إرسل الموضوع الى صديق وثيقة أميركية: هكذا يتحول المسيحي الساذج إلى انتحاري

حكاية «أليكس» التي سقطت في بالوعة «داعش»

روكميني كاليماتشي* ترجمة – أنيس الصفار*
كانت “أليكس”، وهي شابة اميركية عمرها 23 عاماً تمتهن التعليم في مدرسة الأحد وتعمل مرافقة أطفال، وكانت ترتعش من فرط شعورها بالحماس والإثارة يوم أطلعت أصدقاءها على موقع “تويتر” بأنها اعتنقت الإسلام. فعلى مدى أشهر كانت “اليكس” تشعر بأن عرى العلاقة تقوى وتتوثق بينها وبين مجموعة من الأصدقاء، هم أشدّ من عرفت في حياتها رهافة وإحساساً بها، وأن هؤلاء الاصدقاء قد علّموها ما الذي يعنيه أن يكون المرء مسلماً. شيئاً فشيئاً أخذوا يحدثونها عن “الدولة الاسلامية” وكيف أن الجماعة تعمل على بناء وطن لها في سوريا والعراق، حيث يستطيع المؤمنون الأبرار أن يعيشوا كما تمليه عليهم شريعة الله.
أحد هؤلاء بالتحديد، واسمه فيصل، استطاع الاقتراب منها حتى بات أشبه بالرفيق الدائم، وصار يقضي معها الساعات الطوال كل يوم على “تويتر” و”سكايب” وعبر البريد الالكتروني متجشماً عناء إرشادها الى قواعد وأصول العقيدة. ولكن ما أن أخبرته ذات مرّة والحبور يملأ قلبها بأنها عثرت على مسجد قريب لا يبعد عن مسكنها، الذي تسكن فيه مع جدها وجدتها في ولاية واشنطن، سوى ثمانية كيلومترات حتى أصابه البرود فجأة.
قال لها أن المسلمين الوحيدين الذين ينبغي أن تتعرّف بهم هم اولئك الذين تتواصل معهم عبر الانترنت وحثها على إبقاء الأمر على هذه الصورة، بحجة أن المسلمين يتعرضون للاضطهاد في الولايات المتحدة. حذرها من أنها قد توصم بالإرهاب إن لم تفعل، لذلك فإن أفضل ما تفعله الآن هو إبقاء أمر تحولها إلى الدين الجديد سرّاً مكتوماً لا تحدث به أحداً حتى عائلتها.

حياة مزدوجة

بناء على إرشاداته هذه صارت “أليكس” تعيش حياة مزدوجة. فهي من جهة واصلت التدريس في الكنيسة ولكن جهاز الراديو في سيارة الشحن التي تقودها لم يعد يصدح بألحان مسيحية. بدلاً من ذلك صارت تدندن وهي في الطريق بأناشيد “داعش” التي تتدفق عليها من جهازها “آيفون” وصارت تحلم حتى في ساعات اليقظة بشكل الحياة وسط المتشدّدين.
تقول “أليكس”، التي تحدثت مشترطة التكتم على هويتها الحقيقية والاكتفاء باسمها المنتحل الذي تستخدمه على الانترنيت: “صرت أشعر وكأني أخادع الله والديانة المسيحية، ولكني كنت أشعر أيضاً بالاثارة لأنني صار لي كل هذا العدد الكبير من الاصدقاء الجدد.”
رغم أن ايديولوجيا “داعش” تتعارض تعارضاً صريحاً مع الغرب فإن الجماعة تبذل جهوداً لا تلين من أجل تجنيد الغربيين بين صفوفها توقاً منها لاستغلالهم في ماكنتها الدعائية الضخمة. فمنذ بداية هذه السنة سافر 100 أميركي على الأقل للالتحاق بالتنظيم في سوريا والعراق من أصل ما يقارب 4000 غربي فعلوا الشيء ذاته.
يقول المحللون ان المدى الذي تستطيع “داعش” الوصول إليه في مساعيها للتجنيد يتضخم أضعافاً مضاعفة بفضل الكادر الهائل من العاملين والسعاة على مواقع التواصل الاجتماعي. فالجماعة الإرهابية نفسها تديم العمل عبر الشبكة على مدى 24 ساعة بلا توقف، ثم تتضاعف هذه الفعالية اتساعاً بفضل حلقات كبيرة متنامية من المتطوعين المتعاطفين والمعجبين الذين يتناقلون رسائلها ووجهات نظرها بنشاط حتى يوصلوها إلى مجندي
المستقبل.

