الأميّة.. تفتك بأبناء الحضارة الذين اخترعوا الكتابة

بغداد – يوسف المحمداوي
أسئلة كبيرة من ولادة الدهشة والاستغراب حين يصيبك الإحباط والخوف من المقبل تفرزها مشاهد ومواقف تعيشها وتشعر بها مرغما، فحالة الشاب الواقف أمام إحدى الصيدليات في شارع السعدون، تبعث على الأسى وهو يسألك عن عنوان الصيدلية التي يقف قبالتها والسبب لكون هذا الشاب الذي تصورته أحد طلبة الجامعة لا يقرأ ولا يكتب، وشبيه هذا المشهد
المحزن عشته مع شاب آخر يعمل سائقا لسيارة أجرة، حين أعطاني هاتفه الخلوي وطلب مني إخباره بمحتوى الرسالة التي
وردته، والحمد لله كان مفادها غير سري كون الأهل يطلبون
منه شراء الصمون بعد عودته من العمل، وحين سألته ممازحا
(لو كانت زوجتك أو حبيبتك وتطلب منك أشياءً خاصة كيف
تجعل الغرباء يطلّعون على أسرارك، فلماذا لا تتعلم القراءة؟) فكان جوابه كما هو متوقع من أمثاله (ملتهين بهالعيشة، وما تكلي شحصلوا أهل الشهايد)، ولا تستغرب أن تأتيك رسالة صوتية من صديق أو قريب لك على «الفيس بوك» ومبررها لأنه لا يجيد كتابة الرسائل، وسؤالنا الكبير هل نحن سائرون صوب محو أو نحو الأميّة؟نسبتها 20 بالمئة في العراق
يقول الباحث التربوي ناصر جودة والذي سبق وان عمل مديرا لأحد مراكز محو الأمية: «إن تفشي الظاهرة لا يقتصر على العراق وإنما في أغلب دول العالم، وخاصة في البلدان الفقيرة، ففي آخر تقرير لمنظمة اليونسكو كما يقول جودة إن عدد الأشخاص الذين يعانون من الأمية في العالم وصل الى (781) مليون نسمة، ونسبة الاناث من هذا العدد تجاوزت 59 بالمئة»، مبينا أن «حصة العالم العربي من تلك النسبة ان هناك أميا واحدا من بين كل خمسة أشخاص بحسب تقرير المنظمة كما يضيف جودة».
وبين ان «موريتانيا لها حصة الأسد بعدد الأميين بنسبة 48 بالمئة، في حين لدولة قطر النسبة الأدنى بـ 3 بالمئة، أما بلدنا فالنسبة فيه كإحصائية حكومية من قبل وزارة التخطيط 20 بالمئة ويأتي بالمركز السابع بين الدول العربية، وبلغت نسبة الأمية في العراق عام 1977 نحو 53 بالمئة، بحسب ما أعلنت عنه وثائق رسمية لوزارة التخطيط، لكن هذه النسبة تراجعت إلى 27 بالمئة العام 1987 بعد صدور قرار الحملة الوطنية لمحو الأمية الإلزامي. وعلى الرغم من كون الباحث يراها أكثر، لكنه يشير الى أن مجلس النواب العراقي شرع قانونا لمحو الأمية في العام 2011، وتمخض عنه تشكيل هيئة لتنفيذ الحملة الوطنية لمحو الأمية، وخصصت لها المبالغ الكافية للفترة الزمنية من 2011 – 2015، وكانت نسبة الأمية في ذلك الوقت 19 بالمئة، ولكن التلكؤ في وصول الأموال وتقليصها جعل المشروع ينهار وبالتالي اليوم هناك ستة ملايين أمي في العراق، إذا ما صح تقرير وزارة التخطيط بأنها 20بالمئة بحسب قوله».

منظمة (الايسيسكو) والحلول

محمد العزاوي عضو في منطمة «الايسيسكو» وهي المتخصصة بمكافحة الأمية بين أن «العراق عضو فيها منذ العام 1982، كون ميثاق المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ينص على أن كلَّ دولة عضو في منظمة التعاون الإسلامي، تصبح عضواً في «الإيسيسكو» بعد توقيعها رسمياً على الميثاق، وبعد استكمال الإجراءات القانونية والتشريعية لقرار الانضمام وإشعار الإدارة العامة للإيسيسكو بذلك خطياً»، موضحا انه لا يحق لأي دولة غير عضو أو غير مراقب في منظمة المؤتمر الإسلامي، أن تكون عضواً بالإيسيسكو، وقد بلغ عدد الدول الأعضاء في المنظمة الإسلامية حتى الآن 51 دولة من مجموع الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي البالغ عددها (57) دولة».
وأشار العزاوي الى أن «بيان منظمة (ايسيسكو) بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على الأمية، أن معدل الأمية في دول العالم انتقل من 18 بالمئة سنة 2000، إلى 14 بالمئة سنة 2015»، منوها: «بالرغم من التقدم االذي أحرز في مجال تكافؤ الفرص بين الجنسين في مجال محو الأمية خلال الفترة من 2000 إلى 2015، فإن النساء ما زلن يشكلن النسبة الأعلى من السكان الأميين».
ودعت الإيسيسكو إلى مواصلة الجهود في تنفيذ برامج مبتكرة لمحو الأمية، بما يتلاءم مع الاحتياجات الخاصة للإناث في المناطق الريفية وضواحي المدن، وخاصة في المناطق والمخيمات التي تسكنها العائلات النازحة على حد وصفه.

