسيارات حمل صغيرة تابعة لوزارة الصناعة تجوب الشوارع وتقف عند مداخل الأسواق وفي بعض الأحياء المكتظة بالسكان وهي تحمل منتجات ألبان معمل أبو غريب المتنوعة، فيما تقف عربات وشاحنات أخرى قرب معمل الزيوت النباتية لتبيع مساحيق التنظيف السائلة بعبوات وأحجام مختلفة، فيما تذهب الصناعات الجلدية الى عرض إنتاجها في محال وأسواق الملابس ولدى (بسطيات) الباعة المتجولين، أما الصناعات الإنشائية التي كانت تسد حاجة الأسواق المحلية وتتفوق في جودتها على باقي الصناعات الأجنبية الأخرى فقد تقلص إنتاجها والقليل منها ما زال يحاول أن يجاري موجة الاستيراد التي أوقفت عجلة الصناعة الوطنية بشكل مخيف، في حين توقفت أغلب معامل الخياطة عن العمل بعد أن أصبح السوق العراقي بورصة لتصريف الإنتاج الأجنبي لأكثر من عشرين دولة.
ثقافة الاستهلاك
في مجتمعنا العراقي أصبح الميل للاستهلاك في حدوده القصوى، كما غاب الادخار كثقافة لدى فئات وشرائح واسعة كانت تعلم أبناءها معنى الاقتصاد في أبسط مفاهيمه الاجتماعية، وفي الوقت الذي تتوقف فيه أغلب مصانعنا الوطنية عن الإنتاج، أدمن العراقيون على ابتداع طرق مختلفة للاستهلاك، الأمر الذي سهل مهمة البلدان المنتجة في تصريف إنتاجها في أسواقنا المحلية وبمبالغ تصل الى مليارات الدولارات سنويا.

نسبة

في سوق الباب المعظم الذي يشهد اكتظاظا مستمرا بالمارة من طلبة الكليات والمدارس والمتبضعين، لا تجد لدى أغلب المحال في هذا السوق سوى البضائع والأغذية المستوردة، باستثناء اللحوم العراقية في محال القصابة، وهي الأخرى تشهد منافسة من منتجات مصنعة أجنبية أرخص منها بأكثر من الضعفين، منعم عبد الواحد (34) عاما صاحب محل لبيع المواد الغذائية أشار الى: «اعتماد أصحاب الأسواق والمحال على البضائع والمنتجات الأجنبية بشكل كبير يصل الى 90 بالمئة، فيما تبيع بعض المحال المنتجات العراقية التي يكون سعرها غاليا، ولا يميل اليها المستهلك ما عدا بعض الزبائن القلائل ممن يفضلون الإنتاج العراقي، فأغلب منتجات الأجبان واللحوم والصناعات الغذائية هي من مناشئ تركية وإيرانية ولبنانية وأردنية ودول الخليج وبلدان آسيوية وأوروبية، لكن أكثر الصناعات تنافسا في الأسواق العراقية هي المنتجات الإيرانية والتركية.
وبين منعم أن «الأسواق العراقية أصبحت تعتمد بشكل أساسي على منتوجات الألبان والسلع الاستهلاكية وباقي الصناعات الغذائية من هاتين الدولتين، في حين تستورد بعض المحاصيل الزراعية والفواكه والخضراوات من الأردن ولبنان وبعض دول الخليج».

مستهلك

أحد المتبضعين في السوق بين الأسباب التي تدعو المستهلك العراقي للاعتماد على الإنتاج الأجنبي، إذ يقول حيدر عبد الحسن (موظف حكومي): «أنا أتبضع بشكل يومي من هذا السوق، ولم أجد أن الصناعات أو البضائع العراقية تنافس أو تتصدر المعروض في الأسواق، فوجودها نادر أو لا يرقى الى مستوى المستورد، ولا نعرف سبب غياب منتجاتنا الغذائية المعروفة عن الأسواق، فالبعض يدعي بأن أغلب المعامل أصبحت تتحمل تكاليف إنتاج باهظة ولا تستطيع منافسة المعروض من المستورد»، ثم تساءل عبد الحسن: لماذا لا تدعم الدولة مثل هذه الصناعات وتدعم معامل القطاع الخاص المنتجة؟ ألم يفكر خبراء الاقتصاد بحجم المبالغ الطائلة التي تنفق لاستيراد محاصيل زراعية ومنتجات غذائية كان العراق يصدرها في ما مضى الى الخارج كفائض إنتاجي؟».