محاولات الجذب

أعضاء الحلقة التي وقعت عليها “أليكس” عبر الانترنت، والتي ينضوي تحتها عدة عشرات من الحسابات بعضها يعود لأشخاص عرّفوا عن أنفسهم مباشرة بأنهم من أعضاء الدولة الاسلامية أو من يعتقد المحللون المتخصصون بالارهاب أن لهم ارتباطات مباشرة بالجماعة، أنفقوا مجتمعين آلاف الساعات على مدى أكثر من ستة أشهر في اجتذاب الفتاة إليهم. كانوا يرسلون إليها النقود ويمطرونها بهدايا الشيكولاته، وكانوا يتبسطون في الحديث معها ويسترسلون لإشباع فضولها وإرضاء شغفها وتهدئة مخاوفها وهم يقودون خطاها على درب المفاهيم الدينية المتعصبة التي تأسست عليها “داعش”.
المقابلات الموسّعة مع “أليكس” وعائلتها، إضافة إلى إلقاء نظرة على مراسلات بريدها الالكتروني ومكاتبات تويتر والرسائل الخاصة والمحادثات التي تبادلتها معهم عبر” سكايب” التي وافقت على إطلاعنا عليها بشرط التكتم على الأسماء الحقيقية واسم البلدة التي يسكنونها، فتحت امام أعيننا نافذة نادرة على شدّة المساعي التي يبذلها المتطرّفون من أجل تلقين شابة اميركية مبادئ عقيدتهم عن طريق تكثيف إحساسها بالعزلة عن عائلتها ومجتمعها.
يقول ناصر ودّادي وهو خبير في شؤون الشرق الأوسط يعد بحثاً في مواجهة أساليب الدعاية التي يستخدمها المتطرّفون: “نحن جميعاً لدينا بالفطرة مصدّاً حامياً في عقولنا يدرأ عنا الأفكار المؤذية، وهؤلاء يبحثون عن نقطة الضعف في هذا المصدّ ومنها يهاجمون.”
للوصول إلى منزل “أليكس” من أقرب بلدة يمر الزائر بساحة لوقوف الشاحنات الكبيرة ثم يقود سيّارته لمسافة كيلومتر ونصف عبر حقول واسعة نظرة للحنطة
والبرسيم.
تقول “أليكس”: “جدّي وجدّتي يحبان الحياة هنا وسط الفضاء الضائع، أما أنا فأحب حياة المجتمع ويستحوذ علي الشعور بالوحدة هنا.”
عاشت “أليكس” مع جدّيها طيلة حياتها تقريباً، فهي معهما منذ كان عمرها 11 شهراً عندما فقدت أمها الوصاية عليها لأنها كانت تعاني من إدمان المخدّرات. ويقول الطبيب المعالج أن “أليكس” تعاني من متلازمة الكحول لدى الأجنة التي أورثتها رجفة في اليدين كما ساهمت في إبقائها بشكل دائم بحالة بلوغ ناقص وضعف القدرة على الحكم والتقدير.
يقول أفراد عائلتها أن هذا يفسر جزءاً فقط مما حدث لها على شبكة الانترنت.