أولوياتنا فرض الأمن

لا شك ان الزيادة السكانية أسهمت بشكل رئيس في رفع نسبة هذا المرض الذي نخر جسد شريحة واسعة من مجتمعنا وعلاجه يكمن بقوة إرادة البعض مهما تقدم بهم العمر كما يقول المواطن علي سعد الذي له تجربة طويلة مع مراكز محو الأمية، قائلا: «إنه دخل المركز من أجل الخلاص من الأميّة التي حرمته العديد من أساليب الحياة، وبالأخص كما يقول قراءة القرآن الكريم، وبالفعل استطعت ذلك واليوم أنا وبفخر أقولها أطالع الصحف وأتابع الأخبار وأتحدث مع الأهل والأصدقاء من خلال شبكات التواصل الاجتماعي»، موضحا أنه «تعلم اللغة قراءة وكتابة في ثمانينيات القرن الماضي».
متمنيا أن تكون مراكز محو الأمية اليوم كما هو في السابق من حيث الاهتمام بالساعين الى التعلم على الرغم من عدم إيمانه بذلك، لكون البلد والكلام لمحدثنا يمر بظروف غير طبيعية في جميع مفردات الحياة، فهو يعاني اقتصاديا وهذا ما يجعل الاهتمام بمثل هذه الأمور خارج اهتمامات الحكومة، لكونها تريد أن تحافظ على المواطن من الإرهاب وتحرير مدننا من الدواعش، وتوفير المال الذي ينعش وضع المواطن الاقتصادي، خاصة وان أسعار النفط في تدهور كبير حرم الجميع من التمتع بالحياة الرغيدة».
مضيفا ان المطالبة بالاهتمام بتلك المراكز وإنعاشها في الوقت الحاضر يعد من الأشياء المستحيلة، وكان من المفترض الاهتمام به حين كان سعر النفط مرتفعا وكان بالإمكان بناء العراق كدولة عصرية، لكن للفساد الذي تفشى في أغلب مؤسسات الدولة أحكام جعلتنا نعاني اليوم بحسب قول سعد.

غياب الدعم المالي

المحاضر السابق في أحد مراكز محو الأمية في حي طارق زيد خلف أوضح أن «الحكومة وبعد التغيير كانت ساعية وبجد لمكافحة هذه الآفة التي لا تقل ضررا عن الإرهاب، والدليل على ذلك ان مجلس النواب العراقي في العام 2011 أقر قانون محو الأمية الذي حدد المشمولين من أعمار 15 سنة وما فوق من الذين لا يجيدون القراءة والكتابة، وحددت لهذا المشروع أموال ضخمة، ولم تشمل المحاضرين بمرتبات شهرية فقط بل شملت حتى الدارسين بمرتبات شهرية تشجيعية لدفعهم للدراسة».
موضحا ان الحكومة سعت الى تعيين المحاضرين بعقود، وان كانت مرتبات الدارسين لا تتجاوز الـ(40) ألف دينار والمحاضرين (100) الف دينار، لكنها مع تدهور الأوضاع في البلد أصبحت تلك المرتبات تأتي شهرا وتغيب أشهر، ناهيك عن غياب أبسط البنى التحتية في المدارس المخصصة لتلك المراكز، بل إن بعضها قد هدّم تماما، وهذا ما دفع الدارسين الى تركها نهائيا لعدم توفر أبسط مقومات تعلمهم.
وأضاف خلف: «إن التهجير القسري لسكان العديد من مدننا زاد الطين بلة، وكان من الطبيعي جدا ازدياد نسبة الأميين في العراق، وزيادتهم بحسب قوله هو تنشيط لمظاهر الفقر والجهل والمرض والعنف والتطرف الديني الذي استغله الإرهابيون لخداع وإيهام المواطنين البسطاء».

