الأرامل.. رهينات خلف القضبان الاجتماعية

بغداد – هدى العزاوي
لربما ظن بعض من سمع بقصة أم أسيل انها تعاني من لوثة عقلية أو عاطفية، فلم يكن احد يصدق ان هذه المرأة الأربعينية قد توجهت إلى مقبرة وادي السلام بالنجف الأشرف فجر يوم زفاف ابنتها الوسطى. وبدلا من ان تعود عند الظهيرة وهي محملة بالزهور وبعلب الحلوى، عادت محمرة العينين، منهوكة القوى، مصفرة الوجه، نتيجة التعب والإرهاق.
وتقول أم أسيل انها ذهبت لدعوة زوجها المتوفى قبل عدة سنوات لحضور زفاف ابنته، وانها نادته بعلو صوتها المختلط بشهقات البكاء وزفير الحسرات، عسى ان ينهض من قبره فيعود معها.
وتضيف أم اسيل وعيناها تلتمعان بالدموع: “لقد دعوت في وقت سابق زوجي لحضور زفاف ابنته الكبرى، وها انا أدعوه لحضور زفاف الثانية، فقد كان كل أمله ان يرى زفاف بناته، لكن مخالب المنية عجلت بقطف زهرة حياته مبكرا”.
لكل ارملة قصة، وربما عشرات القصص. قصص خطت كلماتها بدموع النساء والأطفال، وتشعبت فصولها نتيجة الظلم الاجتماعي، وتصاعدت آهات أحزانها من فرط قسوة سوء المعيشة، وانقلاب الحال، وفقدان المعيل والراعي والحامي.
إغفال واضح

ويقول المستشار القانوني رامي احمد الغالبي إن “هذه الشريحة بدأت تشكل رقما مهما في معادلة المجتمع العراقي، غير ان هناك اغفالا واضحا من المشرع العراقي فبالنسبة للمادة (50) من قانون الأحوال الشخصية العراقي النافذ في شطرها الأخير، ذهب المشرع إلى عدم استحقاق معتدة الوفاة للنفقة، والنفقة بموجب الفقرة الثانية من المادة (24) من القانون ذاته تشمل الطعام والسُكنى والكسوة، وعليه فإن معتدة الوفاة وفقاً لقانون الأحوال الشخصية العراقي ليس لها حق السُكن في مسكن الزوجية سواء أكان ملكاً للزوج ام مستأجراً ودفع الزوج اجرته قبل وفاته وللورثة حق اخراجها منه، لذلك نطالب بتعديل هذه المواد لتتلاءم اليوم مع قوافل الشهداء الذين قدموا ما قدموا من تضحياتٍ مخلفين وراءهم مئات الأرامل والأيتام”.
وتقول أسيل الأبنة الكبرى: “بقيت والدتي تتعامل مع والدي الفقيد كإنسان حي، فقد احتفظت بجميع مقتنياته، ولم تفرط بأي منها، ورفضت ان ننزل صورته المعلقة على جدار غرفة الضيوف على الرغم مما كانت تثيره فينا من مشاعر حزن وألم، بل كانت في بعض الأحيان تشكو للصورة ما تعانيه وعيناها مبللتان بالدموع، كما كانت تحرص على إعداد كل وجبات الطعام التي كان يفضلها”.
وتضيف أسيل وهي تكاد ان تجهش بالبكاء: “وكانت والدتي التي لا تزال تعمل “عاملة خدمة” في إحدى المؤسسات التربوية غالبا ما تستذكر ليلة زفافها، فتعود بذاكرتها الى تلك الليلة البهية حسب وصفها، وتتحدث عن الشموع الفواحة بالعطر، ووجوه الاقارب والاصدقاء وهي تلتمع بالبهجة والفرح، والموسيقى التي تخفق معها دفقات الروح لتتخلص من أحزانها، وتصف باقات الورود الجميلة الموزعة بين الامكنة، وتبتسم لمنظر الأطفال وهم يتواثبون في ليلة زفافها لالتقاط قطع الحلوى التي كان ينثرها المهنئون”.
العرف الاجتماعي

ويقول الدكتور محمد عبد الحسن الاستاذ في علم الاجتماع: “في الماضي عندما كان القدر يكتب على المرأة ان تكون ارملة، فان العرف الاجتماعي، يفرض كفالتها على اعتبار ان جوعها او عريها، او حاجتها يعد عاراً على القبيلة او العشيرة التي تنتمي اليها، ولذلك يتبرع احد الاقارب كأن يكون اخ الزوج المتوفي، او ابناء عمومته، للزواج من هذه الارملة حفاظا على كرامة المرأة والعشيرة او العائلة وكذلك الاولاد بوصفهم مصدر قوة وعزة للعشيرة حتى لو كانوا في كنف شخصية بعيدة عن الوسط العشائري، وهذا يعني ان هناك احتمال الاستهانة بالعشيرة، بالقول: بأن ابناءها يربيهم الغرباء، فالعصبة والعصبية تحتمان ضمان الحد الادنى لمعيشة هذه المرأة، وبذلك يحاول اقارب الزوج الحفاظ على الابناء بوصفهم ابناء العائلة او العشيرة”.
وتوضح أم أسيل أسباب تعلقها بزوجها الفقيد فتقول: “على مدار سنوات لم ينقطع سيل كلمات المحبة فهي بحق الألفة فيما بيننا، وقد كان الفقيد يتحمل كل المشاق والمتاعب من أجل راحتنا، وبالرغم من انه كان يعمل حارسا في احدى المولدات الاهلية الا انه لم يتوان عن تلبية طلباتنا وارضائنا بكل الوسائل والسبل، وقد تركني متعبة أحارب وحيدة من أجل البقاء في مجتمع عجز عن النهوض بواقع الأرامل”.
خيارات مفتوحة

