إنــهــم يــســرقــون الأنــهــار أيــضــاً !

تحقيق/ سلام الخالدي

تماماً مثلما كان يفعل منذ 30 سنة، ما زال الشيخ الستيني أبو محمد يتمسك بأرضه التي كانت تغفو على الضفة الشرقية لنهر مراد، رغم أن النهر نفسه قد “غادر بلا رجعة”.

أبو محمد، ومعه قرابة 40 مزارعاً عصف الجفاف ببساتينهم المحاذية لنهر مراد في منطقة شفتة الزراعية بمحافظة ديالى، يدركون تماماً أن عودة النهر الى الحياة مرة أخرى باتت في عداد المستحيل، بعد أن استولى عليه نافذون وطمروه ثم باعوه مع الاراضي الزراعية الحكومية المحيطة به، كقطع سكنية، دون أن يتجرأ أحد على إيقافهم أو تعريضهم للمساءلة.

قبل ذلك بسنوات، قاوم أبو محمد، بعناد، محاولات تهجيره من أرضه إبان النزاعات الطائفية التي نشبت في محافظة ديالى، كما في العديد من مناطق العراق بين عامي 2006 و 2008. حينها كانت أشجار بستانه تذبل أمام عينيه واحدة واحدة، دون أن يتمكن من إنقاذها خوفاً من بطش عناصر تنظيم القاعدة الذين حوّلوا بستانه مع باقي بساتين المحافظة الى معسكرات تدريب سرّية، ومسالخ بشرية.
وحين غادر هؤلاء المكان في وقت لاحق، وقع المكان برمته أسير نافذين جدد، سرعان ما بدأوا بالاستيلاء على مناطق زراعية واسعة شملها العزل والعزل المضاد الطائفي ، أو شهدت عمليات هجرة كبيرة، وكان بينها العشرات من بساتين الحمضيات والنخيل في منطقة شفتة الواقعة جنوبي مدينة بعقوبة، إضافة الى نهر مراد الذي كان يُحيي المئات من بساتين الحمضيات والنخيل.
يمتد نهر مراد، كما هو مثبت في خرائط مديرية الري في محافظة ديالى التي حصل عليها كاتب التحقيق، من نهر ديالى من الجهة الغربية قرب الجسر الحديدي، ويمر عبر بساتين منطقة شفتة ليتصل في ما بعد بنهر خريسان.
ويبلغ طول مجرى نهر مراد خلال مروره بمنطقة شفتة 380 متراً، بعرض 8 أمتار مع محرماته، وهو وفقاً لخرائط الكادسترو الخاصة بالمنطقة وكشوفات اللجان المعنية بمتابعة القضية، نهر تابع للدولة العراقية ولا يجوز التصرف به أو بناء المشيدات عليه.
رغم ذلك، صار النهر الآن جزءاً من حي سكني واسع، واختفت آثاره في ثنايا هذا الحي. وكما يشير الكشف الموقعي الذي أجرته لجنة من الدوائر المعنية في ديالى (الزراعة والموارد المائية والتسجيل العقاري) بتاريخ 10 آب 2014، فان نهر مراد “مندثر حالياً بشكل كامل”.
أصل الحكاية
بدأت قصة “اختفاء” نهر مراد منتصف العام 2008، كما يروي المحامي سعدون عبد الله (اسم مستعار) الذي تابع قضية النهر والاراضي المجرّفة حوله، وكيلاً عن 43 مزارعاً مشاركاً في حق التصرف، ثم انسحب من القضية بعد تلقيه تهديدات من نافذين لم يكشف عن هوياتهم.
في ذلك العام، كما يتذكر المحامي عبد الله، بدأ ثلاثة من النافذين بتغييرات في ملكية الاراضي التي تحيط بنهر مراد، مستفيدين من تخلخل الاوضاع في عموم مناطق محافظة ديالى وغياب بعض المزارعين عن أراضيهم بسبب الأحداث الأمنية التي شهدتها المنطقة آنذاك.
كانت الأراضي التي شملها تغيير الملكية، كما يقول المحامي عبد الله، “مملوكة للدولة، أميرية مفوضة بالطابو وحق التصرف للاشخاص في صورة القيد”، في إشارة الى المزارعين الـ 43 الذين يتشاركون في حق التصرف بالأرض وفق السند الرسمي، ويخوضون منذ نحو سبع سنوات نزاعاً قانونياً حول ملكية الأرض وعدم قانونية طمر نهر مراد.
جرت عملية تحويل ملكية الأرض الى النافذين الثلاثة، على دفعتين، الاولى شملت الاراضي التي تبدأ من تفرع نهر مراد باتجاه الشرق حيث تتوزع جداوله باتجاه البساتين المحاذية لنهر ديالى، والثانية تبلغ مساحتها 21484 متراً مربعاً وتمتد على طول المنطقة المحاذية للنهر وصولاً الى قطعة أرض يمتلكها أحد النافذين الثلاثة.