مواجهة الصدمة

كانت “أليكس” قد انقطعت عن الذهاب إلى الكلية في السنة الماضية، وكانت تكسب 300 دولار شهرياً من عملها جليسة للاطفال يومين في الاسبوع وتدرّس أطفال كنيستها في مدرسة الأحد يوم عطلة الأسبوع. وفي البيت كانت تمضي الساعات في مشاهدة الأفلام على موقع “نيتفليكس” وتحديث الجداول الزمنية على مواقع التواصل الاجتماعي.
تقول جدتها البالغة من العمر 68 عاماً، والتي سبق لها أن ربّت ثمانية من أبنائها وأحفادها في بيتها البسيط المتواضع: “جميع الأطفال ينشرون أجنحتهم ثم يطيرون، أما هي فمثل طفل ضائع.”
في يوم 19 آب ظهرت رسالة تنبيه على هاتف “أليكس” تنبئ بورود خبر عاجل من “سي أن أن”. قال الخبر أن “جيمس فولي”، وهو صحفي لم تكن سمعت باسمه من قبل، قد قطع رأسه على يد جماعة لم تكن تعرف عنها شيئاً. صورة الشاب وهو جاثٍ على ركبتيه والسكين ترفع إلى عنقه بقيت تلازمها ولم تستطع التحرر
منها.
شلّت حادثة القتل أحاسيسها، وتحت تأثير فضول الرعب الذي أصابها دخلت على حسابها في تويتر لترى إن كانت تستطيع معرفة المزيد. تقول: “كنت أبحث عن أي شخص يرضى بما يفعله هؤلاء الناس كي أفهم منه لماذا يفعلونه. ولم يكن العثور على هذا الشخص صعباً.”
ثم وجدت نفسها تصاب بصدمة جديدة عندما رأت أن الأشخاص الذين يجاهرون بالانتماء إلى “الدولة الإسلامية”، المعروفة أيضاً باسم “داعش”، مستعدون لإعطائها ما شاءت من الوقت مجيبين بكل أدب على اسئلتها.
تقول: “بمجرد أن لمسوا فيّ فضولاً مخلصاً للمعرفة أبدوا منتهى اللطف. أخذوا يطرحون عليّ اسئلة عن عائلتي ومن أين أنا وما هو هدفي الذي أسعى لتحقيقه في الحياة.”
كان أول شخص تواصلت بينها وبينه العلاقة هو رجل أخبرها أنه مقاتل من “داعش” اسمه منذر حمد وأنه يرابط في موقع قريب من دمشق. وسرعان ما صارا يتبادلان الحديث بالساعات كل يوم، كانت تبادلات عفوية تتخللها رسوم الوجوه الكاريكاتيرية والتعابير المرحة. من خلال تلك الأحاديث، وبالعفوية ذاتها، دسّ منذر السؤال: “هل فكّرت فيما حدثتك به عن الاسلام؟”
ما حدث بعد ذلك سار بالضبط على النهج الوارد في كتيّب تنظيم “القاعدة في العراق” المعنون: “فصل تدريبي في فن التجنيد” الذي وقعت نسخة منه في يد القوات الأميركية في العراق
في 2009.