دعوة الرئيس معصوم

ما يؤكد خطورة الوضع وشيوع الأمية في شريحة واسعة من المجتمع هو دعوة رئيس الجمهورية فؤاد معصوم لوزارة التربية الى فتح المزيد من المراكز التعليمية للنازحين وسكان المناطق الريفية في إطار حملة وطنية لمكافحة الأمية تعيد العراق الى مكانته الرائدة بين دول العالم في هذا المجال، وأكد معصوم بحسب بيان رئاسي بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الأمية ان: «الارتفاع الملحوظ الذي سجلته نسبة الأمية بالعراق في العقدين الأخيرين نتيجة سنوات الحروب والحصار التي عاناها شعبنا، يمثل خطرا على أمنه وتطوره الاقتصادي والاجتماعي».
مشيرا الى أن «ارتفاع الأمية في العراق حاليا الى ضعف المتوسّط على المستوى الدولي يساعد في انتشار الجهل والفقر والبطالة والعنف والتطرف»، ودعا معصوم الوزارات المعنية بالتعليم والتربية والصحة والمرأة الى فتح المزيد من المراكز التأهيلية للنازحين في أماكن نزوحهم بما فيها إقليم كردستان من أجل عدم حرمانهم من فرصة التعلم والمعرفة واستكمال المستلزمات المطلوبة لبدء العمل لتعليم سكان المناطق الريفية والنائية لا سيما النساء والفتيات. مشددا على الحاجة الملحة لمعالجة التحديات الناجمة عن نقص التعليم المدرسي في المناطق التي تعاني من ذلك، داعيا منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو» الى دعم العراق في هذا المجال.
وفي السياق نفسه أكد وزير التربية الدكتور محمد إقبال أن «الخطة الوطنية للهيئة العليا لمحو الأمية تسير بنجاح وتحقق الأهداف المرجوة منها رغم المعوقات التي تواجهها»، وذكر إقبال في تصريح صحفي سابق صدر عن مكتبه الإعلامي الخاص، إن الاجتماع السابع للهيئة قرر استمرار توجه الوزارة بمكافحة حالة الأمية والجهل في العراق حتى إنهائها، مبيناً أن «الأمية تمثل أكبر مورد للتطرف والعنف اللذين يجدان في الجهل بيئة محفزة».

تظاهرات للمحاضرين

هذه التصريحات المطمئنة من قبل المسؤولين رافقتها تظاهرات وتصريحات متناقضة من قبل المحاضرين في هذه الحملة، فقد كشفت أغلب المحافظات عن تراجع الإقبال على المراكز بنسب تصل في بعضها الى نسبة 50 بالمئة، والسبب كما يقول أغلبهم جراء عدم تستلم الدارسين لمستحقاتهم المالية وغياب الرعاية الحكومية، وهذا ما انعكس بالسلب على التجاوب مع الحضور.
وقال مسؤول تربوي في ديالى: «إن عدد الدارسين بمحو الأمية في ديالى انخفض بنسبة 30 بالمئة بسبب تلكؤ التربية في دفع مستحقاتهم، ما انعكس سلبا على الالتزام بالحضور في المرحلة التكميلية.
وأكد المصدر الذي فضل عدم الإشارة الى اسمه لأنه غير مخول بالتصريح، أن المرحلة الأساسية لمحو الأمية العام الماضي شهدت إقبالا وتفاعلا كبيرين أسهما في نجاح المرحلة الأولى الأساسية من الحملة. وطالب بإنقاذ برنامج محو الأمية بديالى ودفع مستحقات الدارسين والمحاضرين وتأمين مراكز محو الأمية من تهديدات «الإرهاب» لضمان ديمومة البرنامج وأهدافه في الحد من الأمية».
وانطلقت عدة تظاهرات للمحاضرين من محافظات الجنوب مطالبين بتعيينهم بعد أن أمضوا أكثر من ثلاثة أعوام يحاضرون مجانا، لعدم توفر أموال مخصصة لهم، وهذا ما أكده الجهاز التنفيذي للهيئة العليا لمحو الأمية التابع لوزارة التربية قائلا: إن «الهيئة لم تتسلم أية تخصيصات مالية من وزارة المالية لصرفها كمستحقات للمحاضرين في مراكز محو الأمية»، موضحا أن الجهاز التنفيذي لم يصدر أوامر إدارية لأي محاضر يلقي محاضرات في مراكز الأمية»، عادا ما تناقلته بعض وسائل الإعلام بشأن إصدار أوامر إدارية لتعيين محاضرين على الملاك الدائم للهيئة، أمرا عاريا عن الصحة».

بغداد تتصدر المدن

آخر دراسات اليونسكو تشير الى عدم وجود إحصاءات ثابتة عن نسبة محو الأمية في العراق في الوقت الحالي والبيانات المتوافرة تشير إلى أن نسبة التعلم الإجمالية في العراق تقارب الـ80 بالمئة مع نسبة أمية تتراوح بين 18 – 20 بالمئة، وتقدر الأمية بين النساء بـ 26.4 بالمئة مقارنة بـ 11.6 بالمئة بين الرجال، كما أن المجتمعات الريفية تأثرت بالأمية بشكل أكبر من المجتمعات الحضرية رغم أن نسبة النساء الأميات في كلا المجتمعين هي أكثر من نسبة الرجال الأميين.
وأشارت وزارة التربية من جهتها الى أن بغداد تتصدر المحافظات العراقية بنسبة 2.5 مليون أمي ومن ثم السليمانية وذي قار.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.