لاحقاً، كما يقول المحامي عبد الله، بدأت عملية طمر نهر مراد من خلال إقامة معبر صغير يربط بين قطعة الارض الجنوبية والقطعة الشمالية للمالكين الجدد، متذرعين بحاجتهم الى التنقل بين الأرضين توفيراً للوقت والجهد اللازم للدوران حول النهر، ثم تطور الأمر لاحقاً الى ردم أجزاء النهر القريبة من المعبر بالتدريج، مع انخفاض منسوب النهر في صيف عام 2009.
وأمام تذمر المزارعين المتضررين ومحاولاتهم إيقاف عملية ردم النهر بالأنقاض، أبلغهم المالكون الجدد بأن النهر هو جزء من أراضيهم، وأن لديهم حكماً قضائياً بالتصرف بالجزء المحاذي لأراضيهم من النهر، وان بوسع المتضررين اللجوء الى القضاء.
في معرض محاولتهم اعادة نهر مراد الى الحياة مجدداً، تقدّم اهالي المنطقة والمستفيدون من النهر، بشكاوى متعددة لحسم الموضوع من قبل المحافظة، ووفقاً للكشف الميداني في 29 أيلول (سبتمبر) 2013 والمرقم 4049، تبيّن أن النهر والاراضي وضفتيه هي أراض محرّمة مملوكة للدولة، كما هو مثبت في خارطة الكادسترو المصدّقة والمعتمدة في مديرية ري ديالى، لكن الكشوفات والإجراءات لم تغيّر من الواقع شيئاً، إذ بقي نهر مراد مطموراً، وتسارعت عمليات تجريف الأراضي المحيطة به وبيعها على شكل قطع أرض سكنية.
تفاعلت القضية بشكل أكبر، حين شرع المالكون الجدد بمدّ طريق نحو الحي السكني الجديد، رغم أن الارض المذكورة بحسب كشف لجنة مؤلفة من مندوبين عن مديرية ماء المحافظة ومديرية التسجيل العقاري، مصنّفة على انها “أرض زراعية مملوكة للدولة وغير مصفّرة مائياً”، وهو ما يعني أن ليس لأي جهة مهما كانت، التجاوز عليها ببناء أو مدّ طريق أو اقتطاع أي مساحة منها لأي غرض كان.
حتى كتابة هذا التحقيق، ما زال النزاع قائماً بين النافذين الثلاثة والمزارعين الـ43 الذين يتشاركون رسمياً في حق التصرف بالارض الزراعية التي تضم نهر مراد، وهو لم يُحسم قضائياً بعد مرور سبع سنوات تقريباً.
لكن الذي حُسِم بشكل فعلي وكامل، كما يقول الناشط البيئي سالم جبار، ان نهر مراد، هو “نهر تابع للدولة العراقية”، ولا يحق لأي أحد التصرف به، وأن عملية طمره وإلحاقه بالمشيدات السكنية التي أقيمت في المنطقة، هي عملية “سرقة” واضحة وعلنية، وجريمة بيئية غيّرت معالم منطقة بكاملها، وخرّبت الاقتصاد المحلي في منطقة تعتمد بشكل رئيسي على الزراعة.
يعتقد الناشط جبار الذي تابع قضية نهر مراد وساهم مرات متعددة في إثارة القضية أمام السلطات، أن الهدف الأساس من طمر نهر مراد، لم يكن فقط من أجل إلحاقه بالأراضي الزراعية المحيطة وبيعه كقطع سكنية، فمساحة النهر البالغة 3 آلاف متر تقريباً، هي ليست مساحة شاسعة جداً تستحق المجازفة من قبل النافذين الثلاثة في منطقة محلية كانت مسرحاً لصراعات طائفية، لكن الهدف الأساس كما تبين لاحقاً، هو قتل النهر تمهيداً لتجريف البساتين المحيطة به ثم بيعها كقطع سكنية، بحجة ان عدم وجود نهر في المنطقة، يسمح بالتصرف بهذه الاراضي كواقع حال لأنها “مُصفّرة مائياً”.
الوقائع تشير الى ان النافذين الثلاثة نجحوا في تحقيق غاياتهم، فوفقاً للكشف الموقعي الذي أجرته لجنة من الدوائر المعنية في ديالى (الزراعة والموارد المائية والتسجيل العقاري) بتاريخ 10 آب (أغسطس) 2014، تحوّلت الأرض المحيطة بنهر مراد الى حي سكني، مشيّدة عليه حالياً، وفق النص الرسمي للكشف “دور سكنية حديثة وشوارع رئيسية نظامية وغير رسمية ومجهزة بالماء والكهرباء وخدمات أخرى”، رغم أن الارض كما يشير الكشف نفسه، هي أرض “مملوكة للدولة، أميرية مفوضة بالطابو وحق التصرف للاشخاص في صورة القيد”، في إشارة الى 43 مزارعاً متشاركاً في حق التصرف بالارض، وفق السند الرسمي.