دليل التجنيد

يوجّه هذا الكتيّب ببذل أقصى وقت ممكن مع الشخص الذي يتوخى تجنيده والبقاء على اتصال منتظم معه. يقول الكتيب ان على ساعي التجنيد أن يصغي جيداً إلى محاوره ويشاطره أفراحه وأحزانه من أجل الاقتراب منه أكثر فأكثر.بعد ذلك على ساعي التجنيد أن يركّز جهده على غرس قواعد الإسلام الأساسية مع الحرص على تجنب ذكر الجهاد. يقول الكتيّب، الذي اطلعنا على نسخة منه محفوظة في أرشيف “مركز بحوث سجلات الصراع” في جامعة الدفاع الوطني بواشنطن: “ابدأ بالشعائر الدينية وضع تركيزك عليها.”
وجّه منذر حمد “أليكس” بتنزيل تطبيق اسمه “المحور الإسلامي” على هاتفها الآيفون، وعن طريق هذا التطبيق صارت تتلقى “أحاديث نبوية” بشكل يومي، وشعرت “أليكس” بأنها قد وجدت أخيراً ما يشعرها بأنها تفعل شيئاً. تقول: “أنا أقضي كثيراً من الوقت وحدي، وهم موجودون على الإنترنت طول الوقت.” مراسلاتها عبر “تويتر” خلال تلك الفترة تتناثر فيها هنا وهناك مخاطبات تبدأ بالعبارة “عندي سؤال من القلب” ثم يعقب تلك العبارة استفسار يتعلق بمسألة دينية أو لاهوتية، وكانوا يجيبون على اسئلتها في الحال بدون تردد. في الماضي كانت تضطر للانتظار ساعات قبل أن يأتيها رد من اصدقائها، ولكن هاتفها الآن أصبح يرن طول اليوم منبهاً إلى وصول تحديث أو تنبيه بوصول رسالة أو مكالمة أو رسم وجه كاريكاتيري أو رسائل صوتية على سكايب.من حين لآخر كانت تأخذ المبادرة منهم وتواجههم بدفع من جانبها، كأن تسأل: كيف يبيح الجهاديون لأنفسهم قطع رؤوس الناس؟ ولكنها في ذلك الوقت كانت قد بدأت تتولد لديها شكوك عميقة في صدق الصورة التي يعرض بها الإعلام صورة “الدولة الاسلامية” وتقديم أفرادها على انهم قتلة وحشيون. تقول “أليكس”: “كنت على يقين من أن ما يقال عنهم مخالف للحقيقة.”عندما حضرت “أليكس” الصلاة في الكنيسة بالمرّة التالية لم تقف خشوعاً حين دعا راعي الكنيسة المجتمعين للوقوف. وعندما حدَّثت منذر بذلك ردَّ عليها قائلاً: “ما لا تفهمينه هو أنني لا أدعوك إلى التنكُّر لديانتك، فالاسلام ليس إلَّا تصحيحاً للمسيحية.”بعد ذلك بيومين كتبت “أليكس” قائلةً: “إنني أتفق معك في أن محمد والمسيح نبيَّان وليسا إلهين.”ردَّ عليها: “ماذا تنتظرين إذن كي تصبحي مسلمة؟”بعدها مباشرة انطفأت أيقونته على سكايب، وبقيت تنتظره يوماً بعد يوم ولكنَّه ذهب إلى غير عودة. وتساءلت إن كان قد قتل في المعركة.
لم يلبث أن أكمل المشوار معها عبر تويتر من حيث توقّف منذر شخص يدعو نفسه “فوياجر – أي الرحّالة”، وفي شهر تشرين الثاني أخبرها أن اسمه فيصل مصطفى وأنه يقيم بالقرب من مانشستر في انكلترا ثم طلب عنوانها على سكايب وأخذا يتبادلان الأحاديث. كان يظهر على الشبكة في الساعة الثالثة بعد الظهر عادةً وفي كل يوم يعدّ لها درساً جديداً مبتدئاً بقواعد الصلاة.
اجتياز الحد الفاصل

