اجتماعات البرلمان العراقي.. اشتباكات و “بوكسات” وشتائم

أسباب كثيرة تؤدي الى تلكؤ أداء البرلمان العراقي، من بينها تركيبته السياسية وتعدد ولاءات الأعضاء الأمر الذي يقود في الغالب الى التعارض في الأولويات، مما يشير الى أن النواب لا يلتزمون بالمبادئ الرئيسية، أو أنهم مدعومون ولا أحد يستطيع اختراق تحصيناتهم.

الشجار بالأيدي الذي وقع الثلاثاء الماضي خلال اجتماع مجلس النواب العراقي، ليس الأول ولا يبدو أنه سيكون الأخير، فقد اشتعلت وسائل الاعلام والمواقع الالكترونية والتواصل الاجتماعي بنشر خبر “العراك” الذي وقع بين النائب كاظم الصيادي، وعدد من أعضاء كتلة الاحرار، والذي تطور فيما بعد الى شجار بالايدي بين أعضاء في كتلة دولة القانون وآخرين في الأحرار.

وتعود أسباب الشجار الى أن الصيادي اعترض على آلية التصويت على تعيين محمد الدراجي وزيرا للصناعة بدلا من نصير العيساوي، ما دفع بعض أعضاء كتلة الأحرار إلى الرد عليه باللكمات.

ويعتبر انتخاب الجمعية الوطنية التي انبثقت عنها الحكومة العراقية الانتقالية عام 2003 اول عملية اقتراع يمارسها العراقيون بشكل حر، وجرى التصويت على الدستور العراقي الدائم في 15 أكتوبر 2005 والغرض من هذا الانتخاب كان اختيار 275 عضوا في البرلمان العراقي ليقوموا بدورهم بتشكيل حكومة تتولى السلطة لمدة أربع سنوات، وقد اجريت الانتخابات النيابية الثانية في العام2010 وتبعتها الانتخابات البرلمانية لدورة ثالثة في عام 2014 التي ارتفع عدد أعضائها الى 328 عضوا.

التركيبة السياسية

أسباب كثيرة تؤدي الى تلكؤ أداء البرلمان العراقي، من بينها تركيبته السياسية وتعدد ولاءات الأعضاء الأمر الذي يقود في الغالب الى التعارض في الأولويات، مما يشير الى أن النواب لا يلتزمون بالمبادئ الرئيسية، أو أنهم مدعومون ولا أحد يستطيع اختراق تحصيناتهم، من هنا فان الكاتب والمحلل السياسي العراقي المقيم في لندن الدكتور نضير الخزرجي يعتقد في حديثه لـ “المسلة” ان “مجلس النواب العراقي في دورته الحالية، في واقعه هو انعكاس لما يسميه البعض بالانقلاب السياسي على نتائج صناديق الإقتراع التي جرت في العام 2014م والتي أفرزت انتصار قائمة دولة القانون من جديد وبمقاعد أكثر من انتخابات عام 2010م”.

واستطرد الخزرجي قائلا: “المجلس الحالي لا يمثل في حقيقته واقع نتائج الإنتخابات التي يفترض أن تأتي بالمالكي في دورة ثالثة وبشكل طبيعي، وإنما هو صورة أخرى للتوافقات التي تجاوزت أصوات الناخبين وأفرغت صناديق الإنتخابات من محتواها”.