ويؤكد الكشف ذاته، أن نهر مراد الواقع ضمن القطعة المعنية، “مندثر حالياً بشكل كامل”، وهو مستغل من قبل الاشخاص المنتفعين كحدائق على طول مسار النهر.
جفاف .. وتجريف
خلال السنة التي أعقبت عملية طمر نهر مراد، كان الجفاف يفتك ببساتين المنطقة ويقضي على الآلاف من اشجار البرتقال والنخيل، ولم يكن امام المزارعين الذين جُرّفت أراضيهم أو جفت بساتينهم بسبب العطش، إلا رفع الشكاوى مرة بعد مرة، مطالبين بإعادة فتح مجرى النهر، ولكن دون جدوى. يقول موفق عبد الواحد، وهو واحد من المزارعين الذين تضررت بساتينهم جراء توقف الماء عن الجريان في نهر مراد ، أن البساتين التي كانت تعتمد على الري من النهر “تحوّلت الى أراض غير صالحة للزراعة بسبب الجفاف الذي حلّ بالمنطقة، ولم يكن استخدام الآبار لري المزروعات مجدياً على الرغم من ان الجميع هنا ما زالوا يحاولون إحياء أراضيهم بهذه الطريقة البدائية، أو بأي طريقة يمكن لها أن تحدّ من مخاطر الجفاف”.
بيأس يعترف عبد الواحد بأن “الوضع صار الآن ميئوساً منه تماماً، فيوماً بعد يوم بدأنا نفقد القدرة على تحمل الوضع المادي المزري الذي نعيشه، وأنا ومعي مزارعون آخرون، نفكر جدياً في الرحيل عن المكان”.
مثله تماماً، يفكّر المزارع أيوب محمود بترك مزرعته والبحث عن أرض بديلة في إحدى المناطق المجاورة. يقول محمود “صحيح أن هذا صعب من الناحية الفعلية لأن أغلب المزاعين لا يمتلكون ما يكفيهم من المال لشراء أراض جديدة، لكن في النهاية علينا أن نجد طريقة لكي نُعيل عوائلنا بدلاً من انتظار العودة المستحيلة لنهر مراد”.
كانت بساتين منطقة شفتة والمناطق المحيطة بها، كما يتذكر المزارع محمود، تورّد سنوياً إلى أسواق ديالى وبغداد وباقي محافظات العراق، آلاف الأطنان من التمر والبرتقال والحمضيات، أما الآن، “فلا يكاد المحصول يغطي حتى حاجة أسواق المنطقة نفسها”.
يؤكد الخبير الزراعي ناجي عباس، أن معدلات إنتاج المحاصيل الزراعية الرئيسية في محافظة ديالى انخفضت ما بين عامي 2003 و2012، فإنتاج الحمضيات تراجع بنسبة تجاوزت (60%)، والرمان بنسبة (40%)، مع انخفاض مؤشر للعديد من المحاصيل الأخرى. وهذا الانخفاض، كما يعتقد عباس، هو النتيجة الطبيعية والمتوقعة لعمليات التجريف وتخريب البيئة الزراعية في العديد من مناطق محافظة ديالى، إضافة الى الأوضاع الأمنية التي سادت في سنوات سابقة.
وتدعم ما يذهب اليه الخبير الاقتصادي عباس، تقارير الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط، والتي تشير الى انخفاضات سنوية لمعدلات الانتاج الزراعي في محافظة ديالى مثل الحمضيات وغيرها من المحاصيل، وصلت في بعض السنوات الى ما يفوق 4% سنوياً.
ألحقت عمليات تجريف الاراضي والبساتين في محافظة ديالى، كما يؤكد النائب عن المحافظة رعد الدهلكي، ضرراً كبيراً في اقتصاد المحافظة. الدهلكي يعتقد، كما أعلن في نهاية العام 2013، أن الأوضاع في محافظة ديالى “بدأت تتجه نحو الأسوأ، فبعد العمليات الامنية، بدأت حملة لتجريف الاراضي الزراعية والبساتين”.
يعترف مدير دائرة زراعة محافظة ديالى محمد نجيب، بأن عمليات تجريف الاراضي والبساتين التي جرت في المحافظة هي ظاهرة انتشرت خلال بعض السنوات الماضية، ولكنها إجمالاً، كما يعتقد، لم تكن تمثل خطراً يوازي سيطرة تنظيم القاعدة بين عامي 2006 و2007، ثم عمليات قطع المياه عن المحافظة من المناطق التي سيطرت عليها داعش خلال العام الماضي.
نجيب يؤكد ان عمليات التجريف التي كانت قائمة وجرى بموجبها تحويل اراض زراعية الى مناطق سكنية، تمّ جردها من قبل لجان وتنظيمها في قوائم كاملة، وسيتم عرضها على المحافظ في وقت لاحق لغرض إيجاد حلول لهذه الظاهرة.