توفير أو انهيار

الدكتور عصام المحاويلي – أكاديمي اقتصادي- دعا «الى الإفادة من المنتج المحلي وتوفير الأموال الضخمة التي تذهب الى استيراد مواد مماثلة تمتاز بالرداءة والرخص»، مؤكدا أهمية الإسراع بإصدار قوانين لحماية المنتج المحلي وتفعيل التعرفة الجمركية وضرورة تعاون الوزارات الأخرى مع شركات وزارة الصناعة والمعادن في تسويق منتجاتها وإيصالها الى المحال والأسواق الداخلية وتوزيعها بين عموم المحافظات».
مشيرا الى أن «الإنتاج المحلي يواجه صعوبة في التسويق لأسباب عائدة الى قلة التخصيصات المالية أو لقلة خبرة الملاكات المسؤولة عن التسويق أو ربما لقلة الآليات المخصصة لنقل الإنتاج أو شح المنافذ التسويقية»، مبينا ان كل هذه الأمور يمكن حلها والتغلب عليها بغية إيصال المنتج الوطني الى المحال التجارية ومن ثم إلى المستهلكين».
واضاف: «هناك حملة تبناها ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، دعت بالتزامن مع حملة أطلقتها وزارة الصناعة والمعادن، الى شراء ودعم المنتج الوطني وتفضيله على نظيره المستورد، كون عملية شراء المنتج الوطني تدعم دورة رأس المال في الداخل بدلا من خروج العملة الصعبة من العراق وتحويلها لمواد استهلاكية سيقود استمرار استيرادها إلى انهيار اقتصاد البلد».
ولفت المحاويلي الى «ضرورة تدعيم عمل القطاعين الخاص والعام الإنتاجيين من خلال تفعيل العمل بالتعرفة الجمركية، ما من شأنه الإسهام في توفير الحماية للمنتج الوطني سواء الصناعي أو الزراعي ليغطي الطلب المحلي سواء كان جزئيا أو كليا ومن القطاعين العام و الخاص».
وألمح الأكاديمي الاقتصادي «الى ضرورة الإسراع والتنسيق بين الوزارات لغرض إعداد دراسة دقيقة عن حاجة واستيعاب السوق من المواد التي تقع ضمن اختصاصها لغرض موازنة الاستيراد والإنتاج الوطني وتطبيق قانون حماية المنتجات العراقية رقم 11 لسنة 2010 في هذا الخصوص ومن خلال التنسيق بين وزارة الزراعة والتجارة في ما يتعلق باستيراد المواد الغذائية والزراعية بوصفها الجهة القطاعية المسؤولة ولديها إحصاءات عن الإنتاج المحلي فضلا عن «روزنامة» زراعية تمنع بموجبها استيراد بعض المواد التي تنتج محليا».

خصخصة

الخبيرة الاقتصادية الدكتورة إكرام عبد العزيز – عضو الهيئة الإدارية لجمعية الاقتصاديين العراقيين- بينت «أن الاقتصاد العراقي مبني على مورد ناضب هو النفط ولا بد من الخصخصة كتوجه من توجهات الإصلاح التي انتهجتها الدول المتطورة اقتصاديا كبريطانيا وأميركا لسنوات خلت، فالخصخصة هي إعطاء سلطة أوسع وأكبر للقطاع الخاص في الإفادة من ممتلكات القطاع العام ومن الممكن أن تكون الخصخصة في السياحة أو الأسواق المركزية، ويفترض أن تضع الإدارة نصب عينيها كفاءة الأداء ولكونها قطاعاً خاصاً فهو يبحث دائما عن الأفضل»، لافتة الى «الجانب الآخر للخصخصة، محذرة من أن يكون الهدف تصفية ممتلكات القطاع العام، مطالبة بوقفة مهمة إزاء هذا الطرح وضرورة أن تجعل العاملين في المصانع والمعامل شركاءً حينما تطرح الأسهم والسندات الخاصة في المصانع.
موضحة: «ما يهمنا من الخصخصة وضع العراق الحالي والحفاظ على جانب من الشركات التي كانت منتجة ومدرة للدخل وملبية لحاجة السوق المحلية كمعامل الاسمنت والانشائية والصناعات الدوائية والنسيجية ومعامل الجلود التي كانت تصدر الى الخارج لجودتها».
ورأت عبد العزيز «أن يصار الى الإفادة من التكنولوجيا والخبرات ورؤوس الأموال لكي تسهم في إحياء الشركات أو إعادة تأهيلها لتكون منتجة بشكل فاعل وكفوء يحقق عوائد مربحة للمنتجين»، واضافت: «على الحكومة أن تواكب احتواء الشركات الإنتاجية، فبعضها يحتاج الى دعم بسيط لتجديد خطوط الإنتاج وتهيئة بعض المواد الأولية، وأعتقد أن الحكومة راغبة في تحقيق هذا التوجه لأنه يوفر لنا الإيرادات المالية ويلبي جانباً من حاجة السوق المحلية».