وبشأن مستقبل البرلمان، تابع قائلا: “في نهاية الأمر فإن المجلس الحالي هو صورة أخرى للواقع السياسي الشاذ، فالنتائج عادة تُعرف بمقدماتها، والمقدمات التي جاءت بحكومة الدكتور حيدر العبادي ومجلس النواب الحالي لا يمكنها أن تحصد نتائج طيبة، وقد شعر المتربصون بالعملية السياسية سوءاً من داخلها وخارجها من داخل القطر العراقي ومن خارجه، أن حكومة التوافق السياسي التي بنيت تحت شعار التغيير والمقبولية رغم أنف صناديق الإقتراع لا يمكنها أن تصمد طويلاً أمام التحديات الخطيرة، كما أن تيارات مجلس النواب ومكوناته، المجتمعة أجسامها والمختلفة قلوبها، غير قادرة على تمثيل الشعب العراقي”.
وحول البديل الذي يراه، قال الخزرجي: “خيبة الأمل هذه هي التي عززت من دور الحشد الشعبي الذي يرى فيه عموم الناس عربة انقاذ لواقع العراق ومستقبله، وما جرى في ديالى يوم 26/5/2015 وانتخاب محافظ جديد خلافاً للتوافقات السابقة، يعكس هذا الواقع الجديد المدعوم بزخم الحشد الشعبي”.

وربما هذا هو السبب الذي يدعو بعض أعضاء المجلس الى مهاجمة قوات الحشد الشعبي، فيرون أنه سحب البساط من تحتهم، وهو الذي يوجه الأمور بالطريقة التي تخم العراق وتضمن تحقيق الأهداف التي يتطلع لها كل العراقيين وكانت سببا في دعمهم للعملية السياسية والمشاركة الواسعة في عمليات الاستفتاء والانتخابات.

سجل حافل بالعراك

على الرغم من أن البرلمان العراقي انجز مهمات خطيرة وكان بمستوى المسؤولية في العديد من الظروف والمناسبات إلا أن توجيه اللكمات والشتائم ورمي الأحذية تشوه كل الانجازات التي حققها، ولا يزال المواطن العراقي يتذكر حادثة رمي النائب عالية نصيف زميلها النائب سلمان الجميلي بالحذاء، وفي تصريحات نسبتها بعض وسائل الاعلام عن نصيف أرجعت سبب رمي حذائها على الجميلي إلى أنه أطلق “ألفاظ نابية وكلمات بذيئة ضدها”، وقالت وقتها: “تحدثت في برنامج تلفزيوني مع إحدى الفضائيات عن أن النائبين حيدر الملا وسلمان الجميلي كانا يجبران النواب على عدم الدخول إلى قبة البرلمان للتصويت على الموازنة، وأن النائب قتيبة الجبوري اتصل بي بعد اللقاء التلفزيوني، وأخبرني أن الجميلي سيهاجمني” مشيرة إلى أن “الجميلي نفذ تهديده وتهجم بألفاظ نابية وكلمات بذيئة”.

وأعرب الاعلامي العراقي جمال الفضلي في حديثه لـ “المسلة” عن استغرابه من لجوء النواب الى أساليب معيبة نتيجة اختلافهم، وقال: “حينما يكون المرء متحليا بصفاته الانسانية يكون الاختلاف في الرأي سببا للحوار والتوصل الى حلول، والاختلاف امر طبيعي لامندوحة عنه، فيأتي دور التشاور لحل المشكلة كما قال تعالى “وامرهم شورى بينهم” لان البشر بطبيعة احوالهم يختلفون في النظرة للقضايا وسبل حلها، تبعا لاختلاف ثقافاتهم وعقائدهم ومتبنياتهم ومدارجهم العلمية، وتباين بيئاتهم وحواضنهم ومجالسهم ونواديهم وما يدور فيها، فتتكفل الشورى التي نطلق عليها اليوم بالبرلمان تقريب الآراء وتصحيح المفاهيم وتنضيج الافكار، لنقارب الحلول الناجعة”.

وبخصوص عراك يوم الثلاثاء، تابع الفضلي: “ما دار في مجلس نوابنا الموقر فيبدو انه ما زال يحمل تركة ماضي النظام المقبور، ولم يرقَ الى مستوى مسؤولية النهوض باعباء الشعب وبلوغ تطلعاته، عندما رفعنا شعار الديمقراطية او التعددية السياسية، فرحنا نقمع انفسنا ونجلد ارواحنا باسم النظام الجديد، فجسدنا عمليا المثل القائل “من شب على شيء شاب عليه”حنينا لماضينا غير المأسوف عليه الذي انقذنا الله منه”.