ويحذر المستشار القانوني رامي الغالبي من استغلال هذه الشريحة استغلالا يخالف الشريعة والقانون, وان جميع الخيارات مفتوحة لدى المتضررين ماديا ومعنويا من الأرامل والايتام، وهذا ما يدفع الأم لبيع أبنائها بسبب العوز, كذلك التجاء بعض الفتيات إلى طرق الرذيلة بأشكالها المختلفة نتيجة العوز والفقر، فضلاً عن التوجه لبيع الاعضاء البشرية بسبب الحالات المادية المتردية جدا التي تعيشها هذه الشريحة، فضغط الحاجة قد يدفع بالأرملة الى كل ما يخالف الشريعة والقانون.
وتضيف أم اسيل بحسرة وألم: “كثير من الاسر التي تزوج إبنتها لا تفكر اطلاقا بعودتها الى بيت العائلة الا كزائرة او ضيفة مهما كانت الاسباب، لأن الانفاق على الاخت او البنت الارملة يعد نوعا من العبء الاضافي، وهذا ما دفعني الى العمل وانا في فترة العدة خوفا من محاولة احدهم توبيخ بناتي كونهن (تربية أرملة) كما يقال في العرف السائد، لذلك كنت لهم الاب والام في ظل الرعاية الاقتصادية والاجتماعية الهشة التي توفرها الدولة للارامل والايتام، ومع ازدياد مشكلة الارامل وتعقيداتها نتيجة الظروف غير الاعتيادية التي يمر بها البلد حاليا والمتمثلة بغلاء الاسعار وحالة التقشف، وامور كثيرة اخرى ضاغطة على الاسرة العراقية بصورة عامة”.
حلول ومقترحات

ويشير السيد فالح الموسوي الى: ان نظرة المجتمع للارملة تختلف جملة وتفصيلا عن نظرة الاسلام، فلا يوجد فرق من ناحية الكفاءة او المهور ولا بالنسبة للحقوق، فالزوجة ان كانت ارملة او باكرا هي امرأة ذات كيان محترم، ودليل على ذلك ان زوجات الرسول (ص) كان اكثرهن من الارامل، وان في ستر الارامل من الاجر والمثوبة من الله ما لا يحصى عددا منها الاعالة الاقتصادية وكفالة الايتام ويقول النبي (ص) “انا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين واشار الى سبابته والوسطى”، ويجب تفويت فرصة الحرام واستبدالها بالحلال وهو من مصاديق الصالحات التي حث عليها القرآن الكريم، وايضا ايجاد مناخ متماسك للمجتمع قوامه الترابط الاسري ليقلل نسب العنوسة وهو ما قال عنه النبي (ص) “تناكحوا تناسلوا فاني مباه بكم
الامم”.
ويقول المستشار القانوني رامي الغالبي: “ان الحلول المثلى للنهوض بهذه الشريحة والحفاظ عليها من الاستغلال هو قيام المشرع العراقي بتنظيم قانونٍ يرعى الأرامل والأيتام بشكلٍ حصريٍ وصريح، فضلا عن قيام منظمات المجتمع المدني بالتوجه إلى هذه الشريحة واستقطاب الكفاءات منها من اجل ادخالهن في عمل شريف يدر عليهن دخلا مناسبا يسد ثغرة العوز والحاجة، ومنع كل استغلالٍ للأرامل والايتام من قبل ذوي النفوس الضعيفة، ووضع ضوابط للعمل لاسيما في القطاعات الاهلية، وكذلك فرض إلزامية التعليم للإناث لغاية نهاية مرحلة معينة بحيث تصبح قادرة على الإدراك العقلي السليم, فضلاً عن تثقيف وتوعية المرأة بالحقوق الانسانية والاجتماعية والاقتصادية التي كفلها الدستور.
نظرة المجتمع

وكانت وزيرة الدولة لشؤون المرأة بيان نوري قد أكدت في نهاية الشهر الماضي “ان النساء العراقيات يعشن اوضاعاً متردية جداً نتيجة الظروف الامنية والاقتصادية التي تمر بها البلاد”. واشارت نوري خلال مؤتمر صحافي الى ان عدد النساء الارامل والمطلقات تجاوز المليون امرأة، فيما يقدر عدد النساء النازحات بـ (1.5) مليون امرأة يعشن اوضاعا صعبة في اماكن نزوحهن.وتختتم أم أسيل حديثها بصوت تخنقه العبرات: “المجتمع لا يرحم المرأة التي تفقد زوجها وهي ما زالت شابة، لذلك يرى بعضهم انها عالة وجالبة للشؤم والشر، وكثيرا ما ينظر لها بعدم الارتياح وفقا لتصور خلاصته انها معرضة للاغواء وان فرص انحرافها قد تكون كبيرة، لذلك يبدأ المجتمع قبل الاهل بمتابعتها في كل تصرفاتها، لاسيما من جهة ممارستها لعمل يحقق لها الاكتفاء الذاتي، وكل هذا نابع من تصور غير دقيق مفاده ان الارملة (سهلة المنال)، ناهيك عن الوصاية التي تفرض عليها من قبل الاهل والاقارب بحجة تحقيق المزيد من الأمن والاستقرار بعد وفاة زوجها”.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.