غرق انتقائي

ودعت عبد العزيز «الى تصفية ممتلكات القطاع العام المتمثلة بالأصول الإنتاجية التي يمكن أن تعاود الإنتاج إذا ما أحيطت بجانب من الرعاية والعناية وهو موضوع على قدر من الأهمية، لأن الخصخصة ليست بالضرورة أن تكون تصفية، بل بناء، فالخسارة التي لا يمكن أن نترجى منها خيرا هي التي يتم تقييمها من قبل مختصين عبر جدواها الاقتصادية وما يمكن أن يتولد عنها من إيراد يؤدي الى تصفيتها، فهناك شركات يمكن تفعيلها وإبقاؤها تحت مظلة القطاع العام».
مشيرة الى أن «العراق يواجه إغراقا سلعيا لا يمكن إيقافه، بل الحد منه في ظل عدم مرونة الجهاز الإنتاجي للعراق الذي لا يمكن أن ينتج سلعا الآن؟ لكن هذا الاستيراد ممكن أن يكون انتقائياً بالشكل الذي لا يضر بمصلحة القطاع الخاص العراقي».

لا أحد يفقه

هادي هنداس – عضو منتدى بغداد الاقتصادي- بين «ان القطاع الزراعي يعد نفطا دائما ولدى العراق من الأراضي الصالحة للزراعة ما يكفي لتغطية الحاجة المحلية بل يتجاوز ذلك ويكون هناك فائض كبير في أوقات الذروة»، مشيرا الى ضرورة أن يعتمد العراق سياسة زراعية هادفة الى تطوير زراعة جميع المحاصيل خصوصا الستراتيجية، لافتا الى أهمية استثمار القدرات التي يملكها العراق لتحقيق الاكتفاء الذاتي والاستغناء عن توريد المحاصيل الزراعية من الدول الإقليمية والعالمية».
وأكد «ضرورة العمل على البدء بتنمية القطاع الزراعي من خلال وضع سياسة استيرادية تراعي ما ينتج محليا وعدم إغراق الأسواق بالمحاصيل على حساب المنتج المحلي، خصوصا بعد أن توقف الكثير من المزارعين عن العمل بسبب عدم القدرة على منافسة المستورد الذي يعرض بأسعار زهيدة لا تغطي كلف الإنتاج ولا أحد يفقه السبب وراء ذلك».ولفت الى أن «العراق يملك خبرات كبيرة في الميدان الزراعي وله القدرة على تفعيل الإنتاج الزراعي الذي يكفي السوق المحلية والأسواق المجاورة إذا استخدم أساليب الزراعة المتطورة واستثمر المياه العذبة التي يملكها في جميع مناطقه».
وطالب بأن «تضاعف وزارة الزراعة والاتحاد العام للجمعيات الفلاحية جهودهما من أجل تذليل المشاكل التي أرهقت القطاع الزراعي والوقوف عند المطالب الأساسية للمزارع في محاولة لعودة الحياة لملايين الدونمات الزراعية التي توقفت عن الإنتاج بسبب عدم القدرة على منافسة المستورد»، مضيفا: «يخسر العراق مليارات الدولارات سنويا على استيراد منتجات زراعية بشقيها النباتي والحيواني التي يمكن إنتاجها محليا واستثمار تلك المبالغ في مشاريع تنموية تسهم في تحقيق جدوى اقتصادية كبيرة للعراق، من خلال جعل تدوير رأس المال يتم في داخل البلد».

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.