وتساءل “اذا كان حال نخبنا الممثلة للشعب على هذا المنوال، فماذا سيكون حال عامة الناس؟ وهل سنبقى نحنّ الى ليل الانظمة السابقة بعد ان منّ علينا الله تعالى بصبح جديد؟”.

وختم بالقول: “شعبنا الذي رزح تحت نير الغشوم سنين طوال، يحصد بيديه شوك الصبر ويتجرع مرارة العلقم ممن زعموا انهم ممثلوه، واسفا لمن نظر الحقائق وامسك بزمام القدرة على التغيير ثم لم يحرك ساكنا”.

في يوم 26/8/2013 نشرت وسائل الاعلام القصة التالية: “وقعت مشاجرة بعد أن القى النائب حيدر الملا بيانا طالب فيه بإزالة صور شخصية دينية من الشوارع والساحات العامة، فقام النائب كاظم الصيادي بصفع الملا وتشابكا بالأيدي، ثم سارع النائب رعد الدهلكي بالهجوم على الصيادي وانهال عليه باللكمات، واشترك في المشاجرة النائب سلمان الجميلي الذي وجه ضربة إلى الصيادي الا انه تمكن من تفاديها وكرر هجومه على الملا وطرحه أرضا، ثم تم فض المشاجرة، فيما تبادل عدد من النواب الشتائم”.

وقد حمل التحالف الوطني (آنذاك)، هيئة رئاسة البرلمان ورئيس المجلس أسامة النجيفي مسؤولية ما جرى، وقال إن البيان أساء إلى “أحد المراجع الدينية الشيعية”.

من جانبه اعتبر المحلل السياسي العراقي صادق الشكرجي في حديثه لـ “المسلة” أن ” المشادات الكلامية واليدوية التهديدات الصبيانية لا تليق بعضو مجلس نواب شعب،وقد ترك الحادث علامة استفهام كبيرة وواضحة، وأضاف، ؟ذكرت ما حدث امام عدد من المواطنين العاديين والكسبة، فارتسمت علامات الاستفهام والتعجب والاستنكار على وجوههم، وقال بعضهم، ماذا تنتظر من هؤلاء في هذا الظرف؟ إنهم أعضاء برلمان بالصدفة”.

وحسب مناف الجنابي الموظف في مجلس النواب الذي تحدث لجريدة القدس العربي في 17 مارس الماضي فان أخطر مشادة وقعت بين رئيس مجلس النواب سليم الجبوري وبين النائب عن كتلة الأحرار الصدرية حسين العوادي على خلفية توزيع رئاسة لجان المجلس على الكتل السياسية، حيث استخدم النائب اسلوبا خشنا وتقدم باتجاه منصة رئاسة المجلس ما دفع بحماية رئيس المجلس إلى التدخل لمنع النائب من الصعود إلى منصة الرئاسة ووقعت ملاسنة بين عناصر الحماية ونواب من كتلة الاحرار، بينما غادر الجبوري ونائبه آرام محمد قاعة المجلس بعد إعلانه رفع الجلسة”.

“زعل” بالجملة

وبالاضافة الى العراك بالايدي والشتائم فمن بين الأساليب التي تلجأ لها الكتل النيابية هي مقاطعة جلسات البرلمان، ومنذ تأسيس مجلس النواب في عام 2003 والى هذا اليوم فان أغلب الكتل قاطعت جلسات الملجس للضغط سواء على الحكومة أو على رئاسة البرلمان من أجل الاستجابة لمطالبها، ومن المقاطعات كانت مقاطعة اتحاد القوى العراقية على مقتل أحد أعضائها (زيد سويدان الجناب) وعمه.

ومما لا شك فيه ان من حق النواب المقاطعة واستخدام اساليب تعبر عن امتعاظهم واستنكارهم لقضية ما، ولكن الشعب لم ينتخب ممثليه ليقضوا فترتهم النيابية بالمقاطعات والاحتجاجات وانما ليجتعوا مع سائر النواب لايجاد حلول للمشاكل التي يمر بها.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.