هكذا تحوَّلت حواراتها عبر الإنترنت إلى محك لاختبار دواخلها. معظم تلك الحوارات كانت ممازحات وتعليقات لا نفع منها ولا ضرر، بيد أن الحديث في أحيان أخرى كان ينتقل إلى تفاصيل حياة المسلم الملتزم. خلال تلك الفترة حلَّ موسم أعياد الميلاد ورأس السنة وشعرت بأنَّها قد تجاوزت خطاً واضحاً. عندئذ سألت فيصل عمَّا هو مطلوب منها كي تعتنق الدين الجديد، فبين لها أن كلَّ المطلوب هو ترديد الشهادتين بحضور اثنين من المسلمين. ولكن “أليكس” لم تكن قد تعرّفت بعد على أي مسلم بشخصه، فقال لها فيصل إنَّها تستطيع إشهار اسلامها على موقع تويتر وعندئذ يصحُّ اعتبار أول شخصين يطلعان على ذلك الإشهار بمثابة شاهدين.
في ليلة 28 كانون الأول قامت “أليكس” إلى غرفتها وأغلقت الباب وجلست على سريرها، كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة عندما دخلت إلى موقع تويتر. وعندما أعلنت إسلامها كانت استجابة فيصل فورية وكذلك استجابة صديق آخر ظهر على الشاشة تحت اسم حلّي الشيخ، وهو شخص طلب منه فيصل أن يكون شاهداً ثانياً.
قبل أن تأوي أليكس إلى فراشها كتبت على تويتر تقول: “أنا لي حقاً أخوة وأخوات .. إنني أبكي تأثُّراً.”
مضت أشهر ثم إذا باسم حلّي الشيخ وعنوانه يظهران ملعلعين على تويتر إذ تكشفت علاقته بـ”إلتون سمبسون” وهو المسلح الذي أطلق النار على مسابقة لرسم النبي محمد في تكساس، ذلك الهجوم الذي نسب إلى “دولة داعش”.
في شهر كانون الثاني أخذت ترد إلى بيت “اليكس” طرود وعلب من انكلترا بداخلها أردية حجاب وأوشحة زاهية الألوان وسجادة صلاة خضراء وكتب ترشدها إلى تفسيرات متزمتة للاسلام.
كان الشخص الوحيد الذي علم بتحولها إلى ديانة أخرى هي ابنة عمها، وعندما بدأت جدّة “أليكس” ترتاب بشأن تلك الطرود والرزم التي تترى من الخارج رتّب فيصل الأمر وصار يرسلها إلى بيت ابنة العم. بيد أن شعور “أليكس” بالتعاسة بقي يتزايد بسبب كذبها على عائلتها. ومع تنامي سرها تنامى أيضاً شعورها بالعزلة.
يقول حلّي الشيخ، الذي قضى سنين يجنّد لصالح الجماعات المتطرّفة قبل توبته، إنَّ العزلة حالة سائدة في العالم كله. ويمضي مستطرداً: “نحن نبحث عن أشخاص يشكون العزلة، وإذا لم يكونوا قد وقعوا فيها بعد أوقعناهم نحن.”
لم تكن “أليكس” قد التقت بعد بمسلمين في عالم الواقع رغم مرور أسابيع على اعتناقها الاسلام، ولكنَّها اكتشفت عن طريق الانترنت وجود مسجد بالقرب من منزلها. ولكن عندما تحرَّى فيصل أمر ذلك المسجد علم أن الهيئة المشرفة عليه قد أعلنت براءتها من “دولة داعش” لذا ثناها عن الذهاب إليه بزعم أنَّه مسجد تراقبه الحكومة.
مع مطلع شهر شباط تنبَّه عدد من مستخدمي موقع تويتر، ومن بينهم حلّي الشيخ، إلى ظهور دلائل تشير أن “أليكس” أخذت تزداد تطرُّفاً، فبادروا بإلقاء حبال الانقاذ إليها. كتبت إليها إحداهن، تُسمِّي نفسها “كايند ليدي عديلة” قائلة: “أعلم أنَّهم يبدون على قدر كبير من اللطف والكياسة وأنَّك تميلين إليهم، ولكنَّك إذا ما ذهبت معهم فسوف تصادفين الموت أو ما هو أسوأ.”
سألتها “أليكس”: “هل يمكنني تجاهلهم وينتهي الأمر؟ لقد سعيت إلى ذلك ولكنَّهم يخجلونني بالهدايا.”
اللجوء إلى الضغط