السلطات الحكومية: الصمت
سيّد الموقف!
بالعودة الى نهر مراد المطمور، والاراضي الزراعية المجرّفة حوله، رفض نجيب التعليق على قضية نهر مراد، مؤكداً ان هذا الأمر من اختصاص مديرية الموارد المائية في المحافظة لأنها هي المعنية بعمليات ردم الانهار وغيرها من القضايا المتعلقة بالموراد المائية.
المسؤولون في دائرة الموارد المائية رفضوا التعليق على أسئلة كاتب التحقيق حول قضية نهر مراد، وأحال مسؤول في الدائرة فضّل عدم الكشف عن اسمه، موقف دائرته الى مضمون الكتاب الرسمي الذي أرسلته شعبة الموارد في بعقوبة والموجّه الى قائممقامية قضاء بعقوبة برقم 706 وفي تاريخ 29/9/2013، المتضمن:
“أمركم بإجراء الكشف الموقعي على القطعة (…) وتبيّن ما يأتي:-
– القطعة أعلاه مجرّفة ومشيد عليها دور سكنية وأن النهر الذي يروي القطعة يقع ضمن حدود القطعة أعلاه ومحرّمه بموجب خرائط الكادسترو وتعليمات وزارتنا (الموارد المائية) بعرض (8 أمتار) كلي.
– لاحظنا وجود تجاوزات على النهر من قبل مشيدي الدور السكنية، متمثلة بردمه وإنشاء مشيّدات أو حدائق، وقيام أصحاب العلاقة بردم جزء منه واستخدامه كطريق.
– كون جنس الارض بستاناً مملوكة للدولة والارض غير مصفّرة مائياً، لا يحق للمالك ولا أي طرف التصرف بمجرى النهر”.
لكن الواقع على الأرض، بعد مرور سبع سنوات على طمر نهر مراد، يشير بوضوح الى أن أياً من الاجراءات والكتب الرسمية التي تبادلتها الدوائر المختصة في محافظة ديالى خلال السنوات الماضية، لم ينجح في إعادة نهر مراد الى الحياة.
خلال الزيارات المتكررة لكاتب التحقيق الى المنطقة، كان من الصعب العثور على معالم واضحة لما تبقّى من نهر مراد، فباستثناء بضع سقاطات مياه سمنتية متروكة، وغرفة صغيرة لكراخ النهر الذي رحل عن المكان قبل سنوات، لم يكن ثمة ما يوحي بأن نهر مراد كان هنا في يوم من الايام!
ابتلع الحي السكني الجديد، كل الاراضي الزراعية المحيطة بنهر مراد، ومعها النهر نفسه، وثمة مساحات واسعة من الارض الزراعية التي كانت تُحيط بالنهر قبل بضع سنوات، اختفت بالكامل.
مثل نهر مراد وأراضي منطقة شفتة، كما يقول الناشط البيئي سالم جبار، سيختفي المزيد من الأنهر الصغيرة والمساحات الزراعية في محافظة ديالى وباقي مدن العراق، إذا لم يتوقف هذا القضم الممنهج لأملاك الدولة الذي يجري بشكل متسارع، على مرأى ومسمع من الدولة نفسها.

 أُنجز هذا التحقيق بدعم من النقابة الوطنية للصحفيين العراقيين وإشراف “تقصّي” للصحافة الاستقصائية

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.