بحلول منتصف شباط بدأ أصدقاء “أليكس” الافتراضيون يفرضون مزيداً من المطالب عليها، حيث قالوا لها إنَّها مسلمة صالحة ويجب عليها التوقف عن الاتصال عبر مواقع التواصل بالكفرة. وسرعان ما أثبتوا لها أن استمرار تواصلها حتى بالحفنة الصغيرة من صديقاتها المسيحيات أمر مرفوض بتاتاً. ففي 16 شباط اتهم أحد مستخدمي تويتر الموالين لما يسمى بالدولة الاسلامية “أليكس” بأنَّها جاسوسة. وعلى الفور أخذ أشخاص كانت تعتبرهم أصدقاءها بحجب أنفسهم عنها وقطع الاتصال بها.
هنا تدخل فيصل لصالحها حيث قدّمها إلى مدير موقع “إنفايت تو إسلام” وهو حساب تابع لمجموعة اسلامية متطرِّفة مركزها مدينة برمنغهام في انكلترا وله اتصالات منتظمة بمقاتلي “داعش”. مدير هذا الحساب متهم بالتورط في وقت سابق من هذا العام في حثّ فتاة انكليزية عمرها 15 عاماً إلى التطرّف وإغرائها بمغادرة بلدها والالتحاق بـ “داعش”.
أجرى مدير موقع “إنفايت تو إسلام” لأليكس “تحقيقاً عبر سكايب”، وبعد استجواب موسع تناول جميع اتصالاتها وأهدافها عبر الانترنت تمت تبرئتها من التهمة. وبعد تلك المحنة بثلاثة أيام كتب إليها فيصل قائلاً: “أنت إنسانة ودودة ولك شخصية محبَّبة، وإنَّك من أوجه عديدة أفضل من كثير ممن يوصفون بأنَّهم مسلمون بالولادة.” ثم أضاف: “لن يكون العثور على زوج لك صعباً إن شاء الله.”
مرَّت بضعة أيام قبل أن يتصل بها مستأنفاً الحديث السابق: “أعرف شخصاً يرغب في الزواج بك ولكنَّه لا يتمتع بجمال الصورة، فهو أصلع وعمره 45 عاماً، إلَّا أنَّه مسلم صالح.”
خلال جلسات حديثهما على سكايب التي كانت تمتدُّ لساعات كان فيصل يشدّد عليها أن من الإثم على المسلم أن يبقى مقيماً بين الكفار وصار الكلام يتمحور حول الرحيل إلى “أرض المسلمين”. تقول “أليكس” رغم أنَّه لم يذكر سوريا بالاسم فقد أدركت أنَّها الأرض التي يعنيها.
في 19 شباط اقترح عليها فيصل أن يلتقيا في النمسا لكي يُعرّفها بزوج المستقبل وأخبرها بأنَّها ستكون بحاجة إلى محرم يصاحبها، أي ذكر من أقاربها. وعندما سألته إنْ كان شقيقها البالغ من العمر 11 عاماً يمكن أن يصلح للمهمَّة أجابها أنَّه مقبول.
تقول “أليكس” إنَّها عندئذ خطر لها التحري عن اسمه في غوغل، وجاءت النتيجة صفحات عديدة من المعلومات. منها علمت أن الرجل المعروف باسم فيصل مصطفى، الذي يدير جمعية خيرية خاصة به اسمها “الهلال الأخضر” وعنوانها هو العنوان نفسه الذي كانت ترد إليها منه الطرود، بنغلاديشي الأصل في الخمسينات من عمره وهو متزوج وله أطفال.
علمت أيضاً أن الشرطة داهمت مسكن مصطفى في العام 1995 وضبطت أسلحة نارية وإطلاقات وخراطيش صيد ومتفجرات وأجهزة توقيت. اتهم في البداية بالتخطيط لهجوم إرهابي وحكم عليه بالسجن أربع سنوات ولكنَّه دفع التهمة عن نفسه مدعياً أن المتفجرات جزء من بحث يقوم به لنيل شهادة الدكتوراه.في العام 2000 ألقي القبض عليه ثانية مع مهاجر بنغلاديشي آخر. ووفقاً لما أوردته تقارير الأخبار أن المحققين عثروا في كيس للنفايات وجد خارج البناية التي كان الاثنان يلتقيان فيها على كفوف بلاستيكية وميزان مطبخ وآثار من مادة “أتش أم تي دي” المتفجِّرة. وعلى كومبيوتر فيصل مصطفى عثروا على وثيقة عنوانها “كتيب صنع المتفجرات”. تلقى شريكه في التهمة حكماً بالسجن لعشرين عاماً بسبب التخطيط لتفجير واسع النطاق، ولكن فيصل أخليت ساحته.في 25 آذار 2009 اعتقل مصطفى مرة أخرى عقب مداهمة قامت بها الشرطة لدار الأيتام التي تديرها جمعيته الخيرية، وتوصل المحققون إلى أنه يدير ورشة لعمل القنابل بعد أن وجدوا مواد متفجرة ومكتبة تغص بالادبيات الجهاديَّة. ورد في اجراءات المحكمة ما يلي: “لقد ثبت بالدليل ومن شهادات الشهود أن فيصل مصطفى ومعه أحد عشر شخصاً آخرين كانوا يرسمون مخططاً لتنشئة الأطفال على نهج التطرّف.” ثم أعيد فيصل إلى بريطانيا في العام 2010 بعد حجز في بنغلاديش دام عاماً تقريباً.
تدخّل العائلة

اكتشفت جدَّة “أليكس” أن حفيدتها لا تنام كثيراً واعتادت رؤية وجهها وسط هالة من ضوء كومبيوترها اللوحي في الظلام، وبدأت تنشب بين الاثنتين مشادّات متكررة بسبب ذلك واستمر الأمر هكذا حتى شهر آذار عندما قرّرت العائلة حجز جهاز الكومبيوتر وهاتفها النقال خلال الليل. ولكن “أليكس” كانت تتمكن من تسريب رسائل عبر الشبكة إلى جماعتها باستعارة هواتف من صديقاتها.
ذات يوم في أواخر شهر آذار قرّرت الجدّة مواجهة الرجل الذي يسعى لتجنيد “أليكس” في صفوف “داعش” فاجتمعت العائلة في غرفة الجلوس ووضع كومبيوتر “أليكس” على المنضدة وكان هناك مراسل ومصور من صحيفة نيويورك تايمز يتابعان الموقف. ودخلت الجدّة إلى موقع سكايب مستخدمة هوية التعريف الخاصة بـ “أليكس”.
لم يأتها جواب واستمرَّت في المحاولة ثانية وثالثة، وبعد أكثر من ساعة أجاب. ولكن ما أن عرّفته الجدّة بنفسها حتى أغلق الخط. لم تدرِ جدّة “أليكس” ما الذي ينبغي أن تفعل بعد هذا فكتبت له رسالة طويلة على سكايب. قالت له: “يجب أن تعلم أنَّها انسانة مهمَّة بالنسبة لنا، فما الذي يجعلك تتصور أننا سنسمح لها بمغادرتنا تحت الظروف التي تصورها لها؟ هل تعتقد أننا ربيناها طيلة 24 عاماً وعلمناها كيف تكون مسيحية مؤمنة لكي تغسل أنت لها دماغها؟”
عندئذ ردَّ فيصل قائلاً “أتفهم تصوركم بأنَّنا مسلمون متطرّفون .. ولكني أرجو منكم ألَّا تصدقوا كل ما تسمعونه من فوكس نيوز!” ثم مضى يقول: “نحن لا نقرّ الإرهاب مطلقاً .. ولكم وعدي بأننا لن نحاول مطلقاً جعلها تؤذي أحداً بأي شكل كان أو ارتكاب فعل يخالف القانون.” ثم تعهد بعدم الاتصال بـ “أليكس” مرَّة أخرى.
بعد هذه الواقعة وافقت “أليكس” على تسليم كلمات الدخول إلى حسابها على تويتر وبريدها الالكتروني، وقامت جدتها بتغييرها جميعاً لمنعها من استخدام تلك الحسابات مرَّة أخرى. وحضر عملاء من مكتب التحقيقات الفدرالي إلى المنزل وقاموا بتنزيل كامل سجل اتصالاتها الالكترونية بطلب من عائلة “أليكس”.
بعد تلك المواجهة مع فيصل غادرت “أليكس” وجدّيها المنزل في عطلة للترويح عن النفس وتجديد روابط العلاقة بينهم، ولكن “أليكس” اكتشفت أنها لا تستطيع البقاء بعيداً عن صديق الشبكة طويلاً. ورغم شعورها بأنَّها لم تعد تستطيع الوثوق به كانت تحنُّ إلى صحبته.وذات يوم انتظرت خروج جديها فدخلت إلى حسابها على سكايب، وهو الحساب الوحيد الذي نسيت العائلة إغلاقه، وردّ فيصل عليها في الحال، وهما لا يزالان يتبادلان الرسائل رغم مرور أشهر على تلك الاحداث.
كتب إليها ذات يوم قائلاً: “لقد وعدتهم بأني لن أتصل بك ثانية .. ولكنني كذبت.”

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.